في أحد اللقاءات الطلابية في العيش والحرية حالفني الحظ أن أحضر نقاش مع عدد من الطلاب عن “أزمة الشباب في مصر”. كان الهدف من النقاش فهم الأبعاد الاجتماعية والثقافية للحركة السياسية الشابة التي احتلت المشهد السياسي المصري بعد ثورة يناير والتي تعرضت لقمع واسع بعد الثالث من يوليو.

كان النقاش يهدف إلى تجاوز الدعاية المبتذلة من طرف السلطة والقوى التقليدية في المجتمع التي وصفت الثورة الشعبية بثورة الشباب ربما لإنكار الطابع الشعبي للحراك الثوري وحصره في حدود الانتفاضة الشبابية.

وكان حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) حريص على إدارة هذا النقاش لأنه قام على قناعة أساسية بأنه لا يوجد أى فرصة لبناء التنظيمات السياسية الديمقراطية أو أي فرصة لاستكمال النضال الديمقراطي بمعزل عن هذه الحركة الشابة التي تمثل الرصيد الديمقراطي والتقدمي الأساسي والعنيد في المجتمع، وأن أي استهانة أو استخفاف بهذه القوى الشابة والمتقدمة هو عمليا قبول بالواقع الاجتماعي البائس وقطع طريق على أي إمكانية حقيقية لاستكمال مسار النضال الديمقراطي والتقدمي في مصر، كما أنه قبول للعبة السياسية من المدخل التقليدي الذي لا يري أي إمكانية للفعل السياسي إلا بإذن من القصر.

ولهذا نشأ العيش والحرية واعيا بأن لا تأسيس سياسي جاد إلا من قلب الحركة، كما أنه لا إمكانية للتغيير بدون أن تخترق هذه الحركة الجمهور الأوسع، بدون أن تتحول هذه الحركة الشابة إلى قوة استدعاء للجمهور الواسع فى معركة التغيير. ولذلك عقدت هذه النقاشات فى محاولة لفهم هذه القوى الشابة التي لا يمكن اكتشافها سوى بفهم أزمة الشباب المصري في الطبقات الوسطي والشعبية في مصر.

دار نقاش طويل حول هذا البؤس والبلادة الذي يعيشها الشباب المصري في مجتمع محافظ أبوي معادي للحب والأمل، تهيمن عليها الأيدلوجيات الرجعية وتخنقه التناقضات الطبقية القاسية، لا تعليم حقيقي يؤهل ويلهم، ولا مساحات عامة رحبة ولا فرص لحياة كريمة إلا لأبناء طوائف الحكم والبيزنس، لا المجهود ولا الشطارة تكفي لتبديل المصائر ولا السياسة أصبحت مساحة ممكنة فى ظل نظام 3 يوليو الذي تأسس معاديا للشباب وللحركة، ليبقى ملايين الشباب محاصرين بين الرجعية والقهر الطبقي والقمع الأمني، في مأزق يلخص كل ميراث التسلط والرجعية والفشل للنخب الحاكمة في منطقتنا المنكوبة، ميراث يعادي التطلعات الشابة فى الحرية والأمل.

كان “جمال عبد الحكيم” الشاب الشرقاوي المحال حاليا للجنايات بقانون مكافحة الإرهاب، و”محمد عبد الناصر” و”إسلام اسو” المحبوسين فى سجون المنصورة على ذمة قضية قد تؤدي بهم للإحالة للجنايات بنفس القانون، طرفاً فى هذه النقاشات ، بل طرفا فى خيار العمل على تأسيس العيش والحرية مشروعاً سياسيا يعيد اكتشاف مأزقهم ومأزق الشباب كإمكانية نضالية من أجل مجتمع أكثر رحابة وإنسانية لهم وللجميع.

“جمال” الطالب الناشط و”اسو” المتمرد النبيل و”عبد الناصر” الغارق فى هموم جيرانه وأهله قد اختاروا منصة اليسار لتجيب لهم على أسئلتهم الشخصية والعامة ، ففى مواجهة كل القهر والظلم قد اختاروا التضامن والأمل، اختاروا الحلم بدولة المواطنة التي يتساوى فيها المسلم والمسيحي، الرجل والمرأة… الحلم بمجتمع يجد كل أبناءه فرصة للحياة الكريمة ووعد بمستقبل آمن، بعد أن اكتشفوا فى هذه الجلسة وقبلها وبعدها أن لا إجابة “فردية” لمأزقهم الشخصي، بل أن كل عامل يتعرض للاستغلال أو القهر، وكل إمراة يقهرها التحرش والتقاليد البليدة، وكل مسيحي خائف هو تهديد لهم. واكتشفوا فى هذا السياق أن الدفاع عن حق الجميع فى حياة كريمة وحرة لن يتحقق إلا بالنضال والمقاومة فى دولة لا تعترف بالحقوق ومجتمع لا يرحم ضعفاءه.

نضال حالم وسلمي فى مواجهة التسلط البليد والقمع الأعمي والإرهاب المجرم ، فإذا كان المأزق الشاب قد دفع بعدد من الشباب لدوامات كره المجتمع والعدوان على الضعيف والمختلف لدرجة تصل لتأسيس تنظيمات تقتل الأطفال بدم بارد، فإن جمال وأسعد وإسو وفتحي وعبد الناصر ومحمد السيد كانوا قد اختاروا التضامن والأمل وحب المختلف ودعم الضعيف والمستغل، وبهذه التهم يقبع هؤلاء فى السجون المعتمة لأنهم أضاءوا الشموع أمام الكنائس ودافعوا عن حق الطلبة فى التعبير عن أنفسهم والغناء في ساحات الجامعة ودافعوا عن العمال المعتصمين فى المصنع والمفصولين انتقاما وعن حق الفلاحين فى التأمين الصحي.

كم تمنيت أن يكون لدي تسجيل مصور لهذه الجلسة حتي تتمكنوا معي من مشاهدة جمال وعبد الناصر وإسو وهم يتحدثون عن أنه لا خيار للإجابة عن الأسئلة الشخصية سوي بالتحيز للمساواة والنضال من أجل حقوق الجميع، بالحب والأمل ، كم تمنيت أن أئتنس وأحتمي بحماسهم وإخلاصهم الآن.

لقد سلبت السلطة حرية هؤلاء الشباب بعد أن داهمت بيتوهم فجرا فى الهجمة المسعورة الأخيرة، وتركتهم فى السجون لأنها لا شرعية لها سوى بتأبيد الخراب والقهر، لا تتصالح سوي مع القبح ولا تحتمل شموع وأحلام جمال وإسو وعبد الناصر وأندرو وفتحي ومحمد السيد.