التموين

  “سمارت”و “إفيت” المصريتان و”فيرست داتا” الأمريكية حصلوا على عقود تتيح انشاء قواعد بيانات خارج نطاق تحكم “الدولة المصرية”

عبر قاعدة البيانات الرسمية “مدد” تثبت استمرار تسجيل بطاقات وهمية على قاعدة البيانات بعد إنتهاء المرحلة الأولى لـ “تنقية الكشوف”

3 بطاقات باسم فرد واحد.. وصاحبهم: ليس لديّ إلا بطاقة واحدة، صابر اكتشف أن بطاقته صدرت باسم زوجته ويُصرف بها بدون علمه..ومجدي صوب بيانات بطاقته أربع مرات

التموين لـ “مدد”: بعض موظفي شركات البطاقات فاسدون..وتوحيد القواعد هو الحل

تقدم صابر عثمان منشاوي صاحب بطاقة التموين الإلكترونية رقم 101402042754 إلى مكتب تموين البساتين 2 في مطلع عام 2012 ليصدر بطاقة تموين ذكية تضم أفراد أسرته الأربعة. وأتبع الخطوات اللازمة المتمثلة في تحرير طلب إصدار البطاقة مرفق بصورة من بطاقة الرقم القومي، شهادات ميلاد المستحقين من أسرته، مستند الاستحقاق الذي يثبت استحقاقه للدعم مع دفع حوالة بريدية قيمتها 10 جنيهات لشركة إصدار البطاقات.

على الرغم من استيفائه للأوراق السابقة ـ التي حددها قرار رئيس مجلس الوزراء 4248 لسنة 1998 وقرار وزير التضامن الاجتماعي 84 لسنة 2009 ـ مرت 4 سنوات بدون تسلمه للبطاقة، و السبب: “ورقك ضاع في شركة طباعة البطاقات” مما أجبره على تقديم الأوراق المطلوبة لإصدار البطاقة ثلاث مرات.

في المرة الرابعة التي طُلب بها الموظف من صابر إعادة تقديم أوراقه، رفض، وتوجه إلى أحد مركز خدمة المواطنين التابع لمجلس الوزراء في أغسطس 2016 لمعرفة مصير بطاقته، وهناك تلقى ردًا صادمًا: “بطاقتك بيتصرف بها من سنتين في الدرب الأحمر” !!.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، “البطاقة التي أصدرتها شركة إصدار البطاقات حملت اسم زوجتي، مع أني لم أقدم بطاقتها ضمن الأوراق”، يقول صابر.

تتشابه حالة صابر مع حالة مجدي محمد حسن، الذي اكتشف هو الآخر تلاعبًا واضحًا في بيانات بطاقته.

قرر مجدي صاحب البطاقة رقم 127800931842، في نوفمبر 2015 أن يفصل بطاقته من مكتب تموين ناهيا، لتحويلها إلى مكتب تموين قنا.

لم يمر الأمر بالسهولة التي توقعها، فاستيفائه للأوراق الرسمية المطلوبة لاستخراج بطاقة لم يسرع من عملية إصدار البطاقة، وظل يقدم الأوراق مرة بعد الأخرى، حتى وصل به الأمر لتقديمه المستندات 4 مرات خلال تلك الفترة الوجيزة.

يقول مجدي: “الغريب أني بقف مع الموظف أتابعه وهو بيدخل البيانات، وبتأكد من صحتها. ولما برجع استفسر عن البطاقة بلاقي تغيير في البيانات، مرة في بيانات الميلاد، ومرة في الاسماء. أطالب بتعديلها، واستنى لحد ما تتعدل قدام عيني، ولما أرجع بلاقي برضك تغيير في البيانات. وهكذا من سنة ونص”.

حالتا صابر ومجدي عينة من المواطنين الذين تقدموا بشكاوى عن اكتشافهم تلاعبًا في بياناتهم من قبل شركات إصدار بطاقات الدعم الذكية.

بعد الإطلاع على هذه الشكاوى والتواصل مع أصحابها، أنطلق هذا التحقيق ليرصد، في الجزء الأول منه مدى الخلل في عمل الشركات الثلاث المسند إليها طباعة البطاقات الإلكترونية فى ظل غياب دور الحكومة المصرية في التحكم في قاعدة بيانات معتمدة لمواطنيها وإلزام الشركات بها.

هذا الوضع الذي ساهم فى خلق مساحة واسعة للتلاعب بمقدرات الدعم عبر تزوير ما لا يقل عن مليون بطاقة تموين ـ حسب تقديرات جهات تحقيق ـ بهدف التربح من ورائها وبيعها لشبكات انتفاع من تجار وموظفين وجدوا في هذا الخلل مساحة واسعة للانطلاق من أجل السرقة .

كيف يحدث هذا وما هي المحطات الرئيسية التي يمكن من خلال تتبعها لوقف هذا “الإهدار؟، هذا ما نحاول الإجابة عليه بالسطور التالية ..

1) عقود الشركات .. “لا تسمح لحكومتك توقيع عقد يجعل بياناتك في يد شركة لا تملك رقابة عليها”

البداية جاءت مع إعلان وزارة التنمية الإدارية في 2008 عن مناقصة لتوفير خدمة صرف السلع التموينية والخبز بالبطاقة الذكية. ورست هذه المناقصة على ثلاث شركات: سمارت وأفيت “تكنولوجيا معلومات الطيران”، وفرست داتا.

دخل التعاقد مع شركتي سمارت وأفيت حيز التنفيذ بحلول عام 2009، ولحقت بهما شركة فرست داتا الأمريكية الجنسية في العام 2010، وكانت مدة التعاقد 3 سنوات قابلة للتجديد.

وفي 26 يونيو 2014 طرحت وزارة التنمية الإدارية كراسة الشروط الخاصة باستمرار المشروع، تمهيدًا لإجراء المزاد العلني رقم 7.


وفق كراسة الشروط ـ التي حصلنا على نسخة منها ـ تم توزيع بيانات الأسر المستحقة للدعم على الشركات الثلاث حسب المحافظاتن ومنح البند الثاني بها المعنون بـ”تشغيل نظام صرف الخبز المدعوم” صلاحية للشركات الفائزة بالمزاد بـ”بناء تطبيق خاص بها لتسجيل البيانات الأساسية/الإضافية للاسر”.

تبع ذلك فقرة شارحة جاء فيها: “تقوم وزارة التنمية الإدارية بتسليم بيانات الأسرة بالمحافظة للشركة لتسجيلها وسوف تكون الشركة الفائزة بهذا البند مسئولة عن تحميل هذه البيانات على البطاقات الذكية بالمنظومة للمحافظات التي تفوز بها”.

وعلى الرغم من أن التعاقد جعل البيانات التي تسجلها الشركات على قواعد البيانات الخاصة بها، مقتصرة على بيانات مستحقي الدعم التي تسلمها وزارة التنمية الإدارية، وكذا بيانات المتقدمين الجدد الذين تستلم مكاتب التموين (1384 مكتب تموين، وفقًا لبيانات قطاع الرقابة والتوزيع بوزارة التموين) مستنداتهم لمراكز الخدمة التابعة لهذه الشركات (هناك مركز خدمة واحد لكل 15 ألف بطاقة، وفقًا لكراسة الشروط) تمهيدًا لطباعة البطاقة، إلا أن ما توصل إليه هذا التحقيق أن غياب آلية لدى الدولة للتحكم بتلك القواعد وربطها ببعضها البعض سمح بتسجيل أسماء بعض المتقدمين أكثر من مرة و إصدار أكثر من بطاقة لفرد واحد تمهيداً لبيعها لشبكة من التجار وأصحاب المخابز والبقالة للمتاجرة بها و بيعها لمواطنين آخرين.

2) مكتب التموين .. “لا تقدم أوراقك مرتين لأى جهة أى كان السبب”

يبدأ هذا الخلل من مكتب التموين الذي يطلب من المواطن أن يقدم أوراقه أكثر من مرة، بما يعني أن هناك أكثر من طلب محرر باستخراج بطاقة لنفس الشخص، ويستمر الخلل في شركات البطاقات الذين صمموا قواعد بيانات لا تمنع تسجيل الاسم أكثر من مرة.

هذه الثغرة تسببت، وفقًا لكشوفات بطاقات صادرة ـ استطعنا الحصول عليها ـ في إصدار 5 بطاقات مسجلة باسم فردين فقط، مع ملاحظة وجود اختلاف طفيف في تسجيل الرقم القومي للمواطن، على الرغم من أن كراسة الشروط نصت في بندها الأول على عدم إصدار الشركة أي بطاقة دعم إلا بموجب بطاقة الرقم القومي للمتقدم.

سعينا للتواصل مع المواطن الصادر باسمه ثلاثة بطاقات تموين عبر هاتفه المسجل على قاعدة بيانات المستحقين.

تفاجىء بالمعلومة وأكد عدم معرفته أى شىء عنها لكننا وجدنا تفسيرا للأمر حين قال: :”أصرف منذ 2013 ببطاقة مسجل عليها أربع أفراد إلا أني قدمت أوراقي أكثر من مرة لمكتب التموين .

3) حملة التنقية.. “لا تكتفي بتسليم بياناتك للجهات المتخصة.. اختبر بنفسك”

يأتي هذا في ظل الحملة الحكومية التي أطلقها مجلس الوزراء لتنقية البطاقات، ففي 28 ديسمبر الماضي أطلق مجلس الوزراء حملة التنقية، عبر بيان رسمي، دعا فيه المواطنين “لتقديم طلب حذف المسافرين والمتوفين من ذويهم، بجانب حذف المسجل على أكثر من بطاقة”، بجانب إطلاق حملة لتنقية البطاقات، تتعاون في تسيرها أربع وزارات. وأسفرت هذه الحملة، وفقًا لتصريحات إعلامية لمعاون وزير التموين أحمد كمال منشورة يوم 12 فبراير الماضي، عن حذف مليون و200 ألف شخص. وسبق هذه الحملة الإعلان عن نقل الإشراف على إصدار بطاقات التموين من وزارة التخطيط إلى وزارة الإنتاج الحربي، كخطوة نحو ضبط منظومة إصدار البطاقات.

بعد الإعلان عن نتائج المرحلة الأولى من التنقية، أدخل “معد التحقيق” بيانات بطاقات التموين المثبت لدينا تسجيلها باسم أكثر من شخص، على قاعدة البيانات الموجودة على موقعي وزارة التموين والموقع السابق لوزارة التنمية الإدراية الذي يحمل شعار “دعم مصر”، وتوصلنا عبر البحث إلى استمرار تسجيل البطاقات المتلاعب في بيانات إصدارها.

وللتأكد من أن قاعدة البيانات التي أجرينا عليها بحثنا يتم تحديثها باستمرار، استخدمنا يوم 25 فبراير الماضي خدمة “WHOIS lookup“، المتاحة عبر موقع domaintools“”. وتوفر هذه الخدمة بيانات عن أخر تاريخ لتحديث موقع قاعدة البيانات، والذي جاء بتاريخ 24 فبراير، أي قبل يوم واحد من بحثنا، ما يعني استمرار العمل بقاعدة البيانات.

ما تم التوصل إليه من خلال نفي المواطن معرفته بصدور عدد من البطاقات باسمه واستمرار تسجيل هذه البطاقات، يعني أن هناك خلل في قواعد بيانات الشركات أكبر من مجرد استمرار تسجيل المتوفيين والمسافرين وتكرار الأسماء بعلم المواطن، كما أنه يدلل على أن الجهات الحكومية لم تضع يديها حتى الآن على مصدر الخلل المتمثل في إمكانية التلاعب تقنيًا في قواعد بيانات الشركات، وتسجيل أكثر من مستحق.

4) بطاقات الدعم في ساحات القضاء.. “ابحث عن اسمك بين مليون بطاقة مزورة”

وقائع هذا التلاعب تنظره نيابة الأموال العامة القضية التي تحمل رقم 15595 لسنة 2016 المحالة إليها في 19 أكتوبر الماضي، المتورط فيها شركة سمارت الأمريكية المختصة بإصدار بطاقات صرف دعم الخبز في 25 محافظة، وبطاقات دعم السلع التموينية في 14 محافظة.

بدأت وقائع هذه القضية بناءً على استجواب قدمته النائبة فايقة فهيم، عضو مجلس النواب، ضد رئيس الوزراء شريف إسماعيل ووزير التموين الأسبق خالد حنفي، جاء فيه: ” تحريات الإدارة العامة لمباحث التموين والتجارة الداخلية التابعة لوزارة الداخلية أسفرت عن رصد مليون بطاقة تموين مزورة بواسطة شركة سمارت المكلفة من قبل وزارة التموين والتجارة الداخلية بإصدار بطاقات التموين الذكية، وترتب عليه سرقة 200 مليون جنيه من أموال الدعم الخاص برغيف الخبز والسلع التموينية التي هي حق للفقراء”.

لم تنته التحقيقات حتى الآن، لو م يخضع الوزير للاستجواب أيضاَ.

5) المسئولون .. “لا تغفل حقك في توجيه سؤال رسمي حول ما جرى”

لم ينكر المتحدث باسم وزارة التموين إبراهيم عامر (أعفى من منصبه بعد إعداد التحقيق وقبل نشره) المخالفات التي رصدناه، قائلًا “عدد بطاقات التموين الصادرة 22 مليون بطاقة تغطي 72 مليون مواطن، ما يعني أن هناك 4 من كل 5 مواطنين يستحق للدعم، وهذا غير منطقي، ويشير إلى وجود خلل في قواعد بيانات الشركات”.

وبينما يحمل عامر مسئولية الفساد كاملة على موظفي شركات إصدار البطاقات بقوله: “بعض موظفي شركة إصدار البطاقات فاسدين”، فإن النائبة فايقة فهيم لا تعفي مكاتب الموظفين من مسئولية “اختراق منظومة الكروت الإلكترونية، والتلاعب في ألية إصدارها”، لأن هذه المكاتب “تملك صلاحية إصدار التعليمات لشركة سمارت بإصدار الكروت”، على حد قولها.

وحول الجهود الذي أتخذتها الحكومة لمعالجة هذا الخلل، يقول عامر: “الوزارة تتعاون مع وزارتي الإنتاج الحربي والتخطيط في حملة التنقية التي أعلن عنها مجلس الوزراء لتنقية البطاقات من المتوفيين والمسافرين والمسجلين على أكثر من بطاقة”.

وخطوات حملة التنقية وفقًا لما كشفه عامر، أن يقدم المواطن طلب لحذف المتوفيين أو المكررين من أسرته من على بطاقة التموين إلى مكتب التموين التابع له، على أن يحيل مكتب التموين هذا الطلب لشركة إصدار البطاقات، لتقوم بنفسها بالحذف.

وبمواجهته بالكشوفات التي تثبت إصدار أكثر من بطاقة باسم فرد واحد، واستمرار تسجيل هذه البطاقات، وفقًا لقاعدة البيانات الموجودة على موقع الوزراة، يرد عامر: “أن الأمر يستلزم سحب قواعد البيانات الموجودة في يد شركات إصدار البطاقات، وأن تدشن وزارة الإنتاج الحربي قاعدة موحدة اعتمادًا على قواعد بيانات وزارة الداخلية”.

..

خطوات على الطريق لم تفض حتى الآن لوقف هذا التلاعب بينما تنتهي الشهر المقبل حملة تنقية جداول مستحقي الدعم التي أعلنت عنها الحكومة المصرية قبل 5 شهور من الآن . يكشف هذا التحقيق ـ في جزئه الثاني- الطرق التي يتم بها استغلال ثغرات قاعدة البيانات عبر تحرير موافقات وهمية لإصدار البطاقات، فضلًا عن زيادة أعداد المستحقين على كل بطاقة مما يخلق شبكة مصالح تنتفع من وراء بيع البطاقات لأصحاب المخابز وبقالي التموين وهو ما يتسبب في إهدار الدعم الذي يقتطع من ميزانية الدولة في العام المالي الحالي 50 مليار جنيه.