تماما مثل القرارات الفوقية والأحادية التي كان يتخذها “سي السيد” ليُملي بها إرادته القمعية على جيل إنعتق من آتون الاستعباد ولم يعد يملك سوى كرامته وكبريائه.. لم تخرج القرارات التي اتخذها “سي عبده” بعد تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية عن الحلول القديمة لنظام شاخ في مقاعده وبات على أعتاب التحلل والتعفن ودخل مرحلة”الطابونة”.
لم يتمكن “سي عبده” من التفكير خارج صندوق أجهزة القمع، وبقايا نظام فاسد يسيطر على مؤسسات واهنة في “طابونة” تكاد تحترق بكل من في داخلها!
أوهام البطل المُخلص والزعيم الذي تتحول أنفاسه وأحلامه إلى أوامر تتجاوز الدستور والقانون لازالت تتحكم في عقلية الجالس بقصر الاتحادية ودائرة صنع القرار الضيقة حوله.
ظن قائد”الطابونة” أن الحديث ب”تون” صوت مرتفع، وإعلان قرارات تتجاوز الدستور والعقل والمنطق ستحوله إلى بطل شعبي، وربما تُعيد له بقايا شعبية نازفة تتآكل كل يوم تحت وطأة الغلاء والفساد والاستبداد.
الطوارئ.. هو مفتاح الحل التقليدي لدى أي نظام بلا خيال وغير قادر على مجابهة المشاكل بحلول واقعية وعلمية.

الطوارئ.. يعني في عُرف أجهزة القمع إطلاق كامل ليد التنكيل بالمعارضين، ومصادرة ما تبقى من الحريات، والبطش بالدستور والقانون وحقوق الإنسان، وإعادة إنتاج جمهورية الخوف.

تجاهل مُشير”الطابونة” تماما أن حالة الطوارئ مُعلنة بالفعل في سيناء منذ سنتين بالمخالفة الصريحة للدستور الذي لا يُجيز إعلانها أكثر من 6 شهور، وحتى إذا تجاوزنا عن انتهاكه للدستور- وهو أمر متكرر الحدوث- يبقى السؤال: هل منعت الطوارئ انتشار الإرهاب في سيناء؟

الواقع يؤكد أن “بيت المقدس” يفرض سيطرته على قرى بأكملها في شمال سيناء، وعناصره تُقيم لجانا أمنية في مدينة العريش، ويوجهون ضربات متتالية ومؤلمة للجيش والشرطة، كان آخرها قبل يومين فقط.

وقبل أسبوعين جاءت عملية الدائري التي راح ضحيتها أربعة من رجال الشرطة لتؤكد أن الطوارئ لن تمنع إرهابا، وأن تكتيكات الإرهابيين تتطور من التفجير الانتحاري إلى الهجوم المسلح في قلب القاهرة!

فهل يمكن لعاقل أن يتصور بأن انتحاريا راح يفجر نفسه بنفسه ليحظى بالجنة ويضاجع “حور العين” يمكن أن يُخيفه قانون طوارئ!
هل يمكن لعاقل أن يتصور أن من يذهب إلى الموت “راضيا مرضيا” يمكن أن يخشى من محاكمة عسكرية!

هل يتذكر “سي عبده” بأن مبارك ظل يعمل طوال حكمه بقانون الطوارئ؟.. فهل منع ذلك اغتيال رفعت المحجوب، أو محاولات اغتيال عاطف صدقي وصفوت الشريف وحسن الألفي، هل منع مذبحة الأقصر ومقتل شيماء وغيرها من العمليات الإرهابية، هل منع قيام ثورة 25 يناير؟

الطوارئ إذا لم يُفرض لمجابهة الإرهاب والإرهابيين- كما ادعى- لكنه فُرض لقمع المعارضين ومؤسسات المجتمع المدني وما تبقى ممن يقولون كلمة حق في وجه سلطان جائر.
فُرض لتمرير المزيد من قوانين إخراس الألسنة، واتفاقيات التنازل عن الأرض، وتكريس هيمنة الشخص الواحد على كل مؤسسات الدولة، وكل الشواهد التالية لإعلان الطوارئ تؤكد ذلك.
القاعدة العامة المجردة تقول إن الإرهاب قرين الاستبداد، ولا يمكن أن تنشأ جماعات مسلحة تعمل خارج القانون إلا في ظل “طابونة” الأنظمة القمعية، ذلك لأن التداول السلمي للسلطة مُتاح في الدول الديمقراطية عبر صناديق الانتخابات.

إذا أردت مجابهة الإرهاب حقا فالطريق معروف، اقضي على مبرراته وجفف منابعه، حارب الفقر والجهل والمرض، دع كل الأصوات تغرد في فضاء الحرية، افتح نوافذ الأمل بالتداول السلمي للسلطة، انشر البهجة والفن والثقافة، غير مناهج تعليم الحفظ والخطاب الديني الوهابي، وما دون ذلك مزيد من الضحايا وإراقة الدماء والفرص الضائعة.
“سي عبده”.. اعلم بأنك كلما أغلقت أبواب الحرية في”الطابونة”.. كلما فتحت نوافذ التطرف والإرهاب.