حروب القرن الحادي والعشرين لن تكون علي أرض المعركة، وإنما ستجتاح الفضاء الإلكتروني، هكذا علقت بعض الصحف الغربية علي الحرب التي لاحت بشائرها بين قطر وحلفائها. نعم، تقرأها جيداً “حلفائها”، أو هكذا زعموا. بدأت الحرب الضارية بين أبرز ثلاثة دول في الخليج العربي: قطر، السعودية والإمارات، بعد تصريحات أمير قطر الشيخ تميم، كلمة السر في هذه الحرب: إيران.

ولكن حتي بعد تكذيب تلك التصريحات إلا أن الحرب تدور رحاها حتي يومنا هذا. الحرب انتقلت إلي وسائل الإعلام، فقد تبارت القنوات الموالية للسعودية والإمارت في تسليط الضوء علي التوترات بين الدول الجيران، لكن الجيرة الآن أصبحت هشيماً تذروه الرياح. وتعرضت الوكالة القطرية للأنباء “قنا” لهجمات القراصنة بعد تلك التصريحات المثيرة للجدل، بعد أن قامت بنشرها نقلاُ عن الأمير القطري بأن “إيران ثقل إقليمي في المنطقة لا يمكن تجاهله”، ووصف العلاقات القطرية الإسرائيلية بـ”الجيدة”.

تلك التصريحات تصطدم بشكل مباشر مع أهداف القمة الإسلامية الأمريكية الأخيرة في الرياض وهي “التقليل من حجم الدولة الشيعية”. بدورها نقت الوكالة القطرية عملية القرصنة التي حدثت بحقها وأن التصريحات التي نسبت إليها “خاطئة” و”لا أساس لها من الصحة”.

الحرب لم تبدأ بسبب تلك التصريحات، فلا نار بلا دخان، رغم حساسية القضية المثارة، فقد حدثت العديد من الصدامات بين قطر وشركائها في مجلي التعاون الخليجي، وبدأت قطر التحقيق في “عملية اختراق” قالت انها استهدفت موقع وكالة الانباء الرسمية وحسابها على تويتر لنشر تصريحات مغلوطة باسم امير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حملت انتقادات غير مسبوقة لدول خليجية.

وأثارت التصريحات ردود فعل فورية في وسائل اعلام خليجية واصلت بثها حتى بعد صدور نفي الدوحة التي أكدت تعرض وكالتها الرسمية لاختراق معلوماتي. ورغم النفي الرسمي واصل عدد من القنوات، خصوصاً قناتي “العربية” و”سكاي نيوز العربية”، البث المتواصل لمقتطفات من التصريحات المنسوبة لأمير قطر واستضافت محللين وخبراء للتعليق عليها. الكل يعرف بالطبع أنه يتم التحكم بدقة في المحتوي الذي تقدمه تلك القنوات التابعتان للسعودية والإمارات.

تاريخ التوترات

رغم الجدال الدائر الآن إلا أن للدول الثلاثة تاريخ طويل من الخلافات سواء كانت حدودية، أو بسبب التقارب الإيراني الإماراتي في الجانب التعاوني الاقتصادي الذي يغطّي على الخلاف السياسي والحدودي الكبير، حيث تحتل إيران ثلاث جزر إماراتية منذ العام 1974.

ونقلت صحيفة “الباييس” الإسبانية آراء بعض الخبراء مفادها أن الحرب الأخيرة التي طفت علي السطح بينهم تنذر بعواقب ونزاعات تهز المنطقة العربية، خاصة بؤر الصراع في مصر وسوريا والعراق، حيث يتنافسون هناك من خلال ثرواتهم البترولية.

إيران ليست مفتاح الخلاف بين الدول الثلاثة، فمنذ أن دعمت الإمارة القطرية جماعة الإخوان المسلمين، ظهرت العديد من التوترات بينهم خاصة أن السعودية والإمارات اعتبرتا تلك الجماعة “إرهابية”. حيث حرصت قطر علي إيواء قيادتهم السورية والمصرية والسعودية والخليجية أيضاً وقدمت المساعدات المادية والمعنوية للحوثيين في اليمن ما أثار حفيظة الرياض ونقمتها، وعملت على محاصرتها وتقويض قدراتها على التحرك السياسي عربياً وإقليمياً.

وبدأت الإمارات تنافساً اقليمياً مع المملكة الوهابي. وأصبحت اتفاقية “جدة” مجرد ماضي، وبدأت الإمارات اللعب وبقوة في منطقة الشرق الأوسط، من خلال محاولاتها الدؤوبة لإجهاض ثورات الربيع العربي، ففي مصر دعمت نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، ودعم الجنرال خليفة حفتر في ليبيا والتدخل في سوريا ومحاولاتها القضاء على الثورة في تونس كذلك، والقضاء على نفوذ السعودية من ناحية في اليمن.

الخلاف ليس وليد المرحلة

وفي هذا السياق قال الوزير الكويتي السابق علي البغلي في تصريح لموقع “راديو سوا” أن دول الخليج جميعها لديها خلافات حدودية، فبعض نقاط الحدود بين تلك البلدات غير مثبتة أو متنازع عليها أو مختلف عليها، باستثناء النزاع الحدودي بين البحرين وقطر الذي تم حله عن طريق التحكيم الدولي.

وقال الباحث في العلاقات الدولية المغربي عصام لعروسي لـ”راديو سوا”، إن الخلاف القطري مع الدول الثلاث ليس وليد المرحلة الحالية بل جاء نتيجة تراكم اختلافات في وجهات النظر.

وأضاف أن “السعودية، التي تعد عراباً لدول التعاون، ترى أن توجهات قطر لا تتناسب مع مجموعة دول الخليج ككتلة، وأن القضايا الخلافية لا تتطلب أبدا أن تقوم هذه الدول مجتمعة بسحب سفرائها لأن أي إطار اندماجي يقبل الاختلاف في ما يتعلق بالسياسات الخارجية، وهذا أمر معروف حتى بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي.

تركيا.. الخل الوفي

لم يعد لقطر حليف سوي تركيا، فالدولتين تمران بالعديد من الأزمات المشتركة، ولديها رؤي وثوابت مشتركة. نستعرض أهم نقاط التماس:

الخلاف الواضح مع الإدارة الأمريكية الجديدة: فالرئيس الجديد دونالد ترامب لاقى ترحيبًا كبيرًا من السعوديين والإماراتيين، ولكن “تميم” كان له رأي آخر، حيث انتقد في تصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل صفقات السلاح التي عقدتها السعودية مع إدارة ترامب، التي وصف سياساتها بـ”غير الإيجابية”، مشيرًا إلى أن حجم صفقات السلاح الأخيرة بمئات المليارات من الدولارات يزيد التوتر والاحتقان في المنطقة ولا تحقق الاستقرار للدولة التي تقوم بذلك. واعترف بأن علاقات الدوحة وواشنطن متوترة.

وقال “تميم” إن بلاده تواجه «حملة غير عادلة» تتزامن مع زيارة ترامب للمنطقة، وتهدف الحملة الى ربط قطر بـ«الارهاب» و«تشويه جهودها لخلق الاستقرار مع هدف وحافز معروفين».

وأضاف «سنكون بعد تلك الدول والمنظمات لحماية الدور الريادي لدولة قطر على الصعيدين الاقليمي والدولي وحماية كرامة شعبها»، معرباً «إننا ندين الاتهامات بأننا نؤيد الارهاب على الرغم من جهودنا مع اشقائنا ومشاركتنا في التحالف ضد داعش».

ومع زيارة وزير الدفاع الأمريكى جميس ماتيس لدول المنطقة التي شملت السعودية ومصر وقطر أعرب العديد من حكام الخليج، عن أملهم في أن تستغل إدارة “ترامب” زيارة “ماتيس” لتسليم رسالة مفادها: إذا كنت ترغب بالحصول على حمايتنا فيجب عليك التوقف عن دعم جماعة الإخوان، الذين يهددون سلام وأمن حلفائنا ووطننا، وإذا كنت ترغب بالاستمرار بإيواء وتمويل هؤلاء المتطرفين، فإنك سترى الحماية العسكرية تحلق بعيدًا، أنت الآن لوحدك في أحد المناطق الأكثر خطورة في العالم، وذلك بحسب تقرير لمجلة “فوربس” الأمريكية.

أما من جانب تركيا، ظهر ذلك في اللقاء الأول بين ترامب وأردوغان، الذي استبقته واشنطن بالإعلان عن دعمها الرسمي لوحدات حماية الشعب الكردي التي تعتبرها أنقرة إرهابية.

جماعة الإخوان المسلمين: وبحسب تقرير “فوربس” فإنه وبسبب الدعم القطري لجماعة الإخوان، اندلعت في العام 2014 خلافات مع السعودية والبحرين والإمارات، الأمر الذي قامت على إثره هذه الدول بسحب سفرائها من قطر.

وبالرغم من بعض محاولات المصالحة عبر التصريحات العلنية من كلا الجانبين، إلا أنه وراء الكواليس لا يزال جيران قطر غاضبين بسبب استمرار الدوحة، في تمويل ودعم الجماعة التي تريد زعزعة استقرار بلدانهم.

وأضاف التقرير “أن دعم قطر للإخوان معروف جيدًا ومحط جدال دائم”، ويرى المسئولون السعوديون والمصريون بأن قطر تعمل منذ وقت طويل على تمويل جماعة الإخوان عبر منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك المجموعات التي تعمل للإطاحة بحكومات مصر والسعودية الحليفتين الرئيسيتين للولايات المتحدة.

وعرضت قطر أيضًا ملاذًا لعدد من الإرهابيين- بحسب وصفها- المرتبطين بجماعة الإخوان، بمن فيهم الكويتي خالد الشيخ محمد العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، حيث قامت الدوحة بتقديم وظيفة وشقة سكنية له في العام 1996.

ولم تتمكن السعودية وغيرها من دول الخليج من التعويل على الكثير من دعم إدارة أوباما لها في محاربة الجماعة، إذ يعتقد بعض المسئولين العرب أن أوباما كان مقربًا جدًا من الحكومة المصرية خلال حكم الإخوان، التي أطيح بها في ثورة 30 يونيو، بينما يخشى مسئولون عرب آخرون، خجل أوباما في الماضي من مجابهة أمير قطر.

تركيا أيضا تعتبر أحد ملاذ الأمان لجماعة الإخوان المسلمين، فالحزب الحاكم بالبلاد حزب العدالة والتنمية، يعد مزيجا من الديمقراطية والإسلام السياسي، كما أعلن رئيس تركيا رجب طيب أردوغان أن قيادات الإخوان الذين اضطرروا إلى مغادرة قطر سيجدون المأوى الملائم لهم في بلده.

الحرب السورية: إلى جانب عامل الإخوان المسلمين، فإن الحرب في سوريا تضع تركيا وقطر تقريبا على قدم المساواة، حيث تسعى تركيا إلى هزيمة الدكتاتور السوري بشار الأسد من أجل تمهيد الطريق لتشكيل حكومة ديمقراطية جديدة في دمشق ستكون أقل عدائية تجاه أنقرة، ويواجه هذا الطموح تحديا للدعم الروسي والإيراني للأسد، كما تريد قطر هزيمة الأسد، وهي ترعى نفس الجهات الفاعلة في الصراع السوري كتركيا؛ لذا فهما، على ما يبدو، شركاء مثاليين في هذا المشروع.

واختتمت المجلة الأمريكية “فوربس”، بشأن تصاعد الحرب القطرية الإماراتية السعودية بأنه “آن الاوان بالنسبة لقطر اعادة التفكير في استراتيجيتها، فقد كانت القطب الثالث في سياسات الشرق الأوسط على مدى العقدين الماضيين، ووضعت نفسها بين إيران والسعودية، فقطر يمكنها أن تكون صديقة لأمريكا وللإخوان أيضا.

أما الآن، وبينما تعمل إيران على بناء القنابل النووية وتأجيج الحروب الأهلية، في سوريا واليمن وغيرها من الأراضي السنية، فقد حان الوقت لقطر للاختيار، فهي يمكن أن تنحاز إلى إيران وروسيا وجماعة الإخوان، أو تنحاز للسعودية والولايات المتحدة، فقطر يجب أن تختار بين النزعة العسكرية والحرية، وبين الماضي والمستقبل، وبين التطرف والتسامح.