كتبت ـ منى سليم ـ محمد علي

“وكيف لا تأتي يا كل بركان الغضب؟”، سؤال للشاعر “محمود درويش” ـ بتصرف ـ وهو يسجل على لسان “المواطن العربي”: “أنا لا آذي أحد ولكن اذا ما جعت آكل لحم مغتصبي فحذار من جوعي ومن غضبي”.

تلمسناه، ونحن تتابع مناقشات “الشركاوية” عصر يوم الجمعة الماضي، وهم يمرون من أمام منازل بعضهم البعض، رجال ونساء، بمنطقة “المنشية الجديدة” الملاصقة لمدينة العمال الأولى (المستعمرة) التابعة لشركة الغزل بالمحلة الكبرى.

“شركاوية” ـ كما يطلقون على أنفسهم ـ هو تعبير ينسحب على ما يقارب الـ 20  الف عامل(بينهم 3 الاف عمالة مؤقتة )  بــ 14 مصنعاً تابعين لشركة “مصر” للغزل والنسيج كما أطلق عليها مؤسسها، الاقتصادي المصري “طلعت حرب” ضمن مبادرات “بنك مصر” لترسيخ الصناعة الوطنية عام 1927.

180 عاماً كانت كفيلة أن تهلك أشياء وتنضج أشياء، من بين ما أهلكته هو كارثة تحقيق خسائر سنوية تصل إلى 800 مليون جنيه رغم حجم ما انجزته الشركة كقلعة صناعية وعتقته على مدار أعوامها، فحسب بيانات وزارة الاستثمار الشركة التي تأسست برأس مال قدره 300,000 جنيه وصل الآن إلى مليار ونصف المليار جنيه، والتي بدأت بمساحة قدرها 32 فداناً وصلت الآن إلى 1000 فدان تضم مدن للعمال الأولى والثانية ومناطق إسكان محيطة فى منشية البكرى والزهراء وتحتوى على أول مدينة رياضية وترفيهية فى الدلتا، والتي بدات بـ 12 ألف مغزلاً وصلت الآن الى 300 ألف من 484 نول للنسيج إلى 50000 تضمهم عشرة مصانع للنسيج تستهلك حوالى مليون قنطار من القطن تمثل 25% من إجمالى الاستهلاك الكلى للجمهورية كما يبلغ انتاجها من الملابس الجاهزة 5 مليون قطعة سنوياً، وترجع التقارير الخسائر إلى ثلاثة أسباب هى تقادم الماكينات وقلة المادة الخام وعدم القدرة على المنافسة فى السوق الخارجى والمحلى فى ظل الغزو الصيني للمجال والتسهيلات التى يحصل عليها الموردين.

ومن بين ما انضجته الشركة، هو روح عمالها ممن يشككون أولاً في أرقام الخسائر المعلن عنها فى ظل حجم الانتاج الذي يخرج من تحت يدهم، ويحملون ثانياً الدولة مسئولية عدم إيجاد حلول رادعة للمشكلات الثلاثة بينما يكونون هم دائماً من يدفع ثمن ذلك إجحافاً معنوياً ومادياً ولذا كثيرا ما لم يجدوا حلاً غير الاحتجاج من أجل تحسين أوضاع الشركة وتحصيل حقوقهم وتحول عبر السنوات الإضراب من وراء أسوار تلك الشركة إلى مارد يوقظ الكثيرين ويحذر الكثيرين.

لا زال للقلعة ـ رغم الخسائر ـ زهوها، ولا زال للمارد ـ رغم الحصار ـ رهبته.

ذهبنا إلى هناك باليوم الثاني عشر للإضراب الأخير الذي استمر لمدة اسبوعين تحدديداً منذ 7 أغسطس إلى 20 أغسطس، انتهى أمس بنجاح عمال المحلة فى الحصول على تعهد رسمي بتحقيق ثلاث مطالب رئيسييةهي الحصول على علاوة غير الخاضعين لقانون الخدمة المدنية وبدل وجبة وتفعيل لجنة الترقيات.

يوم فى المنشية

عقب صلاة الجمعة كانت تجمعات عفوية تتشاور فدائماً ما يشعر العمال بالخوف من بدايات الأسبوع فإما استجابة للمطالب واما تراجع من بعض العمال نتيجة الاحباط والترهيب فيعودون لماكيناتهم خالين الوفاض.

جاءت الإجابة صباح أمس الاحد، فعاد العمال بالفعل الى ورديتهم المسائية ولكن بعد ان تم تعليق منشور رسمي بإلتزام المفوض العام للشركة بتنفيذ المطالب قبل عيد الأضحى.

 من بيت “عم فيصل” إلى بيت “الست إيمان” تناولنا الغذاء وشربنا شاي العصاري وقابلنا العديد من الوجوه، استمعنا إلى هؤلاء الذين ينتمون للجيل القديم وهؤلاء ملح الجيل الحالي ممن فضلوا عدم ذكر أسمائهم خوفاً من البطش الأمني والتصيد الإداري بعد انتهاء الإضراب .

عم فيصل هو فني صيانة تدرج بالشركة منذ عام 1987 حتى وصل إلى منصب إداري بها، والست أمانى هى رئيس وردية بمصنع الملابس الذي بدأت به كعاملة فى الثانية عشر من عمرها عام 1979.

هناك تفاوت فى تاريخ انضمامهما لتلك القلعة التي يعيش الجميع مخاوف تصفيتها لكن كل منهما يعتبر نفسه إبن جيل ،2006 هذا التاريخ الذي عرفت معه شركة الغزل بالمحلة موجة مد جديدة فى قيادة الحركة العمالية، فخاض كل منهما تجربة الانتخابات العمالية التي انتهى الأمر بتزوير نتائجها.

من يومها لم يعد أى منهما هو نفس الشخص الذي كان عليه من قبل، ومن يومها لاقا الكثير ما بين فصل وتعنت وتشريد، و حرمان من الترقية ونصيحة للفتيات الصغيرات بعدم التقرب.

لم تأخذ روح المعافرة والمطالبة بالحقوق بـ”عم فيصل” و”الست أماني” للعمل السياسي، ورغم هذا فلديهم عشرات الذكريات المشتركة مع رموز له داخل المصنع سواء كانوا يساريين أو ناصريين أو إسلاميين، في 2011 ذهب “عم فيصل” إلى ميدان التحرير وذهبت الست إيمان إلى ميدان “الشون” بالمحلة، مرت أعوام طويلة على الرجل والسيدة، عادا لينضما بعدها لجيل جديد وموجة مد جديدة داخل شركتهما في 2017.

الحكاية ترجع لإضراب عاوزين نشوف الشمس

يقول عم فيصل : “اللى اضربوا في 2017 هم احفاد اضراب “عايزين نشوف الشمس” في 1937 لأنهم كانوا يدخلون المصنع نهاراً و يخرجون منه ليلاً، كلنا ولاد فلاحين ومطالبنا طول عمرها ابسط من البساطة بس مين يسمع؟”.

وتقول الست إيمان “انا شاركت فى اضراب عاملات قسم الملاءات “الافراج قبل الانتاج” سنة 1986 لأننا لم نرضى أن يدفع زملاءنا العمال الثمن وحدهم وكنا على استعداد أن نذهب نحن أيضاً للسجن، وقتها نجحنا وتم الافراج عنهم والرضوخ لمطالبنا واليوم تحول المصنع كله لسجن ويحاصرنا الأمن من كل جانب “ليه كل ده، احنا كفرنا!، ده احنا بنقول علاوة”.

تقول لنا سيدة صغيرة فى أواخر الثلاثينات شاركتنا الجلسة: “انا من أبناء العاملين، وأول مرة اشارك، وماحدش بيحركنا زى ما بيقولوا، او للأمانة لا يحركنا إلا الغلاء، يعني هانرجع من الإضراب وماناخدش العلاوة المستحقة لنا والمصاريف ف بيوتنا كل يوم بتزيد”.

أما الشاب الأربعيني أحد قيادات هذه الموجة، فقد أطلعنا على المستجدات، عن محاولات الاستمالة والترهيب لكن وحسب تعبيره: “احنا كل واحد بيروح الصبح ويقعد تحت رجل مكنته، ومش هاتدور غير لما ياخد حقه، تظاهرنا قدام مقر الإدارة ولو اضطرينا هانخرج للشارع رغم تكتلات الأمن، و الله غالب”

“سياسة النفس الطويل”

يعيش أبناء الجيل الأحدث في هلع زائد من الاتهامات بالتخوين والعمالة والتحريض من الخارج، يخافون أن يظهر أحدهم في الإعلام فيذهب الى السجن أو يتم فصله، يستعرضون معنا تجارب عمال اسمنت أسوان والترسانة البحرية في الإسكندرية ثم يعودون ويطالبون بانضمام عمال المصانع والشركات الأخرى لهم، يحاول أن يختصر العم فيصل المشهد، فيقول: “احنا في البلد دى عايشين بسياسة النفس الطويل”

تهتم “الست إيمان” بالتفاصيل، فالعلاوة مستحقة بناء على تصريحات سابقة لرئيس الجمهورية وما يفعله رئيس الشركة القابضة هو تعنت، تغضب وتتوقف عند مقولته “انا مش هاروح لعمال مضربين”، تكمل:” يعني ايه مش هايروح لعمال مضربين، هو ده عيبة، ولا العامل بيبقى كويس بس لما يبقى بيشتغل ليل نهار ساكت”.

الأربعة خلال لقاءنا رفضوا حديث الخسائر، قال العم فيصل:”العمال بيعملوا اللى عليهم، طول الوردية شغل ورب العباد يشهد، لو بتخسر يبقى دى غلطة الإدارة، ولو هم مش عارفين يديروها قلنا لهم من زمان سيبوها لنا واحنا نديرها”.

يلتقط منه الشاب طرف الحديث ويذكره: “فاكر يا عم فيصل تصور إعادة هيلكة الشركة اللى عملته انت وكتير من قيادات 2007 واتنشر وقتها فى الجرايد، والله الحل موجود والخوف من النوايا الوحشة لتخسير الشركة وتصفيتها”

حدثناهم عن بيانات التضامن معهم الواسعة سياسيا ونقابيا، رحبوا بالجميع وتذكروا اجتماعات جمعت قيادات عمالية من بينهم “عم فيصل”مع قيادات سياسية اصبح اغلبهم بعد ذلك مرشحين رئاسة، ولا ينسوون ايضا وجوه أخرى تخلت عنهم فى مواقف مختلفة، يتبادلوا الضحك ثم يحكون لنا عن رمضان 2007 حين وعدهم أحد نواب الدائرة بالتكفل بإفطارهم باحد الأيام خلال الإضراب لكنه أغلق هاتفه ولم يرد قبل الفطار بساعة واحدة فلم يجدوا أمامهم الا “حفلة إفطار” بالجبنة القديمة المحلاوى الشهيرة والطماطم و الخضرة.

أولاد الفلاحين

وجوه تعي الدرس، عاشت الكثير من المواقف، تبادلت الحكايا والخبرات عبر الزمن، ولهذا دائماً ما حمل إضراب “غزل المحلة” للمتابعين من خارجه ملامح مختلفة.

في مجلة “اشتراكي” الناطقة باسم حركة الاشتراكيين الثوريين واحتفاءا بنجاح اضراب المحلة سبتمبر 2007 تم نشر مقال للكاتبة “نور منصور” هو أشبه ببلوجرافيا الاضرابات فى الشركة العتيقة جاء هذا تحت عنوان “ــ”، فتحدث عن الفترة الضبابية منذ التأسيس عام 1927 وحتى عشر سنوات تالية، فلم يكن العمال بعد القادمين من القرى قادرين على استيعاب حقهم فى المطالبة بمعاملة وحياة آدمية لم يملكوها فى الأجر او السكن مقابل خطاب عام يتحدث عن ضرورة دعم مسيرة الصناعة الوطنية،

تقول الكاتبة: وقع أول إضراب كبير لعمال شركة مصر للغزل والنسيج في يوليو عام 1938. وكان السبب في ذلك تطبيق نظام جديد للعمل يتألف من ثلاث ورديات كل وردية ثماني ساعات بدلاً من ورديتين، كل وردية 11 ساعة. ونظراً لأن العمال كانوا يتقاضون أجورهم على أساس نظام القطعة، كان هذا التغير إيذاناً بنقص أجورهم بدرجة ملموسة. ولذلك قام نحو 1500 عامل بالإضراب مطالبين برفع أجر القطعة حتى لا تنخفض أجورهم في ظل النظام الجديد. وكانت نتيجة الإضراب أن اعتقل الكثير من العمال، وحوكم 55 عاملاً وأدينوا، وأعربت المحكمة عن: “أسفها الشديد لهذا العمل الطائش من جانب عمال النسيج” وأشارت إلى أنهم ابتعدوا عن تأدية واجبهم تجاه شركة ساعدتهم وفتحت لهم باباً يدخلونه، وهم لازالوا جهلاء.. يجب على العمال أن يضحوا بكل مصلحة شخصية من أجل خدمة الوطن”.

خمود لفترة تلاه محطات صعود متوالية، تباعدت او تقاربت زمنياً، نجحت او فشلت فى تحقيق مآربها، ففي 1947 كان اللإضراب ضد اللائحة الجديدة التي شملت فرض غرامات مالية على العمال فى حال المخالفات وانتهت بحصار أمني بالدبابات لكنها ـ كما يقول الباحث ـ نبهتهم لضرورة تنظيم نفسهم نقابياً ومقاطعة اللجنة المفروضة عليهم.

تحسن كبير في أحال العمال فى الفترة الناصرية صاحبه منع وحظر لأعمال الإضراب ثم أخذت تلك المكاسب فى التأكل خلال الحكم الساداتي فكان إضراب 30 ألف عامل من شركة غزل المحلة عام 1975 احتجاجاً على انخفاض الأجور مقارنة بالأسعار.

1986 ، 1987، 1988 موجات تالية من الإضراب بين عنف وسجن ونجاح فى اقتناص بعض من الحقوق إلا انه ومع زيادة البطش الأمني والإداري خفت الصوت ثم عاد مرة أخرى مع حدوث فسحة فى الحراك السياسيى والاجتماعي فى مصر نهاية 2004 فشهد عامي 2006، 2007 بتنظييم إضرابين فصل بينهما أحد اهم الانتخابات العمالية التي انتهت بتزوير نتائجها ضد إدارة العمال وبمشاركة قيادات سياسية وأمنية بالمحلة لكنها كانت النواة لاستمرار عمل نقابي تم دعمه سياسياً من كافة التيارات المشاركة بحركة كفاية وانطلقت الدعوة للإضراب العام تضامناً مع عمال غزل المحلة الكبرى في 2008، هذا اليوم العلامة الذي تحول بمثابة اهداء من عمال المحلة الى تاريخ مصر .

هانولع لكم فى المصنع

تحكي “الست إيمان”: “قيادة أمنية استدعت عدد منا احنا الستات، وهددونا لو اضربتم يوم 6 ابريل بالذات هانحرق المصنع ليلاً ونلصاق التهمة بعدد كبير من العمال وهايروحوا ورا الشمس”.

يتذكر “عم فيصل” كيف كانت تلك التهديدات وخوفهم على المصنع هو السبب وراء اتخاذهم قرار بالتظاهر خارج الشركة بذلك اليوم الذي شهد لأول مرة في مصر إسقاط صورة الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك بالشارع .

لفيصل وخمسة عمال وسيدتين هما “امل” و”وداد” قصة تستحق أن تُحكى، تذًكرها هو حين ووصلنا لصورة “مبارك”، وقعت الحادثة قبيل أيام من اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011بثلاثة ايام ، يحكي: “كان الفصل والنقل والتشريد وصل بنا إلى آخر مداه، فقررنا بدلاً من أن نذهب للقاء تليفزيوني لعرض مشاكلنا أن نذهب لنعتصم داخل قصر الاتحادية، ولقد نجحنا بالفعل فى الدخول من أحد البوابات وجلسنا باللافتات، تعامل الحرس الجمهوري معنا كمجانين، لم يجدا حل الا الاستماع لنا وتهدئتنا ووعدنا بإيصال الشكوى الممهرة بتوقيعاتنا الى رئيس الجمهورية”، يكمل :”كنت اتوقع أني سأذهب خلال ايام للسجن لكنه والحمدلله ذهبت الى ميدان التحرير”

أنهالت أحاديثهم مع الذكريات، تُذكر “الست إيمان” زميلها الصغير كيف دافع عنها أمام القيادة الأمنية فى 2007 وأنها بدلاً من أن تهدىء من حدتها “أخذتها الجلالة” فأخذوه هو واحتجزوه داخل مبنى الإدارة عدة ساعات”، وتًذكرهم السيدة الصغيرة بما سمعته من والدها عن “عم فيصل” الذي تم تعيينه فى الشركة بعد عودته من السعودية التي نظم فيها إضراب من أجل حقوق العمال المصريين داخل معسكر للأمن العام فى جدة.

علاقة اسثنائية فى عفويتها بين الرجال والنساء في هذا المكان المنتشر فوق أسوار مدينته المقولات السلفية التي تمنع ـ ما تسميه ـ الاختلاط، وسيل من النقاشات والدردشة داخل حدود منطقة “منشية البكري” دائما ما كان ينتهي بالتفكر إلى ما الذي ينتظرهم بداية الاسبوع.

اسمعي يا مصر العفية .. العمال مش بلطجية

عاودنا الاتصال بهم بعد نجاح الاضراب أمس وإعلان العودة للعمل.

قالت الست إيمان وهي تهاتفنا فرحًا: “سامع يا أستاذ الهتافات، اسمعي يا مصر العفية العمال مش بلطجية، تابعت: ” خفنا اننا نفضل ضحية للإعلام اللي بيضرب فينا ليل نهار والأمن على البوابات بس الحمد لله نفسنا الطويل وصبرنا على حقوقنا المسروقة كان سبب إننا نكمل وربنا قدرنا عشان نجبر المسئولين في القابضة إننا على الالتزام بها”.

أما العم فيصل فقال: ” العمال لم يجبروا الإدارة فقط، بل أجبروا كافة الأجهزة التي ظلت تطعن في إضرابهم منذ بدايته، العمال انتصروا على النقابة اللي حاربتهم ، وأجبروا الوزارة والشركة القابضة اللي بتهاجمهم إنها توقع على المنشور عشان يبقى رسمي وغصب عنهم عشان الإضراب يتم فضه، وده بالنسبة لنا الانتصار الأهم، إنهم مقدروش يكسرونا ولا يضعفونا ويخلونا نزهق”

واستدرك قائلاً: “هم علقوا منشور رسمي واحنا فضينا الإضراب لكن لو تم التراجع او التقاعس هنرجع تانى وأقوى من الأول”

..

بالتأكيد، ليس المغري هو ثقافة الاضراب وكأنها هدف مستمر فى حد ذاته ولكن جمالية القدرة على استدعائه في مواجهة الاوضاع الاقتصادية المستمر تدهورها و الجور على الحقوق العمالية من الحين للآخر بأشكال مختلفة .

فتاريخ غزل المحلة الكبرى ليس في حاجة لتغليفه بالكتابة، يقول الرجل العجوز “عم سيد” الذي يتابع الآن من الخارج ما كان يوماً أرض نضاله : “كثير ما كنت أشك بالسنوات الأخيرة ان الجيل التالي لنا لا يدرك قيمة هذه الشركة ولا يعرف كيف يعتز بتاريخها ، لا يدرك أن حين يقول عمال المحلة انهم سوف يضربون عن العمل فهذا حدث عظيم يتوقف أمامه الجميع مهما بدا غير ذلك ممن يتحدثون لنا من وراء عتادهم ومدرعاتهم وملابسهم الفاخرة، لكن وقفة العمال الأخيرة يجعلني أشعر وكأن أرض المصانع و المكن بالشركة بتغرس شىء في نفوس العمال دون أن يشعروا”

لم يُعين أحد بالشركة منذ عام 2003، هذه مشكلة اخرى تضاف إلى مشكلات الشركة الثلاث التي لا يتوقف العمال عن التحذير منها.

فلا جيل جديد الهمة، ولا قطن طويل التيلة، و لا ادارة ثاقبة الرؤية، فقط انتصارات صغيرة وليدة ومخاوف ـ تعاندها العزة ـ من الملاحقة وقطع العيش والتصفية، فما الذي ستاتي به الأيام القادمة؟