“عمري ما هدعم حد بياخد تمويل من الخارج”، جملة ضمن عدة جمل مسيئة تتكرر على الصفحات الرسمية للشخصيات المحسوبة على المعارضة في مصر على موقع “فيسبوك”، بشكل ممنهج يطلق عليه مسمى “اللجان الإلكترونية”.

الغريب أن من يقوم بالتعليق أشخاص من دول أخرى أجنبية، لا تدل أسمائهم على أن لهم أي علاقة بمصر. حركنا هذا الأمر للتحقق من هذه العملية بالكامل، بداية من هوية من يقوم بالتعليق، مرورًا بالأدوات المستخدمة، وصولًا إلى الثغرات التقنية التي تسمح بالتعليقات الوهمية على موقع “فيسبوك”، انتهاء بمن يقف خلف توجيه هذه التعليقات.

من؟

“خالد البلشي – لعضوية مجلس نقابة الصحفيين 2017″، كانت إحدى الصفحات التي وقعت مؤخرًا في قبضة التعليقات المسيئة. بدأنا منها بتتبع “MeHar KhiZer”، وهو أحد الذين تظهر باستمرار على الصفحة تعليقات تحمل اسمه، وجاء تعليقه على إحدى الصور المنشورة على الصفحة.

تشير المعلومات الأولية لحسابه على “فيسبوك” أنه من مدينة كجرات في باكستان، ولا يوجد له تعليق واحد باللغة العربية، إلا أن الأمر يستلزم التحقق الكامل من حقيقة تعليقه، ولن يسير أمر التحقق بدون معرفة رقم الـ”ID” الخاص بصاحب الحساب. مكنتنا بعض المواقع من الحصول على رقم الـ”ID”: 100010726874148.

بهذا يمكن بسهولة عبر موقع http://www.graph.tips/، معرفة أخر صور علق عليها صاحب الحساب. ولم تكن الصورة المنشورة على صفحة البلشي من ضمن الصور التي علق عليها صاحب الحساب الذي لم يعلق على أي صور منذ يوم 25 يوليو الماضِ. ما يدل على أن هذا التعليق موجه لتصدير رأي عام وهمي، يهدف للإضرار بصاحب الصفحة.

كيف؟

تمكن بعض المواقع القليلة من نشر تعليقات الوهمية عبر استغلال حسابات شخصية. ويعد موقع “hublaa.Me”، أحد هذه المواقع التي يحظر “فيسبوك” من نشر أي بيانات أو معلومات أو روابط تخص هذا الموقع.

وقمنا بمحاولة واقعية لنشر تعليقات عبر هذا الموقع، عبر اختيارنا خدمة “التعليق الأتوماتيكي”، ومنه انتقلنا للصفحات المطلوب التعليق فيها، ولا يتيح هذا الموقع مثله مثل غيره من المواقع المشابهة إلا بالتعليق على الصفحات أو على الحساب الشخصي للمستخدم، ما يفسر حصر استخدام التعليقات الوهمية على الصفحات الرسمية فقط، وليس على الحسابات الشخصية للشخصيات المستهدفة.


يحيلنا اختيار الصفحة إلى الخانة المعدة لكتابة التعليق المطلوب، مع إمكانية كتابة أكثر من تعليق. ويخير هذا الموقع بين التعليق باسغلال حسابات من مصر، أو من العالم كله. ويبدو أن هذه الخاصية لا علم بها لدى من يوجه التعليقات، ما جعلها تأتي على لسان هنود وباكستانيين وصينيين وفلبنيين، لتفقد المنطقية والتأثير المستهدف.

وبعد إعداد كل الخصائص، يمكن النشر، ليحتشد المنشور بكل صور التعليقات، ما يوحي باهتمام جماهيري بالمنشور. وهو الغرض الأصلي من إنشاء الموقع الذي يقدم في الأساس خدمة تسويقية، للإيحاء برواج منتجات وسلع، وذلك لفترة محدودة، إذ أن التعليقات تتلاشى بعد أسابيع قليلة من على المنشور.

اللافت للنظر هنا أن مصر تتصدر قائمة الدول المستخدمة لهذا الموقع، بنسبة 12,1% من جملة المستخدمين البالغ عددهم 40946.

ما السبب؟

فسر لنا الباحث في الأمن المعلوماتي ياسر رمضان الخاصية التي بها يتم نشر التعليقات الوهمية، قائلًا إن “فيسبوك” ثالث أكثر مواقع العالم تأمينًا، إلا أن هناك ثغرات يعرض بها المستخدم نفسه تعرضه لإمكانية استغلال “حسابه الشخصي” بالتعليق اللإرادي على صفحات غير مشترك فيها.

ومن هذه الثغرات “الأكسس سوكت”، وهو عبارة عن كلمة السر أو الرقم الذي خصصه “فيسبوك” لحساب المستخدم، وعندما يشترك المستخدم في تطبيق من التطبيقات فأنه يسمح له في التحكم في بياناته ومعلوماته الشخصية، وصفحاته ويتيح كذا بدون علمه للتطبيق بأن يستغل حسابه للتعليق باسمه، والكلام هنا لرمضان.

ويضيف الباحث في الأمن المعلوماتي بأن موقع “hublaa.Me” الأول عالميًا في استغلال الـ”أكسس سوكت” لحسابات المستخدمين، ويوجهها نحو صفحات معينة للتعليق باسمهم. ويتيح الموقع 360 تعليق بحد أقصى في المرة الواحدة، وتعاد العملية كل ربع ساعة.

أما الإجراء الذي يمكن اتخاذه عقب تحديد تلك المعلومات فهو مراسلة إدارة الموقع وكذا إدراة الفيس بوك، وهو ما قد يساعد فى الكشف عن هوية محرك تلك اللجاان و اغلاق صفحاته الرسمية.

سلاح إضافي

بجانب هذه الألاعيب الإلكترونية، لجأت الأطراف المتصارعة، إلى اللجان الإلكترونية المنظمة عبر مجموعات “فيسبوك” السرية، التي أتخذتها كمنصة لشن هجوم ضارِ على رموز المعارضة، سواء في ظل حكم الإخوان المسلمين أو في ظل حكم النظام الحالي.

وسرعان ما أنفضح عمل هذه اللجان، فقد خاض الزميل مصطفى زكريا مغامرة صحفية في 2013، كشف فيها عن توظيف الإخوان لمجموعات إلكترونية للإساءة لرموز جبهة الانقاذ المعارضة، ونشر إشاعات عنها.

في المقابل، تسربت من داخل حصون اللجان الإلكترونية المؤيدة للنظام الحالي صور “إسكرين شوت”، تظهر قيادة الناشط السياسي إبراهيم الجارحي لحملات الغرض منها إغراق “فيسبوك” بمنشورات تهدف إلى دعم محافظ البنك المركزي طارق عامر، إثر الهجوم الذي تعرض له بعد تعويمه للجنيه نهاية أكتوبر السابق، ما أدى إلى قفزة في سلع المنتجات الإستراتيجية.

عرض هذا الجارحي لهجوم عنيف، حتى أن الهاشتاج الساخر “عاوز أبقى لجنة يا إبراهيم” أعتلى قمة الأكثر تداولًا على موقع التدوينات “تويتر”، فيما لم يشكك الجارحي في صحة هذه الصور، مدافعًا عن نفسه بأنه يعمل لـ”صالح البلد”.