يظل هو أيقونة الوطن مهما بدا أحياناً غير ذلك، مهما تراءى لك فى مرحلة أنه يوشك أن يكون كل شىء غير ذلك، منذ البداية جاء ليكون هو الأيقونة مهما تزايدت فترات الجذر .

انه النشيد الوطنى، هذا هو الذى يصاحب عزفة مشاعر متدفقة من الإعتزاز والفخر . تلك الكلمات الحماسية التى تكتسى بدثار موسيقى يأتى غالبا من مقام العجم أو ( الماجير ) الحماسى . والذى تجتهد كل أمة أن يأتى غالبا من عمق تراثها الوطنى كى يحكى عن أمجادها الغابرة، ويسرد قصة كفاحها وتحدياتها فى وجه الاحداث الجسام بغض النظر عن تقلبات السياسة ونظم الحكم وأنماطها.

البداية كانت فى المملكة المتحدة فى منتصف القرن الثامن عشر وتحديدا فى عام 1745بنشيد ( حفظ الله الملك )، ثم انتقل التقليد الى أوربا مع تنامى المشاعر القومية بها ولعل أشهرها هو نشيد فرنسا الوطنى (المارسيليز) والذى كتبه ( روجيه دى ليزلى ) عام 1792 ولازالت فرنسا تتغنى به حتى اليوم .

أما مصر فقد كانت أول من تغنى بنشيد وطنى فى الأمة العربية فى عام 1869 والذى كان جزءاً من أوبرا ( عايدة ) التى كتبها الموسيقى الإيطالى ( جوزيبى فيردى ) كى يتم عزفها فى الاحتفال الأسطورى بمناسبة افتتاح مشروع قناة السويس، الجزء المعروف ( بنشيد الإنتصار ) , والذى أصبح أول نشيد وطنى مصرى , وصار يعكس بالضرورة ولع الخديو اسماعيل بالحضارة الغربية فى كل صورها. فى محاولته الحثيثة لأوربة مصر فى شتى مناحيها

فعلى الرغم من ثراء الحركة الموسيقية المصرية فى ذلك الوقت والتى جاء على قمتها المطرب عبدة الحامولى والذى كان صديقا للخديوى ورغم أن الرجل كان أحد المجددين فى الموسيقى الشرقية حيث استخدم مقامات لم تكن موجودهةفى مصر كالعجم والحجاز كار وغنى من كلمات شعراء عظام مثل محمود سامى البارودى وعائشة التيمورية ولكن شاءت ارادة خديو مصر أن يكون النشيد الوطنى المصرى لحنا ايطالياً !! منفصلا عن ذائقة المصريين وثقافتهم ولكنه جاء ملبيا لذوق الحكام وطبقة النخبة الحاكمة ومجتمع الصالونات الذى كان يضم من الاجانب أكثر مما يضم من المصريين .

ومع تنامى الروح الوطنية عند المصريين وخاصة فى ظل مقاومة الإحتلال الإنجليزى ظهرت الحاجة ماسة الى نشيد وطنى يعبر عن هوية الأمة المصرية وتطلعها الى الحرية والخلاص فكانت البداية على يد الزعيم ( محمد فريد ) الذى سعى كى يكون لمصر نشيدها الوطنى الخالص فوقع الإختيار على نشيد للشاعر ( على الغاياتى ) يقول فى بدايته :

“نحن للمجد نسير .. ولنا اللهُ نصير”

والنشيد هو قصيدة من ديوان صغير للشاعر بعنوان ( وطنيتى ) كان قد أحدث ضجة كبيرة عند صدوره والذى يقول عنه الأستاذ فتحى رضوان فى كتابه (عصر ورجال ) : “هو بلا شك ديوان الوطنية المصرية فى الفترة ما بين 1907 حتى1911 إذا قرأته اكتملت لديك صورة كاملة للعهد الذى ظهر فيه إذ لم تترك قصيدة منه حدثا سياسيا إلا وتعرضت له بروح ثائرة محبة للوطن”

وعلى الرغم من أن الخديو عباس حلمى الثانى كان هو حاكم مصر وقتها وهو الذى عرف بعطفه على الحركة الوطنية بل وكان صديقا مقربا للزعيم مصطفى كامل وربما يكون أحد أكثر حكام الأسرة العلوية قربا من الشعب ومناهضة للاحتلال بقدر ماوسعته الطاقة إلا أن هذا النشيد قد أحدث زوبعة لسلطات الاحتلال البريطانى وتعاظمت توابعه السياسية فحكم بالسجن على الزعيم محمد فريد والشيخ عبد العزيز جاويش لأنهما كتبا مقدمة للديوان , كما حكم بالسجن أيضا على الشاعر على الغاياتى وكانت التهمة هى “العداء للاحتلال والتحريض على الثورة” وتطور الأمر بهروب محمد فريد إلى الخارج ووفاته فى منفاه وهروب على الغاياتى إلى سويسرا التى قضى بها أكتر من 27 عاما ليعود بعدها الى مصر بعد أن خفت ذكره .

ثم لم تكف المحاولات على المستوى الشعبى من أجل ايجاد نشيد وطنى يلتف حوله المصريون فكانت شرارة ثورة 1919 هى التى دفعت لحن ( قوم يامصرى) إلى مقدمة أحداث الثورة والذى كتب كلماته الشاعر (بديع خيرى) ولحنه ( سيد درويش) فأصبح هو نشيد المصريين الذى أجج المشاعر الوطنية ضد المحتل الانجليزى ولكنه ظل نشيدا شعبيا يردده الناس بعيدا عن اعتراف الدولة وظل لحن (فيردى) هو المعزوفة الرسمية لمصر فى المحافل الدولية والاحتفالات الرسمية بعيدا عن أشواق الشعب وتطلعاته والتى عبرت عنها بجلاء ألحان سيد درويش الوطنية مثل .. أحسن جيوش فى الأمم جيوشنا . ويامصر قومى وشدى الحيل . وآهو دا اللى صار . مصرنا أملنا وغيرها كثير .

ثم أنه كانت ثمة محاولة على يد الاقتصادى الوطنى الكبير طلعت حرب من أجل عمل نشيد وطنى عام 1920 عن طريق مسابقة لاختيار النشيد يشترك فيها مجموعة من النقاد حصروا اختيارهم فى النهاية بين قصيدتين . واحدة لأمير الشعراء أحمد شوقى يقول فيها :

بنى مصر مكانكم تهيا … فهيا مهدوا للملك هيا

خذوا شمس النهار له حليا … ألم تك تاج أولكم مليا

على الأخلاق خطوا الملك وابنوا … فليس وراءها للعز ركن

والثانية للشاعر محمد الهروى يقول فيها :

دعت مصر فلبينا كراما .. ومصر لنا فلاندع الزماما . وهو نص يتم تدريسه لطلاب المرحلة الاعدادية الآن

ولكن ظل هذا الاختيار أيضا اختيارا شعبيا لم يصادف ترحيبا أو مبالاة من السلطة الحاكمة

ثم سعى الأديب عباس محمود العقاد كى ينال شرف أن تصبح كلماته نشيدا وطنيا فقال :

قد رفعنا العلم

للعلا والفدا

في عنان السماء

حي أرض الهرم

حي مهد الهدى

حي أم البقاء

كم بنت للبنين

مصر أم البناة

من عريق الجدود

أمة الخالدين

ولكن بقيت محاولته مجرد محاولة

ثم تخبرنا بعض المصادر أن نشيد ( اسلمى يامصر ) من كلمات (مصطفى صادق الرافعى )وألحان (صفر على) قد أصبح هو النشيد الوطنى فى الفترة من 1923 وحتى 1936 ولكن تظل هذه المعلومة محل شك لأن معزوفة ( فيردى) ظلت تعزف بعد ذلك رسميا مما يضع هذا المعلومة التاريخية تحت النظر حتى يتم توثيقها تاريخيا . ويظل هذا النشيد هو الأجمل والاعظم من جهة نظر الكثيرين وربما يكون واحدا من أجمل وأبدع الاناشيد الوطنية فى العالم والذى تقول كلماته :

اسلمى يا مصر إننى الفدا

ذى يدى إن مدت الدنيا يدا

أبدا لن تستكينى أبدا

إننى أرجو مع اليوم غدا

ومعى قلبى وعزمى للجهاد

ولقلبى أنت بعد الدين دين

لكى يا مصر السلامة

وسلاما يا بلادى

إن رمى الدهر سهامه

أتقيها بفؤادى

واسلمى في كل حين

وفى دورة برلين للألعاب الاوليمبية ارتفع العلم المصرى هناك وعزف النشيد الوطنى بكلمات جديدة للشاعر محمود الصادق والحان عبد الحميد زكى تقول :

بلادي بلادي فداك دمي

وهبت حياتي فدى فاسلمي

غرامك أول ما في الفؤاد

ونجواك آخر ما في فمي

سأهتف باسمك ما قد حييت

تعيش بلادي ويحيا الوطن

بلادي بلادي إذا اليوم جاء

ودوى النداء وحق الفداء

فحيي فتاك شهيد هواك

وقولي سلاما على الأوفياء

سأهتف باسمك ما قد حييت

تعيش بلادي ويحيا الوطن

وهى الدورة التى حصدت فيها مصر خمس ميداليات فأحرز خضر التونى ذهبية رفع الأثقال للوزن المتوسط، ومحمد مصباح ذهبية وزن الخفيف لرفع الأثقال كما أحرز صالح سليمان فضية رفع الأثقال لوزن الريشة، ,إبراهيم شمس برونزية رفع الأثقال لوزن الريشة وإبراهيم واصف برونزية رفع الأثقال لوزن الخفيف،

وتظل ملابسات عمل هذا النشيد غامضة خاصة وأن معزوفة ( فيردى) قد عادت الى الوجود والاستمرار بعد ذلك .. فهل كان هذا النشيد مرتبطا بإشتراك مصر فى دورة الألعاب الاوليبمية فقط وكم استمر العمل رسميا بهذا النشيد ؟؟

وحتى بعد قيام ثورة يوليو 1952 ظل العمل بالنشيد القديم الذى ارتبط بالحقبة الملكية ثم تبنت الثورة من بعده ( نشيد الحرية ) من كلمات الشاعر كامل الشناوى وألحان محمد عبد الوهاب والذى يقول فى مطلعه :

كنت في صمتك مرغم

كنت في صبرك مكره

فتكلم و تألم وتعلم كيف تكره

والذى أصبح هو و النشيد الوطنى خلال فترة الوحدة مع سوريا والتى عرفت خلالها الدولتين بإسم الجمهورية العربية المتحدة ولكن قبل نهاية الوحدة بعام واحد وفى عام 1960صدر القرار الجمهورى رقم 143بإتخاذ نشيد وطنى جديد من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل وهو نشيد ( والله زمان ياسلاحى ) والذى كان قد كتبه قبلها بأربع سنوات الشاعر صلاح جاهين ولحنه كمال الطويل وغنته أم كلثوم إبان فترة العدوان الثلاثى على مصر والذى تقول كلماته :

والله زمــان يـا سـلاحـي

اشتـقـت لـك في كـفـاحي

انطق وقـول أنـا صاحـي

يــا حــرب والله زمــان

والله زمـان ع الجــنــود

زاحفة بـتـرعـد رعـود

حالـفة تـروح لم تـعـود

إلا بـنـصــر الـزمــان

وجدير بالذكر أن العراق قد استخدم هذا النشيد كنشيد وطنى فى الفترة من عام 1965 وحتى عام 1981

كان النشيد ملائما للحقبة الناصرية وللخطاب السياسى التعبوى وحالة الحرب التى ظلت تخيم على المشهد السياسى المصرى خلال تلك الفترة .

ثم جرت تحت الجسور مياة كثيرة , وذهب السادات لتوقيع صلح منفرد مع العدو الصهيونى , وهناك فى كامب ديفيد همس أحدهم فى أذنه أنه لم يعد من الملائم أن يكون النشيد الوطنى المصرى يتحدث عن السلاح والكفاح والجنود والرعود . لابد من تخفيف النبرة حتى تكون ملائمة للمرحلة الجديدة فصدر القرار الجمهورى رقم 149 لعام 1979بتغيير السلام الجمهورى لجمهورية مصر العربية كى يصبح نشيد ( بلادي بلادى ) والذى كان قد كتبه الشيخ ( يونس القاضى ) ولحنه ( سيد درويش ) وأعاد توزيعه محمد عبد الوهاب ولازال يعزف .

اكتب لنا لأى من تلك الأناشيد تميل أو لغيرها تتمنى أن تسمعه نشيداً لمصر يوما ما؟