باسم أمن الوطن .. سلسلة تقارير صحفية تطلقها منصة «مدد» لرصد الانتهاكات التي يتعرض لها آلاف المصريين داخل الأجهزة الأمنية بإسم امن الوطن والحفاظ عليه، هو المنطق المغلوط الذي لا تستقيم معه غير كلمة «حيف» والتي تعني باللهجة الشامية «ياللعار» وهى نفها اسم اغنية المطرب “سميح القاسم” الذي قال فيها”متنا بإيد اخواتنا باسم امن الوطن واحنا مين احنا؟!!”

..

الحلقة الأولي: أن تبقى معلقاً بين السماء والأرض

علم الجيران والأصدقاء بخبر القبض على “يحيى”، كما علموا بخبر خروجة بعدها بعدة أشهر، لكن لا أحد يعرف ما الذي حدث معه هناك ، أن ينال قسطا من التعذيب، أن يعلق من يديه حيناً، وقدميه بضع ساعات على ارتفاع أعلى من طول جسده دون لمس الأرض حتى يفقد وعيه، مُغمى العينين، ذكريات لا تروى للجيران وربما أيضاً لن يعلم بها الأصدقاء.

اليوم .. لا يملك يحيي من تجربة الإعتقال سوى ملابسه القديمة، ومصحف صغير يصحبه أينما حل، وبضع ذكريات مؤلمة ومهينة يدنى لها الجبين، أي بلاء أشد على طفل فى الخامسة عشر من عمره تنحصر ذكريات طفولته حول محطات حياته مابين الاعتقال، وويلات التعذيب، وما خلفه من تشتت عقلي وكسرة نفس أثناء فترة احتجازة على ذمة أحدى القضايا السياسية. يبدو أن 13 ساعه قضاها “يحيى” معلقاً بين السماء والارض كلما حاول نصب رأسة المتدلي لأسفل سقط من جديد، لم تكن حلماً، عندما أحس بالدماء تجمعت في عينيه وأن رأسه على وشك الأنفجار، بدأ في الصراخ والنداءات والسباب، لكنها لم تجدي، تمنى الموت. هكذا وصف لنا حالته انذاك- لن نستخدم الأسم الحقيقي في هذا التقرير.

ألقي القبض على”يحيى”البالغ من العمر 15عاماً، في العام الماضي، بتهمة المشاركة في مظاهرة، وأمضى و عبر أساليب متنوعه من أشكال التعذيب -كان أكثرها تإثيراً، وابل من صعقات كهربائية في أنحاء جسدة النحيل، وبخاصة أعضائه التناسلية-، ومن قبله أخرون في مثل سنه، ساط ذيع نهج أتبعه أحد أقسام الشرطة بمحافظة البحيرة، للإعتراف بجرائم والإستددلال على أخرون من القُصر، بتهم تتعلق بالمشاركة في أعمال شغب.

يقول “خدوا أبويا علشان أروح لهم، عمي قالي أن أبويا مش وش بهدله، وخدنى أسلم نفسي، وقال لأمين الشرطه اللي استلمني “ده واد صغير، خد بالك منه” .. الأمين قاله “عيب عليك ده أبنى وأخويا الصغير” .. “لكن يدوب عمى وأبويا دوروا وشهم راح رافسنى بالرجل حادفنى على السلم وقالي أطلع لي فوق يا ابن المره.”

مازال الحديث معه عن مساء تلك الليله، يقول “دخلت قدام الضابط ، كلبشونلى من ايدى ورجلى وقعدونى مقعمز ع الارض، الضابط سألني بصوت هادي: ها بقى .. كنت بتتنزل مظاهرات؟ أنا عارف أن مفيش حاجه هتنجيني من اللى أنا فيه .. قلت له :يا باشا كنت بنزل مظاهرات . راح مكهربنى على خوانه في صدري .. أفتكرت الإجابات اللى مش هتعجبه بس هي اللى هستحق عليها العذاب ده .. كنت بحاول أمسك نفسي وأشد عضلي علشان ما احسش بالكهربا لكن أنا متغمى مش عارف الضربة جيالى منين”.

يبتسم في شرود، وفصولاً من المرارة تمر أمامه، تطال المدى كله، تجعله يصمت كثيراً ويحكى قليلاً لكنه يستطرد قائلاً “علقوني زي الدبيحة رفعوني من أيديا ورجليا بالجنزير اللى بنشوف الدبايح متعلقه بيه عند الجزار، .. بقيت متكور فى الهوا لا طايل الأرض ولا السقف عمال أصرخ وكل شويه يرفعوا الجنازير وينزلوها .. وأنا بتمرجح في الهوا .. بعد ساعتين نزلوا ايدي وسابونى متعلق من رجليا بس .. ، 10 ساعات أو أكتر .. كنت بموت .. مكنتش قادر اتنفس ولا استحمل”.

على استحياء يحكي عن أشكال وأساليب مختلفه وأدوات جمه نالت من جسدة وأعصابة لأكثر من 4 أيام بين إجبار على خلع الملابس، وتهديد بالاعتداء الجنسي و الصعق بالكهرباء في أماكن حساسة من الجسد والإجبار علي الزحف علي البطن مع تقييد اليدين خلف يقول: أخر حاجه مقدرتش اتحملها كنت نايم عريان على ترول زي بتاع المستشفيات وجسمي مبلول ميه، وفاضل يتوصل بالكهرباء .. قررت أعمل كل اللى يطلبه، كان لازم أقول ان أنا وفلان وفلان ولعنا فى كذا وكذا وبين ارتكاب كل واقعه منهم 5 دقايق واللى عرفته بعد كده أن كل واحد منهم بينها وبين التانيه مسافة ماتقلش عن ربع ساعه.”

بعد شهور انتهت بالإفراج عن الشاب الصغير والحكم ببرائته عاد وقد استقر في نفسه أن بيته هو الملاذ الأخير، وأنه سيعيش فيه بقية عمره الممزق، لكن القصة لم تنتهِ بعد، فثمّة فصولا أخرى، كان آخرها وليس أخيرها أزمة الذكريات والكوابيس المفزعه.

بعد 3 أيام من خروجه أستيقظ والديه على صراخ يصدر من غرفته، يهرعون حيث ينام، إن الدماء تملاً الغرفه، ولو أن كابوساً يلاحقه ما كان لينزف، لكنه لم يكون كابوساً عادياً ذلك الذي جعله يصيح كالمجنون هلعًا، يكسر مرآه غرفته مما تسبب في جرح قطعي في أوتار يده اليمنى، لتكتمل معاناة الشاب الصغير بأثار نفسية وجسدية لن تمُحى من روحه.

الدكتورة هبه عزوز أخصائية المخ والأعصاب تحدثت لـ مدد عن التأثير الجسدي للتعليق من القدمين وقالت أن التعليق من القدمين لفترات طويله يؤدي إلى مضاعفات في زيادة ضغط الدم الوريدي في المخ مما يزيد من ضغط سائل النخاعي في محتويات أنسجة الدماغ وكمية الدم المتدفقة إلى الجمجمة تؤدي إلى رفع نسبة الضغط نظراً لشكل الجمجمة الذي يشبه الصندوق المغلق، وتصنّف هذه الحالة بالـ “خطيرة” يجب معالجتها على الفور وإلا ستكون النتائج وخيمة، كما أنها تؤدي لحدوث تشنجات وتورم في شبكيه العين وتباطئ في سرعه خفقان القلب وفي أخطر الحالات بعد فترات طويله من التعليق تتلف في بعض خلايا المخ ويحدث تدهور في الوعي لدرجه الغيبوبه.

وتتعدد أساليب التعذيب التي تستخدم بما يخالف القانون والدستور في الأقسام والسجون ومقار الاحتجاز

ويبقى التعليق من اليدين أو القدميين أكثر طرق التعذيب انتشارا واكثرها ايلاما للنفس والبدن حيث يصبح الضحيه فى وضع العجز الكامل ذلك ان اى حركه تضاعف من الالم الرهيب المصاحب لاى حركه يقوم بها الضحيه فليس امامنه الا الاستسلام وانتظار المجهول الذى قد يطول انتظارة او قد لايأتى ويفقد فيها الضحيه احساسه الكامل بالزمن، وفى التعليق اهانه كبرى حيث يكون الانسان فى وضع التعليق اشبه بوضع الذبائح فى المجازر.

وشهدت السنوات السابقة في ما يسمى بدوله يوليو إرادة سياسية تخطت فكرة الإقصاء والتهميش للمعارضين ، تمثلت في تعذيب المعارضين السياسيين، لاسيما منهم الإسلاميين من جماعة الإخوان المسلمين والاحزاب السياسية المعارضة قيادات ومنتمين، بدعوى القضاء على الإرهاب، بالإضافة لما شهدته من حوادث تصفية بدنيه وإهمال طبي في السجون وتعذيب مواطنين لا ناقة لهم ولا جمل في الأقسام ومقار الإحتجاز حتى الموت.

ووثق مركز النديم لمناهضة التعذيب في الفترة ما بين 8 يونيو 2014 و7 يونيو 2016 (37 ) أسلوباً لممارسة التعذيب، كالذي ناله “يحيى” وأخرون ، منها على سبيل المثال لا الحصر، ضرب بالعصي، والشوم على أماكن مختلفة من الجسد أثناء عملية القبض و إجبار على الجلوس على زجاج مكسور, واعتداء جنسي فعلي والتهديد بالاعتداء الجنسي على الزوجة أو البنات وتعصيب العيون لفترات طويل، التعليق من اليدين في السقف مع تقييد اليدين خلف الظهر، والسحل والدهس بالأحذية على الرأس والرقبة، تغطيس الرأس داخل المرحاض، ضرب عنيف على مفاصل الركبة والفخذ ، جلد بالحزام، إغراق الزنزانة بالمياه، الحبس الانفرادي لفترات طويلة، الركل والصعق بالكهرباء، الضرب بآلات حادة، ضرب بالمواسير، ضرب بالبوكس في الرقبة (ما يسمى بالبلاعة) التقييد في الكرسي الحرمان من دخول الحمام التحرش الجنسي هتك العرض عن طريق إدخال عصى في الدبر التعليق على “الفلكة”.

وداخل أقسام الشرطه بمختلف محافظات الجمهوريةـ استمرت التجاوزات التي تورط فيها عدد من أمناء وأفراد الشرطة فوجهت أسرة يوسف . ط السجين بقسم شرطة دمنهور اتهاماً لضابط و 3 افراد شرطة فى المحضر رقم 25480 لسنة 2015 بالاعتداء عليه بالضرب وتعذيبه وهتك عرضه عن طريق إدخال عصاه بمؤخرته مما تسبب له بأذى نفسي وجروح، وقال شقيق المجني عليه، إن شقيقة البالغ من العمر 33 عاماً ، كان محبوس احتياطياً على ذمة قضية مخدرات، وأنه تعرض لأبشع أشكال التعذيب عندما قام أحد الضباط بالإمساك بعصا غليظة وإدخالها في “دبره” بمساعدة أفراد شرطة أخرين، ووضعه في غرفة التأديب لأكثر من 20 يوما، والتعدي عليه مما أدى لإصابته في الرأس والبطن وتعرضة للصعق بالكهرباء.

كما ثبت في قضية المعروفة إعلامياً بقضية سائق الكارو مجدى مكين وجود تجلطات في لحم المؤخرة، وهو ما ووثقته أسرة الضحية بصور ومقاطع فيديو بعد تسلم جثته في المشرحة، ظاهرًا عليها، ما قال عنه أحد أقاربه بأنه اشتباه في اجباره على الجلوس فوق نار متقده أو فحم مشتعل، جاء ذلك داخل قسم شرطة الأميرية بالقاهرة، كما وثق تقرير الطب الشرعي الخاص بالطالب الإيطالي جوليو ريجيني وجود إطفاء سجائر في أماكن مختلفة من الجسد، الأمر تخطى معاقبة المعارضين لأولائك الذين لا ناقة لهم ولا جمل.

ويجرم دستور يناير 2014 التعذيب، فالمادة 52 من الدستور المصري تنص على “التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم”. وتنص المادة 55 أن كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا فى أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحياً، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة. ومخالفة شىء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقًا للقانون. وللمتهم حق الصمت. وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شىء مما تقدم، أو التهديد بشىء منه، يهدر ولا يعول عليه”.