حرب 1948.. حين اعتقد الجيش المصري أنه في «نزهة» والجيش الأردني أنه في «مناورة»
الجيش العربي «الضئيل» نزع سلاح المقاومين في فلسطين ثم انهزم
«الفلسطينيين باعوا أرضهم» أكذوبة خلقها الصهاينة لمنع إرسال قوات عام 48 وصدقها بعض المصريين حتى الآن
مصر استقبلت اللاجئين بـ «الحجر الصحي» في العباسية والمظاريطة.. ومظاهراتهم أعادتهم إلى غزة

في أيام ذكرى وتذكر نكبة العرب في عام 1948، والتي يمر عليها 69 عام، وفي أجواء غير سعيدة حالية يعيشها العرب، وفي ظل صمود ومقاومة مستمرة، بالرغم من كل شئ، لدى الشعب الفلسطيني، نعيد الضوء إلى فلسطين التاريخية، فلسطين القضية، نسأل عما حدث، وما المتوقع حدوثه، من خلال حوار “مدد” مع المؤرخ الفلسطيني، المقيم بمصر، عب القادر ياسين.

في البدء كانت الهجرات اليهودية لفلسطين، كيف تعامل الفلسطينيون مع الهجرات خصوصًا بعد وعد بلفور؟
أول مستعمرة صهيونية قامت في فلسطين عام 1882، وهو نفس العام الذي احتلت فيه بريطانيا مصر، والشعب الفلسطيني لم يقف متفرجًا، بل هاجم تلك المستعمرات واقتلع أشجارها وسمم مواشيها، ثم رفع النواب الفلسطينيون في المبعوثان العثماني (البرلمان) مذكرات تنبه الدولة العثمانية من الخطر الصهيوني ولكن دون جدوى.

نكبة العرب في فلسطين (قوة الصهاينة أم ضعف العرب)؟ ولماذا؟
في 29/11/1947، أصدرت الأمم المتحدة، قرارها القاضي بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وعلى الرغم من أن المستوطنين اليهود لم يكن عددهم يتجاوز ثلث سكان فلسطين فإنهم مُنحوا أكثر من نصف مساحة الأراضي الفلسطينية، في تحيز كامل من الأمم المتحدة، التي كانت تقع تحت سيطرة القوى الغربية الاستعمارية. رفض العرب، والفلسطينيون بضمنهم، قرار التقسيم، لكنهم لم يضعوا الرفض موضع التطبيق، خاصة الحكومات العربية، ذلك أن رؤساء الحكومات العرب اجتمعوا في الجامعة العربية في ديسمبر 1948، وقدروا أن لدى الصاهينة 34 ألف مقاتل فقط، والحقيقة أن الصهاينة كان لديهم 68 ألف مقاتل، ومثلهم من الاحتياط؛ ومع ذلك، فمن البديهيات العسكرية التي يعلمها حتى رجل الشارع العادي أنك لا ترسل أقل من ثلاث أضعاف المهاجمين، الدول العربية لم ترسل سوى 20,500 مقاتل بخمس قيادات مختلفة، بتسليح وتدريب متواضعين، أضف إلى ذلك جهلهم التام بطبيعة الأرض التي يحاربون عليها، والأنكى كان جهلهم النسبي بالهدف الذي يقاتلون لأجله، والأنكى أن الجيشين، المصري والأردني، عمدا بمجرد دخولهما الأراضي الفلسطينية إلى جمع السلاح من المقاومين، ومن يرفض ذلك يصادرون سلاحه بالقوة، ويزجون به في السجن، بدلًا من الاستفادة بخبرتهم القتالية في هذه التضاريس الجديدة على الجيوش العربية.
كانت الجيوش العربية بخمس قيادات، وخمس إرادات، وكان القائد العام لتلك الجيوش الملك عبد الله بن الحسين، الذي لم يكن يملك أي خبرة في القتال والحرب، مما دفعه لتسليم تلك المسؤولية لقائد جيوشه الجنرال البريطاني جون باجوت جلوب، رئيس أركان الجيش الأردني آنذاك، ما كان للدول العربية أن تنتصر ليس فقط بسبب نقاط الضعف العسكرية المذكورة، بل أيضًا بسبب البنية الاقتصادية الاجتماعية، وتبعية كل الدول العربية آنذاك للمستعمر الفرنسي أو البريطاني.
جون باجوت جلوب ذكر في مذكراته مع العرب أن بريطانيا شددت على الدول العربية بألا يتخطوا خط التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة، علمًا بأن بريطانيا امتنعت عن التصويت على القرار وقت صدوره، هنا كان طبيعيًا أن تتبلور النكبة، ونلاحظ أن المقاتلين الفلسطينيين، على ندرة أسلحتهم وشح ذخيرتهم، نجحوا في الحفاظ على أكثر من 80% من مجموع الأراضي الفلسطينية، إلا أنه بدخول الجيوش العربية انقلب الوضع وأصبح لدى الإسرائيليين 78% من الأراضي .

كيف كانت أوضاع المهجرين في الشتات، خصوصًا وأنك عاصرت جزء منها في مصر؟
كل الدول العربية فتحت أبوابها للفلسطينيين، وأسكنتهم في المساجد والمدراس، مؤقتًا، إلى أن تدخلت جمعية الكويكرز الأمريكية، ونصبت خيامًا للفلسطينيين، وهنا عرفنا المخيمات الفلسطينية؛ إلا مصر كانت الاستثناء، فهي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين في حجر صحي في المظاريطة ببورسعيد، وفي العباسية، وبعد ذلك نقلتهم إلى القنطرة شرق في معسكر قديم مهجور للجيش البريطاني. وسكنا هناك إلى صيف 1948 بعد توقيع الحكومات العربية لاتفاقات هدنة مع إسرائيل، وزير المعارف وقتها السنهوري باشا زار المعسكر فخرج الناس في مظاهرات له تطالب بالعودة إلى غزة، بعد أسبوع تقريبًا أتى قطار وحملنا إلى القطاع، وهناك عاش معظم اللاجئين في فقر شديد، البطالة كانت نسبتها عالية، والصحة أوضاعها سيئة جدًا .

في كتاب لك ذكرت أن أحد الجيوش العربية أعلن قائدها للمحاربين أنهم ذاهبون إلى نزهة في فلسطين، فمن هذا الجيش؟
القائد المصري هو الذي أخبر جنوده بأنهم ذاهبون في نزهة، والقائد الأردني أبلغهم أنهم ذاهبون إلى مناورة في فلسطين.

انتشرت عبارة “الفلسطينيون باعوا أراضيهم” فما مدى صحة هذه العبارة؟
حين صدر قرار التقسيم السابق ذكره توزع الشاي في مصر، والشاي هو جهاز المخابرات الإسرائيلي، وكان ثاني أكبر فرع له بعد فرعه في الاتحاد السوفيتي، وكان الجهل بالقضية الفلسطينية في مصر متفشيًا متفشيًا، والأرض عطشى لأي معلومة، فانتشروا وأكدوا للشعب المصري أن الفلسطينيين قد باعوا أراضيهم لليهود، فهذه أكذوبة ولازال يرددها الناس، وبعضهم من أساتذة الجامعات. الحقيقة أن هذا افتراء أراد به الصهاينة الضغط في اتجاه عدم إرسال القوات المصرية إلى فلسطين، خصوصًا مع وجود تيار في مصر يدعم هذا، وهو حكومة النقراشي باشا.

كان هذا هو الوعي الشعبي المصري بالقضية الفلسطينية فكيف كان الوعي العربي؟
اختلف الوضع في المشرق العربي عن مصر كثيرًا، فالصهاينة لم يملكوا أجهزة مخابرات قوية في تلك البلدان ما صعب عليهم تزييف الوعي العربي.

وكيف تسربت الأراضي الفلسطينية إلى أيدي الصهاينة؟
ثلث هذه الأراضي باعها الموظفون الفاسدون في بلاط الدولة العثمانية، أما الثلث الثاني فباعه ملاك عرب منعتهم السلطات البريطانية من الوصول إلى أراضيهم فقرروا بيعها، وكانت الوكالات اليهودية هي التي تمتلك القوة الشرائية للحصول على تلك الأراضي، وبالنسبة للثلث الأخير، وهو حوالي 174 ألف فدان، كانت من ضمن الأملاك الأميرية الخاضعة لحكومة الاحتلال البريطاني، وقد باعت جزء منها للوكالة اليهودية وتنازلت عن جزء آخر، كما فعلت في الأراضي المصرية الأميرية حين احتلت مصر. ولو أن الفلسطينيون باعوا أراضيهم لأبرز الصهاينة صكوك ملكيتهم لتلك الأراضي في المحافل الدولية، التي أصدرت أكثر من 100 قرار تقضي بعودة اللاجئين إلى أراضيهم.

قيل أن الجيوش العربية دخلت الحرب عام 48 بأسلحة فاسدة، فما صحة هذا الأمر؟
بعد قيام ثورة يوليو برأت المحكمة الجميع من تهمة الأسلحة الفاسدة، ولكن كان هناك فساد في توقيع اتفاقيات الأسلحة تورط فيها أعضاء من حاشية الملك فاروق، إلا أن أحد الضباط الأحرار، وهو مصطفى بهجت بدوي، قال في أحد كتبه أنه لم يكن هناك أسلحة فاسدة كل ما في الأمر أن هناك مدفع أو مدفعين انفجرا نتيجة سخونتهما من كثرة استخدام القذائف.

هل فلسطين على مشارف نكبة جديدة؟
بالتأكيد نحن على مشارف نكبة جديدة تنسجها الأنظمة العربية كافة، بما في ذلك النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وعلى رأسه محمود عباس .

بعد مرور 69 عام على النكبة ما الذي تغير؟
أعتقد أن أسباب النكبة زادت ولم تنقص، وأوضاعنا العربية تردت كثيرًا عما كانت عليه في 48، وزاد عليها ملوكًا تباهوا بأنهم ضبطوا أسلحة كانت ذاهبة للمقاومة الفلسطينية، أحدهم قال: قواتي قد أحبطت أكثر من مائة محاولة، أضف إلى ذلك محاولات التطبيع مع العدو الصهيوني التي تجري على قدم وساق .

في لقائه مع ترامب، أعلن السيسي عن “صفقة القرن”؟ فهل تتوقع أن تكون فلسطين جزء من هذه الصفقة؟
الصهاينة دخلوا معنا في معادلة صفرية إما هم وإما نحن، وبالتالي هم ضد أي تسوية للقضية الفلسطينية، أو للصراع العربي الصهيوني، ومن ناحية أخرى فإن ميزان القوى مختل تمامًا لصالح الصهاينة على حساب الطرف العربي، وبالتالي أنت لا تحصلين في منضدة المفاوضات على أكثر مما تساوينه في ميدان القتال، ونحن في ميدان القتال، العرب ككل، صفر. جامعة الدول العربية حينما تعتدي إسرائيل على أي دولة عربية تقول نحن نتمسك بخيار السلام، هذا ليس سلامًا وإنما استسلام.

بعد تعديل حماس لموقفها من الاعتراف بحدود 67 في ميثاقها الأخير، كيف ترى الأوضاع في الأراضي المحتلة، هل تتجه حماس نحو نبذ الكفاح المسلح كما سبق وفعلتها فتح عام 82؟
هذه تعتبر الوثيقة البرنامجية الثانية لحماس ، الأولى صدرت في أغسطس 1987 ، وكانت أشبه بخطبة ساذجة لا تمت للبرنامج السياسي بصلة ؛ وشتان بين التعامل مع شأن سياسي بمنطق ديني ، وبين التعامل مع شأن ديني بمنطق ديني ، قضية فلسطين قضية سياسية لها بعد ديني ولها بعد عربي وكذلك بعد إنساني ، يُحسب لحماس أنها كانت الفرقة الإسلامية الأولى في العالم العربي والإسلامي التي تصدر برنامج سياسي ففي العادة تكتفي الحركات الإسلامية بأن القرآن دستورنا ومحمد قدوتنا واستشهاد ي سبيل الله أسمى امانينا ، وهذا ليس برنامج سياسي الأن أصدروا برنامج وفي رأي هذه خطوة كبيرة للأمام، أما المرونة التي بدت في البرنامج فإذا كانت مرونة أصيلة فأنا معها أما إذا كانت للتماهي مع الفصائل التي سبق قبل 43 عام وأن وافقوا على دولة في أي بقعة ثم أسقطت التحرير شيء فشيء فأنا أخشى أن نعجز عن اقامة دولة في الضفة وغزة ، ونسط تمامًا وإلى الأبد أمر تحرير فلسطين .

في ظل الأوضاع الحالية في الوطن العربي ، ما الدور الذي يمكن للشعوب العربية القيام به ؟
الانقسام القائم في فلسطين ما هو إلا انعكاس للانقسام القائم في جميع الدول العربية، هذا من ناحية، ولكن علينا تصحيح الأوضاع الفلسطينية، الأمر صعب والموجة عالية على أن يتصدى لها أي شخص بمفرده، وكما يرى الجميع فمنذ 1/10/2015 الشباب الفلسطيني أدار ظهره لكل الفصائل، واستلوا السكاكين في رفض للحلول السياسية، ولكن كل هذا ينقصه العمل الجماعي المنظم.

لا يمكننا أن ننسى أسرانا في سجون الاحتلال الذين يخوضون حاليًا إضرابًا عن الطعام، فهل تعتبر إضراب الأسرى حق أم عنترية فارغة، كما يقول البعض؟
هم رهائن وليسوا أسرى، لم يتم أسر أي منهم في أي معركة عسكرية، ولم تتم محاكمتهم، فهم حسب القانون الدولي رهائن، مثلهم مثل الشباب والفتيات الذين يتصدون للاحتلال بصدور عارية بينما الفصائل تقف متفرجة، وأنا أرى أن المرحلة انتهت بما عليها من فصائل منذ اتفاق أوسلو، واستمرارهم حتى الآن فهو بدعم من قوى الصهيونية والقوى الاستعمارية، حتى توقع منظمة التحرير على اتفاق نهائي يسوى القضية الفلسطينية.

ما أشبه اليوم بالبارحة، نحن من نكبة إلى نكبة، كيف نهض الشعب الفلسطيني من نكبته الأولى لربما استطعنا ان نستلهم العبر كي ننهض؟
النكبة تعني تقويض البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، للشعب الفلسطيني، استمر الشعب الفلسطيني يقاوم كل في مكانه، وتمكن من إسقاط مشاريع التوطين والإسكان مثل مشروع سيناء، في فترة حكم عد الناصر، ومشروع جونسون في الأردن، ومشروع الجزيرة في سوريا، وبذلك قطع على الاستيطان محاولاته لطي القضية الفلسطينية للأبد، وبعد عقد من النكبة تمكن الاقتصاد الفلسطيني من استعادة عافيته، بفضل عمل الفلسطينيين في أقطار الخليج العربي وإرسالهم مدخراتهم لعائلاتهم في فلسطين، ومع الانتعاش الاقتصادي تبلورت الفئة الوسطى، وكذلك وجود روابط الطلبة الفلسطينيين التي مثلت الجبهات الوطنية من البعثيين والقوميين العرب والشيوعيين والإخوان، وكانت هذه مدرسة علمتهم أهمية التنظيم والإئتلاف؛ كذلك النهوض العربي في منتصف الخمسينيات دفع الطوق الفلسطيني خطوات واسعة إلى الأمام، لكن قوة هذا النهوض حال دون ظهور الكيان الفلسطيني.