كانت فلسطين على موعد مع الثورة الكبري ضد المستعمر البريطاني والعدو الصهيوني بين عامي 1936 الي 1939 عندما خرجت صرخته الأولي إلي النور معلنة ميلاد الطفل “ناجي سليم حسين العلي” حسبما تشير الأوراق عام 1937 في قرية الشجرة الفلسطنية الواقعة بين طبرية والناصرة في منطقة الجليل التاريخية علي بعد حوالي 100 كيلو متر من مدينة القدس العتيقة والذي عرف فيما بعد باسم ناجي العلي الرسام العربي الشهير ولعل كلمة الثورة إحدي الكلمات القليلة التي ظلت ترافق رحلته التي استمرت حوالي 50 عامل من عمر الزمن .

يقول ناجي العلي:
” الطريق الي فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة إنها بمسافة الثورة “

 

هي الثورة التي صاحبت ميلاده وصاغ من خلالها الشعب الفلسطيني إحدى الملاحم الكبري في التاريخ العربي الحديث استطاع خلالها عبر مرحلتين امتدت للسنوات الأربع أن تجبر المستعمر البريطاني علي أصدار كتابها الابيض في منتصف 1939 الذي وعدت فيه باستقلال فلسطين خلال السنوات العشر التالية وبإيقاف الهجرة اليهودية بعد خمس سنوات ووضع قيود مشددة علي أنتقال الأراضي لليهود .

تماما هي الثورة التي يعرفها ناجي العلي جيدا.

10 سنوات فقط هي الخط الفاصل بين الميلاد والتهجير الجبري فبعد هزيمة الجيوش العربية أمام عصابات الصهاينة في حرب فلسطين 1948 خرج ناجي مع عائلته ليستقر به الوضع لاجئاً في مخيم عين الحلوة بلبنان .

10 سنوات هي عمر ناجي وهي عمر حنظلة ايضا الذي سيقدمه ناجي العلي لنا فيما بعد ليصبح من اشهر شخصيات المقاومة العربية في التاريخ الحديث .

يقول ناجي عن حنظلة:

ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء

 

في مخيم عين الحلوة عرف ناجي بنشاطه المعادي لعصابات حتي اعتقلته القوات الإسرائيلية وألقت به في السجن وعلي جدران السجن بدأ ناجي يخطو أول ملامح لشخصية حنظلة .

” السجن ” مرادف آخر من مرادفات حياة ناجي وهو الفنان الذي يتطوق دائما الي الحرية ويسعي الي الاستقلال، يقول ناجي:

‏يا وطني كل العصافير لها منازل

الا العصافير التي تحترف الحرية

فهي تموت خارج الاوطان

_ ناجي العلي _

 

ترحال آخر يقطعه ناجي الي الخليج يستقر به المسير بالكويت رساماً ومخرجاً صحفياً بعدد من المطبوعات أشهرها السياسة الكويتية والسفير اللبنانية، تمر السنوات من 1963 الي 1969 عندها اختمرت في فكره ووجدانه شخصيته الأثيرة.

كانت النكسة تصنع ملامح انكسارها في أرواح كل الجيل الذي أمن بالتجربة الناصرية عندما اختار أن تكون شخصيته لطفل عربي فلسطيني في العاشرة.

يُعًرف حنظلة نفسه:

«عزيزي القارئ اسمح لي ان أقدم لك نفسي.. انا وأعوذ بالله من كلمة أنا..اسمي : حنظلة، اسم أبي مش ضروري، امي.. اسمها نكبة وأختي الصغيرة فاطمة..نمرة رجلي :ما بعرف لأني دايماً حافي..تاريخ الولادة : ولدت في (5 حزيران 67)جنسيتي: انا مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا.. الخ ،باختصار معيش هوية ولا ناوي اتجنس.. محسوبك إنسان عربي وبس..

التقيت بالصدفة بالرسام ناجي …. كاره فنه لانه مش عارف يرسم.. وشرحلي السبب.. وكيف كل ما رسم عن بلد.. السفارة بتحتج..الإرشاد والانباء (الرقابة) بتنذر..قلي الناس كلها اوادم.. صاروا ملايكة.. وآل ما في أحسن من هيك.. وبهالحالة.. بدي ارسم بدي اعيش.. وناوي يشوف شغلة غير هالشغلة..قلتله أنت شخص جبان وبتهرب من المعركة.. وقسيت عليه بالكلام، وبعدما طيبت خاطرو.. وعرفتو على نفسي واني إنسان عربي واعي بعرف كل اللغات وبحكي كل اللهجات معاشر كل الناس المليح والعاطل والادمي والازعر.. كل الأنواع.. اللي بيشتغلوا مزبوط واللي هيك وهيك.. وقلتله اني مستعد ارسم عنه الكاريكاتير. كل يوم وفهمته اني ما بخاف من حدا غير من الله واللي بدوا يزعل يروح يبلط البحر.. وقلتلو عن اللي بيفكروا بالكنديشن والسيارة وشو يطبخوا اكتر من ما فكروا بفلسطين..

وياعزيزي القارئ.. انا اسف لاني طولت عليك.. وما تظن اني قلتلك هالشي عشان اعبي هالمساحة.. واني بالاصالة عن نفسي وبالنيابة عن صديقي الرسام اشكرك على طول.. وبس..» – التوقيع : حنظلة

النكسة المرادف الثالث الذي سيصاحب رحلة ناجي العلي.

في البداية كانت الطفل ينظر إلي الجمهور ويخاطبه إلا أن حجم التنازلات التي أحدثتها السياسة المصرية منذ فض الاشتباك الاول في 1973 حتي اتفاقية السلام ف أواخر السبعينات جعلت حنظلة يعطي ظهرة للجميع عاقدًا يداه رافضا لكل محاولات طمس القضية الفلسطينية.

ظل حنظلة رفيق ناجي بين التهجير الاجباري والمنفي الاختياري، رفيق حيث أجبرت الضغوط السياسية ناجي علي الرحيل الي لندن عام 1985 في ترحال آخر بحثا فيه عن وطن مسلوب وقضية عادلة .

في لندن اصطحب معه قدرته الفائقة علي توجيه سهام نقده الي الجميع من العصابات الصهيونية التي تحتل أرضه الي السلطة الفلسطينية التي تمارس الدعارة السياسية علي حساب القضية من رأس السلطة المصرية الخاضعه للإرادة الامريكية وشروط الاجحاف السياسية كخيل ميت من خيول أسطبل داود الي رأس السلطة السعودية واموال البترودولار في تشويه القضية عبر اكثر من 40 الف رسمة كاريكاتورية لم يسلم احد من نصله الحاد الذي يغرسه في عظام كل من يحاول نزع سلاح البندقية .

لم يخشي ولم يهادن ولم يتراجع أو يتفاوض ظل دائما في وضع الاشتباك مع الجميع حتي أن صحيفة “أساهي” اليابانيه وصفته بالرجل الذي يرسم بحامض الفسفور تعبيرا عن صراحته الشديدة وصدامه مع الجميع .

حاول كثيرون أن يثنوه عن الحرب ضد الكل طالبين منه التراجع لعده أمتار فقط يستطيع من خلالها أن يحمي نفسه من تهديدات عده بالاغتيال والترصد بدأت من الموساد الإسرائيلي ولا تنتهي عند ياسر عرفات.

يقول خالد ابن ناجي العلي ( لا ابرئ ابا عمار من تهمه اغتيال والدي قبل أن يضيف لكن يشرفنا أن يكون الموساد هو من اغتاله ) وكان خلافا حادا بين ناجي وعرفات قد لاح في الأفق بعد نشر ناجي لكاركاتير يسخر فيه من رشيدة مهران صحفية مصرية محدودة الموهبه نشرت كتابا عن تاريخ عرفات ثم أضحت بين يوم وليله مستشارة له .

وهو الأمر الذي نفاه طلال سليمان صديق ناجي ورفيقه في السفير اللبناني حيث قال ” اغتيال ناجي العلي رصاصة في قلب فلسطين ويجب ألا نتهم أحد بسهوله دون أدلة ” .

اشارت تحقيقات الشرطة البريطانية الي احتمال تورط الموساد الإسرائيلي في الحادث وعليه قامت رئيسة الوزراء بغلق مكاتب الموساد في جميع أنحاء المملكة .

***

بينما شرارة الانتفاضة الاولي ( انتفاضة الحجارة ) تملأ سماء فلسطين في 22 يوليو 1987 كان ناجي يسير مترجلا في طريقة الي مكتبه بجريدة القبس بلندن عندما داهمه شخص مجهول بإطلاق النار عليه من مسدس كاتم للصوت ثم لاذ بالفرار .

خلال 30 عاما منذ لحظة الاغتيال إلي الآن لم تصل سلطات التحقيق الي مرتكب الحادث الفعلي

خلال 30 عاما منذ لحظة الاغتيال الي الآن أعيد إحياء ناجي العلي مرات ومرات وظل اسمه كأحد أهم رسامي القضية الفلسطينية والهموم العربية عبر التاريخ حاضر وشاهد علي رحلة رجل ترجل بين التهجير الاجباري والمنفي الاختياري بين السجن والمخيم والنكسة وكان ميلاده ورحيله تعلن المرادف الاول والاخير لحياته .. «الثورة ».