لي صديق من الأساتذة الكبار سناً و قاماً كان بيحكي في أحد المرات عن إن زمان في الستينات القوة الشرائية للجنية كانت تشتري ٢٠٠ سندويش فول ..
و للمفارقة اني كنت لسة مشترية سندويش فول قبلها من أحد مطاعم الفول المشهورة بـ ٤ جنية و نص .. يعني ما يعادل ٩٠٠ سندويش فول بالقوة الشرائية للستينات .. و اشتريت معاه من كشك في طريقي إزازة سفن أب مكتوب عليها ٤ جنية ..

اديت ٥ جنية للراجل بتاع الكشك و مستنية الجنية الباقي .. راح فضل متنحلي و انا متنحاله .. قلت ممكن معهوش فكة .. روحت سألته ببراءة و على إستحياء : ” في ايه هنا بجنية ؟ ” ..

مديت ايدي على ويفر شاورلي عليه من ضمن كام حاجة منهم لبان و كنت هامشي راح ناده عليا : ” فين الجنية يا آنسة ؟ ” .. رجعتله تاني و انا مستغربة .. و قلتله محتجة و موضحة :
” انا اديت حضرتك خمسة جنية و اخدت إزازة سفن اب دي و باقي جنية ” .. فقالي : ” لا حضرتك هي بخمسة ” .. لفيتله الازازة و أنا مصممة على موقفي بفرض إني أفهم هل بينصب عليا و لا الموضوع أيه تحديداً .. و باوريله رقم ٤ المكتوب كبير ع الإزازة .. راح وشه احمر و اتنفخ و قالي بتهديد أقرب للبكاء : ” عليا الطلاق كل الحاجة اسعارها زادت عليا الضعف و المكسب قل النص ” ..

بمنتهى الهدوء و الإتزان روحت مرجعة الويفر تاني مكانه و هزيتله راسي و انا عاملة نفسي موافقاه موش خايفة من حنجرته و لا حاجة ..
.

الصبح طالعت بوست لصديق آخر على موقع فيس بوك عن ما يسمى بـ ” العاصمة الإدارية الجديدة ” .. و هو بيوضح بإسقاط إن شايف على التلفزيون البذخ الزايد في مظاهر بناء العاصمة الجديدة اللي دفعته يعقد مقارنة بينها و بين تلاجته الفاضية على دخول العيد .. النظام المصري بيتفرغ كلياً لبناء مدينة خاصة بأسوار عالية جواها كل ما طاب من وسائل الراحة و الترفيه و اللي بالتأكيد هتسكنها طبقة معينة من الشعب .. دفعه للتمنى في تهكم ضاحك مبكي بروح مصرية أصيلة إنه ينال نصيب في الملايين أو لنقل مليارات هتتصرف على البناء الإنعزالي الطبقي الغير مبرر .. ” طيب ما توصلوا للتلاجة فيشة التلفزيون و أكلوني معاكم !” ..

الموقفين دول أجبروني اربطهم ببعض و افتكر رجل الكشك المهدد الغلبان .. اللي بيمثل السواد الأعظم من المصريين .. إن لم يكن هو بكل بؤسه أفضل حال من أكثرية أصبحت لا تجد حد الكفاف .. و اللي زود عليهم الطين بلة إن حكومتنا الموقرة اللي ممكن تكسب ريكورد في إهدار أموال الشعب عن جهل و سوء إدارة .. أو عن نهب بعضه مقنن في النور و بعضه الآخر من تحت الموائد .. رأت إن منغير المنطقي صرف معاشات شعر سبتمبر مرة أخرى في أغسطس .. لأن ده هيبقا معناه إن المواطنين اللي مبيتمرش فيهم هياخدوا معاشات و مرتبات مرتين في نفس الشهر .. مرة في آخره و مرة أوله .. و اللي بالتأكيد هيثقل كاهل الدولة اللي موش عارفة توفر فلوس لبناء مساكن للطبقة .. ولا تدفع ملايين رواتب وزراء و مستشارين مبيشتغلوش من الأساس .. و لا تسقط ضرايب عن رجال اعمال بعينهم بيعتبروا من أغنى أغنياء العالم .. كان الله في عون حكومتنا التعبانة الشقيانة ..

الحكومات المتعاقبة لنفس النظام من اللي باعوا الوطن و سرقوا حق الراجل بتاع الكشك و الملايين غيره .. أو كتفونا للسرقة و متر الأرض بيتباع لصاحب العفو الصحي الأخير هشام طلعت مصطفى بنص جنية و حدودنا بتتسحب من تحت رجلينا و يتداس ع الدستور .. بعد ما خلاص زهقوا من الكمباوندز اللي بعدوا بيها عن المحيط ” الشعبي ” .. دوروا على فكرة إنعزالية أكتر بكتير من الكمباوندز اللي يبدو إنها كانت مجرد شرنقة لمرحلة أكبر من الإنعزال .. و هي العاصمة الإدارية .. اللي ماهي إلا مجرد خطوة لعزل طبقتهم اكتر و اكتر عن الغوغاء من الشعب .. اللي بيتجرأ و بيطالب الحكومة بأقل القليل من حقه .. و هو مرتبهم أو معاشهم علشان يشتروا لولادهم كيلو لحمة يشوفوها في العيد ..

و لأن الشعب أقل بكتير جداً من إن الحكومة و النظام ينظروا ليه نفس النظرة اللي بينظروا بيها لضرائب ساويرس أو عفو طلعت مصطفى أو تسهيلات أبو هشيمة أو رز الكفيل الضارب في جيوب النظام .. و هو بكل تأكيد وفق حساباتهم لا يمكن مقارنته بالطبقة اللي هتسكن أحياء العاصمة الجديدة .. الطبقة اللي أصبحت تملك الأرض و من عليها و أصبحوا إقطاعيين جدد بوجه أكثر إنحطاط لتمسحه في رداء الوطن .. فكان نتيجة لكل ذلك إن المواطن المعدم أبن الشعب لازم يستحمل و مجبر يستنى لما يجي يوم ١٠ في الشهر الجديد علشان ياخد فتات أسياد البلد .. بلاها عيد .. بلاها عيدية .. بلاها عيشة واللي عايشينها ..

تصرفات النظام المصري تجاه الشعب مبتعطيش أي دلالة سوى إن حكومات إذلال .. تخصصها كسرة ضهر و نفس فقراء و بسطاء الشعب المصري .. و سرقة كل ما يمكن سرقته منهم حتى فرحة العيد .. تقدر بنظرة بسيطة على وجوه الناس في الشارع و رؤوسهم المحنية تكتشف مدى الإنكسار اللي أغرق فيه النظام الأسرة المصرية بأكملها .. بدأ من الأب و الأم اللي أصبحوا ماكينات بتصارع للنجاة بأسرهم بين مطرقة إحتياجات و مصاريف بدأ الدراسة و مصاريف العيد .. مرورا بالأجداد اللي نظرة العجز غطت على نظرة الشيب و هم عاجزين عن إسعاد أحفادهم بعدايا بسيطة .. إنتهاء بالأبناء و الأحفاد المعصورة طفولتهم بين رغبة ملحة في السعادة و قسوة حياة لا حول لهم أمامها و لا قوة ..

يؤسفني اقول لحضراتكم إن المرحلة الجاية موش مرحلة غني و فقير .. لكن مرحلة ( انت من طبقة الناس الكيوت بتوع العاصمة أم سور ؟ .. و لا من الطبقة الـ “ياكي” الـ “ڤالجر” اللي عايشة برة السور – ” بمختلف مستوياتهم المادية و الإجتماعية ” – تاكل في بعضها ؟ ) ..

الجانب المشرق و المظلم في آن واحد .. إن الفقرا و الغلابة اللي عمالين يضيق عليهم الخناق برة السور و تزيد نسبتهم كل يوم عن اليوم اللي قبله .. لما ميلاقوش متنفس ليهم برة الأسوار العالية هيخترقوها سواء كان الإختراق ” قفزاً أو هدماً ..
النتيجة في النهاية واحدة و للأسف هتكون كارثية .. و هتؤدي بالضرورة إن اللي جوة السور أو اللي هيتبقى منهم .. هيفضل جوة السور .. لك
Mohammed A. El-Nahas
لكن علشان يتحدفلهم موز و سوداني و يصبحوا مزار للفرجة لمن هم توحشوا خارج السور بفعل من كانوا داخله .