مر السنون على وطننا العربي، تفرد علي وجهه ثياب أيامها فتصبغه بظلالها، ذاك يوما اسود كلون كحل دموعنا ، و ذاك ابيض جعلناه بلون ياسمين روينا زهرته بدماءنا و عرقنا لنحيل خريفه ربيعا ، تختلف الألوان و تختلف الفصول و نشترك معها في توحد الشعور الذي ينبته فينا الوطن .

يرى الكثيرون و أنا منهم أن سود صفحات تاريخنا العربي و إن كثرت فسيأتي يوما أن نحيل سوادها بياضا مشرقا كشمس وادينا الطيب، يرانا البعض حالمون، و البعض الآخر ينظر الينا بسخرية و يوصمنا بالانغماس في الوهم، جال ذلك بخاطرتي و انا اطالع ورقة النتيجة التي قطعتها اليوم و انا انظر لتاريخها الذي مس عمق قلب طفولتي ،

كنت طفلة اكملت عامي السابع بايام قليلة ، حينما كنت امسك لعبتي ذات الرداء الزهري أؤرجحها يمنى و يسرى ، اتذكر والدي و هو يطالع التلفاز بقلق و اهتمام كبيرين جعلوني اختلس نظرة لجريدة طوى أحد طرفاها امامه، احاول أن اشحذ قدرتي على التهجي الذي اتعلمه بمدرستي لإلتقط بعض حروفا لعلها تروي ظمأي الطفولي و خبرني عن الشيء الذي حول إهتمام والدي عني، أخذت اترنح في النطق ادقق النظر إلى أن تمكنت من جمع كلمة “حزب ” و كنت لازلت احاول في جمع احرف الكلمة الثانية حتى التقطت اذني كلمة من اللتفاز ” حزب الله اللبناني ” لاستطع أن أدرك ان ما احاول فك لغزه ينطق امامي.

شعرت كما لو اني عثرت على كنز علي بابا لارفع يداي و اردد عاليا، حزب الله ، جذب صوتي انتباه ابي لثوان معدودات ، لينظر لي بعينيه الطيبتين و هو يرسم على شفتيه نصف ابتسامة ثم يحول بناظره نحو الشاشة مرة اخرى ، لم استطع ان ادرك ما يحدث ، كل ما فعلته ان جلست جواره و اجلست لعبتي القرفصاء و كأني اشركها معنا في مطالعة ما اعجز عن فهمه .

ستة سنوات كانت هي الفاصل بين هذا الحادث و بين الآخر ، ستة سنوات كانت تكفي لأن تجعلني اهمل لعبتي الوردية و التي اخذت ركنا منزو في غرفتي ، و كأنها تعبر لي عن حزنها من تركي لها ، و لكن سنوات عمري التي كانت قد تجاوزت الثالثة عشر حينها كانت كافية لأن تجعلني انس امر اللعبة ، و اسعى لاستوضح امر لعبة اكبر ، الآن اقرأ جيدا ، افهم جيدا ، لم اندهش عندما رأيت على وجه ابي نفس النظرة الأولى تعود ثانية ، و ذلك لأنها كانت نفس نظراتي و انا اطالع اخبار ضرب الجنوب اللبناني الذي اعاصره للمرة الثانية في عمري ، اسمع الآن دوي صوت حزب الله ، ادرك تماما ما يخوضه هذا الفارس المقاوم الذي حفر اسمه في ذاكرة طفلة لم تدرك حينها ان لسانها كان ينطق اسم آخر جبهة في صفوف المقاومة ، حزب الله الذي استطاع بمواجهته للكيان الصهيوني و انتصاره بقدراته البسيطة مقارنة بعتاد كيان الإحتلال ، ان يسطر نصرا يتسبب في ان يربط بيني و بين تاريخي العربي بذكرى لم انس تفاصيلها حتى الآن ، ادرك ان جيلنا الحالي لم يواكب أية لحظات عربية تدفعني للفخر او تشعرني بالعزة ، و لكن اذا نظرنا لحزب الله كحزب مقاوم استطاع باسلحة و مقومات قليلة أن يجبر جحافل كيان الإحتلال على الإنسحاب طوعا من الجنوب اللبناني و يلقنه هزيمة موجعة ، و ان يعيد الكرة في الهجمة التي كررها كيان الإحتلال في العام 2006 ، ليثبت حزب الله مجددا قدرة المقاومة على إظهار الوجه الهش الرعديد لكيان الإحتلال ، فأسطورة الميركافا التي ظن الإحتلال انها ستكون ذراعيه و قدميه في القضاء على حزب الله خير شاهدا على ما اقول ، اتذكر حينها عندما بثت إحدى القنوات التابعة للكيان الصهيوني صرخات و عويل مسئولي الصهاينة الذين صدموا من تحول اسطورتهم لحاويات تفوح منها رائحة موت جنودهم ، لم ينس الصهاينة و لن ينسوا ما تذيقه لهم المقاومة ، فما بين صخور وادي الحجريفي و سهول مزارع شبعا تدوي صرخات الصهيونية .

افقت من موجة الذكريات تلك و انا لازلت ممسكة بورقة النتيجة محملقة لحروفها ، و انا ابتسم نفس الإبتسامة التي كانت مرسومة على وجه ابي حينها ، ولا ادري لم اخذني الحنين للبحث في اشياءي عن لعبتي القديمة التي شاركتني تلك اللحظة الفارقة في سنوات عمري ، وجدتها رثة الحال ، فرداءها مقطع متسخا و فقأت عينها اليسرى و لم استطع ان اجد ذراعها الأيمن و شعرها الأشعث منتصبا امام وجهي غاضبا يعاتبني على سنوات الإهمال تلك ، احتضنتها بشدة كأنما احتضن فيها ذكرى بيضاء من أحدى القلائل الموجودة في تاريخنا العربي ، و التي تجعل نبض قلبي يتسارع بالأمل من أن الظلمة و إن اشتدت فلن تدوم ، فقأت عين لعبتي و لن يفقأ عين الوطن ، هرمنا و لن يهرم قلبنا الحالم ، بلغت الآن من سنوات عمري الرابعة و العشرين ولازال الحلم ينبض داخلي بيقين ، فإن كان حلمنا سلاحنا و يقيننا فلن يملكنا سوى نصر الله ، المجد لعروبتنا و كل المجد للمقاومة