كتبت ـ سارة الضوينى

هى ما تبقى من الزمن الجميل، هكذا هو الانطباع الذي يبقى فى النفس لكل من يتجول فى شوارع وسط البلد بالقاهرة خاصة بعد المبادرة الأخيرة لوزارة الثقافة في إعادة التعريف بأهم العمارات القديمة الهامة فى منطقة وسط البلد وتثبيت لوحات رخامية في مدخلها تًعرف الزائرين بتاريخها وأهم من سكنوا بها.

لدينا قصص سابقة شملتها كتب التاريخ والسير الذاتية والروايات، ولدينا حكايات لا زالت تتردد على المقاهي، جمعنا هذا المخزون كله ونزلنا فى جولة بين تلك العمارات الجميلة.

تم تجديد بعضها أخيراً بالإضاءة والطلاء دون الإخلال برونقها المعماري بينما عاني الغالبية العظمي من إهمال واضح على مدى عقود، فتعرضت للتشويه والتغيير، سواء فى بنيتها أو شكلها الخارجى. تتكون الواحدة منها من أكثر من 330 شقة ومناور عديدة.

 شارع مظلوم

نبدأ رحلتنا من العمارة رقم 4 بشارع مظلوم لمالكها الفنان الراحل أنور وجدى، والتى لا تزال تحمل اسمه حتى الآن. بنيت فى أوائل الخمسينات وسكنها العديد من نجوم الفن، مثل الفنان استيفان روستى والمخرج الراحل عثمان أباظة والمذيع الراحل جلال معوض الذى اشتهر بإذاعة بيانات ثورة يوليو، وارتبط اسمه أيضا بالبرنامج الشهير “أضواء المدينة

الإيموبيليا

على ناصيتي شارع شريف وقصر النيل، نجد عمارة “الإيموبيليا” أو عمارة الزمن الجميل، كما أطلق عليها، كأعلى عمارة في مصر في زمنٍ كانت منطقة وسط القاهرة من أرقى الأحياء. في “الإيموبيليا” تسمع صوت القيثارة “ليلى مراد” يصدح في ثناياها، أو تتخيل تلك النغمات العذبة التي ترددت وقتها وآلات تشدو بألحان محمد عبدالوهاب الخالدة حتي يومنا هذا، أو الهمهمات والضحكات علي نكات نجيب الريحاني، أو طرائف أسانسير الإيموبيليا الذي كان يتعطل كثيرا، الذي أوحي للمخرج صلاح أبوسيف بفكرة فيلم “بين السما والأرض


“.
سكَن “الايموبيليا” أشهر الفنانين المصريين مثل نجيب الريحاني، بالإضافة الي العديد من الشخصيات البارزة مثل الكاتب الصحفي فكرى أباظة، وإبراهيم عبد الهادى رئيس وزراء مصر، بالإضافة إلى عدد كبير من نجوم الفن منهم وسليمان نجيب، وليلى مراد، ومحمد فوزى، وهنرى بركات، وعبد العزيز محمود، وماجدة الخطيب، كما اختارها الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب مقرا لمكتبه، وكذلك المنتجة السينمائية الشهيرة آسيا، والمخرج كمال الشيخ، والفنانة ماجدة، التى لا يزال مكتبها موجودًا بالعمارة حتى الآن، وغيرهم الكثير، وظلت الإيموبيليا كذلك حتى عام ١٩٦١، عندما تم تأميمها، ليرحل عنها أغلب هؤلاء النجوم


.
شهدت أفلام شهيرة مثل “حياة أو موت” لعماد حمدي ومديحة يسري و”قصة ممنوعة” لمحمود المليجي وماجدة. وكان لها دور في خروج فيلم «غزل البنات» إلي النور، حيث جمع أسانسير العمارة بالصدفة نجيب الريحاني وليلي مراد، وقد كان ذلك أول لقاء بينهما، وانتهز الريحاني الفرصة ليعرض علي ليلي مراد فكرة عمل فيلم مشترك يجمعهما سوياً
.
زينات صدقي وجلال باشا

اللوحة التالية عرفتنا بمنزل الفنانة زينات صدقى فى 3 شارع جلال باشا المتفرع من شارع عماد الدين، وفى شارع الشواربى وضعت لوحة على منزل الموسيقار محمد الموجى، وبجوار دار القضاء العالى وضعت لوحة رخامية على منزل الفنانة معالى زايد، أما فى منطقة التوفيقية فوضعت لوحة على عمارة الشماع وهى العمارة التى سكن بها الفنان رشدى أباظة.
..

مع مرور الأيام، رحل هؤلاء المشاهير، وتحولت أماكنهم إلي شركات خاصة، ومكاتب محاماة، وعيادات طبية، ومحلات الملابس، حتى شقة الفنان نجيب الريحاني، تحولت إلي مخزن خاصة باحدى الشركات، ولم يتبق سوي شقة لماجدة الصباحى، وكذلك شقة المخرج كمال الشيخ. الزمن يفقد الأِشياء رونقها؛ فبريق عمارات وسط البلد انطفأ، وبهتت ألوانها، وتساقطت أجزاء من جدرانها.