قبل يومين فقط، كان العالم كله يتابع جلسة استماع مجلس الشيوخ الأمريكي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس كومي، والتي جاءت فى إطار التأكد من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتعسف في استخدام سلطته مع كومي أو إقالته لأسباب تخص التحقيقات المتعلقة بقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، واستمع الجميع إلى كومي وهو يتهم الرئيس الأمريكي بالكذب، ويعتبر أنه قد طلب الولاء له ودعا لوقف التحقيقات مع مستشار الأمن القومي السابق لترامب مايكل فلين. مارس مجلس الشيوخ دوره، وأذبع أمام العالم ما قاله، رغم أن ترامب انتخب قبل شهور قليلة رئيسًا للولايات المتحدة، ورغم قيادته لتحالفات دولية لمواجهة الإرهاب، ورغم تحديات وأزمات إقتصادية تواجه الولايات المتحدة داخليًا، سبق أن تعهد ترامب بالسعي لمواجهتها وتقديم حلول جادة لها، لكن كل هذا لم يجعل مجلس الشيوخ يتراجع عن التصدى لمسئوليته بالمحاسبة والمساءلة، ومتابعة ما إذا كان الرئيس الأمريكي قد أساء استخدام سلطته بما يدفع لمحاسبته لدرجة قد تصل إلى عزله.

بغض النظر عن مآلات ما يجري في الولايات المتحدة، فإن الأمر يبدو مؤسفًا عندما نتابع الفرق الكبير بين قيام مجلس الشيوخ الأمريكي بخطوات وإجراءات قد تمهد لعزل ترامب، بينما في مصر يرفض مجلس النواب الالتزام بحكم قضائي ويصر على استمرار إهدار الدستور، وبدلا من أن يحاسب من وقعوا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية قبل عام ، ويرفض إحالة اتفاقية باطلة إليه، فإنه يجرى ترتيبات بدء مناقشة الإتفاقية التى تبدأ الأحد لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى مناقشتها، ويتوقع أن تستمر جلساتها على مدار ثلاثة أيام ، لتحديد طريقة إقرار الإتفاقية وفقا لما ستراه اللجنة مما يسرى على الإتفاقية من فقرات المادة 151 من الدستور ، وفى ظل تجاهل كامل لوجود حكم قضائى نهائى بات أبطل تلك الإتفاقية وجعلها عدما ، وفى غياب أى إدراك للمسئولية عما قد تسببه تلك الإتفاقية من أزمات عاصفة سواء على مستوى العلاقة بين المؤسسات فى ظل هذا التصادم الجديد بين البرلمان والقضاء ، أو على مستوى العلاقة بين السلطة بشكل عام والمجتمع الذى بدا واضحا توجها عاما لقطاعات عريضة فيه رافضا لهذه الإتفاقية منذ توقيعها فى أبريل 2016 .

لكن بعيدا عما نعتقده بأن مجرد مناقشة الإتفاقية تمثل ضربا بعرض الحائط لنصوص الدستور وأحكام القضاء وغيرها ، إلا أنه حتى الطريقة التى يجرى بها الإعداد لبدء هذه المناقشات داخل المجلس تدعو للقلق الشديد فى واقع الأمر ، فى ظل حملة إعلامية ودعائية مكثفة من جانب الحكومة ، سواء عبر جلسات لها مع النواب لتوضيح وجهة نظرها وموقفها ، رغم أن ذلك كان ممكن أن يتم تحت قبة المجلس مع بدء المناقشات رسميا لا إستباقا لها فى محاولة لإقناع أكبر عدد من أعضاء المجلس بصحة موقف الحكومة والترويج لما تقدمه كدلائل على سعودية الجزر ، رغم أنها تعيد تكرار نفس ما ساقته على مدار عام تقريبا أمام القضاء وأمام الرأى العام ، ورغم أن الرئيس قال فى إجابته على أحد الأسئلة فى آخر مؤتمر للشباب أن دور السلطة التنفيذية بخصوص الإتفاقية قد انتهى ، إلا أننا نشهد الآن جهدا حكوميا لإقناع النواب ، أو بالأدق الضغط عليهم ، فى ظل ما لم يعد خافيا حول عقد أجهزة سيادية وشخصيات بعينها إجتماعات متعددة مع النواب ، لا لإقناعهم وإنما لابلاغهم بضرورة انهاء الموافقة على الاتفاقية وتمريرها ، وبالتزامن مع حملة إعلامية ودعائية واسعة تستخدم فيها صحف ووسائل إعلام قومية وخاصة ، ووصولا إلى فيديو عبر وكالة الأنباء الرسمية للتأكيد على سعودية الجزر ، وإعلانات إذاعية بنفس المعنى ، وكل ذلك قبل حتى أن يبدأ المجلس ولو شكلا مناقشاته ، ثم يخرج علينا البعض ليقول لنا أن المجلس سيدرس ويناقش ويسأل ويستفسر ويتأكد قبل أن يقرر!!

حتى إئتلاف الأغلبية داخل المجلس لم يستطع استكمال محاولات الحفاظ على الشكل ، فبدا موقفه محسوما من خلال قراءة ما بين السطور فى بيانه الأخير ، الذى فيما يبدو جاء ردا على بيان كتلة 25-30 الذى سبقه بيوم واحد ، وعلى دعوات سياسية وشعبية رافضة لمناقشة الإتفاقية فى البرلمان وداعية لحملات ضغط على النواب لرفضها ، فبيان الإئتلاف جاء ليعتبر أن هذه الإتفاقية بكل ما أثارته من جدل وخلاف وإنقسام مثلها مثل أى إتفاقية ، دون أن يتوقف لحظة أمام كونها إتفاقية صدر بحقها أحكام نهائية باتة ، وهو ما اعتبره الإئتلاف تعدى سلطة على إختصاص سلطة أخرى ، وبينما شارك نواب الإئتلاف فى عديد من الجلسات مع الحكومة والأجهزة على مدار الفترة الماضية إلا أنه انتفض فجأة ضد ممارسة الضغوط على النوب وترهيبهم بالشعارات، عندما بدأت هذه الدعوات من جانب المعارضين للإتفاقية.

ورغم أن بيان الإئتلاف نفسه أكد أنه سوف يحرص على حضور خبراء ومتخصصين ، وطرح كل الأسئلة اللازمة لتوضيح الأمور ، إلا أنه بدا محددا موقفه بشكل مسبق فى واقع الأمر ، بإعتباره أن الرأى العام قد وقع تحت تأثير الضغط والصورة المغلوطة وعدم عرض الحقائق بصورة متكاملة ، ومسئولية الحكومة عن عدم توضيح الكثير من المعلومات فى الوقت المناسب ، وهو ما يفهم منه ضمنا وبوضوح أن الإئتلاف ينتصر لإختيار تمرير الإتفاقية قبل حتى أن تبدأ المناقشات رسميا فى المجلس ويعلن ذلك جهارا نهارا فى بيانه الرسمى ! بل ويعتبر أن ذلك نوعا من الشجاعة فى حل مشكلات الوطن المؤجلة ، وتحقيق الصالح العام الذى يحاول البعض تفويته على البلاد ! وبعد كل هذا يقول ائتلاف دعم مصر أنه يؤمن بالنقاش المفتوح والتعددية لكن مع إحترام الديمقراطية وقبول نتائجها ، المحسومة سلفا وفقا لمضمون بيان الإئتلاف!

وبينما يتحدث الإئتلاف بكل هذه الثقة عن الديمقراطية والنقاش المفتوح والتعددية ، فإن صحيفة قومية تمنع نشر صفحة تحمل آراء متعددة حول الإتفاقية وتحجب مقالا لنائب رئيس تحريرها ، وصحيفة أخرى خاصة تحذف من موقعها الإلكترونى مقالا يتعجب من الإصرار على تمرير الإتفاقية ، وبالتزامن مع الإعلان الرسمى عن كود أخلاقى ملزم لكافة الصحف ووسائل الإعلام فيما يتعلق تحديدا بتناول القضايا الخلافية العربية، ودون أى تشاور مسبق مع النقابات المهنية المعنية.

لا يبدو أن هناك حرص حتى على الشكل أمام الرأى العام، فكل شئ مكشوف وواضح، وترتيبات تمرير الإتفاقية تتسارع ، ودون أن يتوقف أحد ليقول أسباب إختيار التوقيت الآن بعد أن كان مؤجلا خلال الشهور الماضية ، هل لضغوط خارجية أم لارتباط تسليم الجزر بخطوات الترتيبات الإقليمية ، وهل كان التأجيل ولو لم يكن احتراما لاحكام القضاء فموقف السلطة معلن بإحالة الاتفاقية للبرلمان استباقا للحكم ، لكن ربما تفاديا لغضب شعبى ، وهو ما لا نعتقد أنه قد تغير ، فهل أصبحت السلطة الآن مستندة إلى ظهير اقليمى ودولى فى ظل التطورات الأخيرة بما لا يجعلها تقيم أى اعتبار للموقف الشعبى فى حال تمرير الاتفاقية ؟ ولماذا السعى بكل قوة لحسم مصير الاتفاقية خلال شهر رمضان ، وقبل ذكرى ٣٠ يونيو ، وقبل نهاية دور الانعقاد الحالى ، بل وقبل إنتهاء حالة الطوارئ المفروضة حاليا .. وطبعا مع كل ذلك لا يعرف أحد كيف يتصور أهل السلطة أنه سيمكنهم تمرير سابقة من هذا النوع بكل ما تمثله من صدام مع الضمير الوطنى ، وبكل ما تعبر عنه من تجاهل وتجاوز للدستور وللأحكام القضائية ، وعن تصوراتها للتعامل مع تداعيات الأمر الذى لن يكون سهلا أبدا رغم كل حملات التجييش والحشد الإعلامى والبرلمانى الجارية على قدم وساق .. يا جماعة شكلكم وحش اوى!