فى المجتمعات العاقلة، ينظر الناس إلى تاريخهم إعتزازا بإنجازاتهم ليحافظوا عليها ، وإستفادة من دروسه وأخطائه لعدم تكرارها ، لكن فى الأنظمة المستبدة والفاشلة ، وفى عصر العبث والجنون الذى صار ظاهرة عالمية فى الوقت الراهن ، ننسب كل إخفاق وكل تعثر لمن سبقونا ، بينما نعيد إنتاج ذات الأخطاء والمسارات التى وصلت بنا لإنتكاسات .

ورغم ما يبدو من مفارقات ربما تقدم رسائل ودلالات لها مغزى من تزامن الذكرى الخمسين مع نكسة 67 فى تاريخها الميلادى مع ذكرى العبور بتاريخها الهجرى ، إلا أننا نبدو مقبلين على نكسات أكبر وأخطر ، والأصعب فيها هو التخلى طوعا عن إرادة المقاومة التى تمسك بها هذا الشعب وتمسكت بها الأمة كلها فى مواجهة هزائمها .

(1)

ليس العيب أن تهزم فى معركة فى إطار صراع ضارى كانت تخوضه مصر وقتها دفاعا عن إستقلالها وكرامتها ، لكن العيب كله أن نتصور أن تلك الهزيمة كانت مجرد نتيجة للمؤامرات ضدنا ، بل كانت فى جانب ليس بقليل منها نتيجة أخطاء فى طريقة الحكم حينها ، ورغم الإنتساب بفخر للتجربة الناصرية ، إلا أنه لا يمكن إنكار أنها كانت لها أخطاء كبرى بقدر ما كانت لها إنجازات كبرى ، ورغم الإعتزاز بمبادئ ثورة يوليو التى نعتقد أنها كانت وستظل مبادئ لكل ثورة مصرية على طريق أحلام الشعب فى الحرية والكرامة والعدل والإستقلال ، إلا أن الإعتراف بأن بعضها لم يتحقق بل وأسئ إستخدامه فى بعض الأحيان ، لا يمثل إلا ضرورة للتقدم إلى المستقبل بوعى يضمن عدم تكرار أخطاء الماضى وعدم إستنساخ تجاربه فيما لم يعد مناسبا ولا ملائما للعصر .

لا تنهزم الأمم ولا تنتكس المجتمعات فقط نتيجة المؤامرات التى تحاك ضدها ، بل نتيجة مساهمتها بالفشل فى التصدى لتلك المؤامرات ، والتعامى عن أخطائها الداخلية التى تسهل للمتآمرين مهمتهم فى النجاح .. شئ من هذا حدث فى 1967 عندما تصورنا أننا بلا أخطاء ، وعندما اختزلت الدولة فى السلطة ، وعندما روج الإعلام خداعا وزيفا لأننا على وشك سحق العدو الصهيونى ، وعندما أسهمت القبضة الأمنية المستبدة فى خنق كل صوت مختلف ومعارض حتى وإن كان منطلقا من الدفاع عن الوطن والحرص على مستقبله ، وعندما منحت السلطة السياسية ثقتها لمن جروا خطواتنا إلى النكسة . وشئ من كل هذا يتكرر الآن ، فى مختلف القضايا والمجالات ، وليس فقط بتكرار الأخطاء ، من إقصاء للديمقراطية وتهميش للحريات وخصومة مع المعارضة السياسية ، بل كذلك فى تحول البوصلة الأساسية ، من إعتبار المواجهة الأساسية للأمة مع عدوها التاريخى ، إلى إعتبار أن الحل هو تجاوز الماضى الذى لا يزال حاضرا ، وإعادة ترتيب أولوياتنا بطريقة تجعل العدو حليفا وشريكا فى صياغة المستقبل .

(2)

كانت نكسة 67 ضربة قاصمة لمشروع نهضة مصرية وعربية جادة ، تبلورت ملامحه فى سياسات خارجية مستقلة ، وفى عدالة إجتماعية حقيقية ، وفى مشروعات إقتصادية وتنموية كبرى ، لكنه افتقد ركنا أساسيا من أركانه أدى لاحقا لإنتكاسه ، وهو غياب الديمقراطية وتهميش المجتمع .. لكن هذه الضربة على صعوبتها وآثارها الكارثية ، لم تؤدى لإنهيار الإقتصاد ، ولا لتفكك المجتمع ، ولا للإعتراف بأنها هزيمة لا فكاك منها ، بل بعثت روح الإعتراف بالمسئولية ، والإنفتاح على مراجعة الأخطاء والتصدى لها ، والإنطلاق فى إعادة بناء قدرات القوات المسلحة ، والسعى لصياغة جديدة تناسب المرحلة وقتها للتقدم بأفق مختلف نحو بناء ملامح التجربة السياسية حينها .. لذا لا يبدو منطقيا ، ولا معقولا ، ولا مقبولا ، أن نرد كل إنتكاساتنا وهزائمنا اللاحقة والمعاصرة ، فى السياسة والإقتصاد وغيرهما ، لتلك اللحظة الصعبة فى تاريخنا ، والتى تجاوزناها بعدها بسنوات قصيرة رغم كل مصاعبها .

لكن النكسة الأكبر التى لحقت بنا ، كانت الإنتقال من لحظة نصر قريب إلى لحظة إستسلام استمر ، وهو ما جرى بفضل سياسات تنكرت لما هو مبدأى وأصيل فى تاريخ مصر وأمتها ، وانقلبت على الخيارات الرئيسية وقتها ، لنصبح منذ ذلك الحين أسرى لما يسمى بخيار السلام الإستراتيجى ، ورهائن العجز عن دور فاعل ومؤثر وقائد لمصر فى محيط أمتها ، وهو الفراغ الذى ظل طويلا يبحث عن عودة مصر ، ولكنها لم تعد ، فجاء غيرها ليملأ هذا الفراغ ، ويحاصرنا فى سياقات جديدة من العجز والهزيمة الحقيقية .

(3)

لم تنكسر روح المقاومة لدى هذا الشعب رغم النكسة ، كما لم تنكسر لدى الأمة كلها رغم نكبة فلسطين وغيرها ، وظلت المقاومة دائما خيارا حاضرا وواردا ، وتبلورت وتجسدت وحققت إنتصارات عندما وجدت أنظمة تنحاز لها فعلا وقولا لا شعارا ومتاجرة .. صحيح انكسرت أشياء أخرى عديدة فى عمق روح هذا المجتمع ، لكن بعد خمسون عام من النكسة ، يبدو المجتمع مهزوما دون أن يقاوم ، رغم صحوات إستفاقة فى تلك السنوات تجلت فى يناير 2011 فى أبهى صورها ، وتبدو مصر منكوبة لا منتكسة ، لا بسبب هزيمة عسكرية ، بل بسبب إنكسار الأحلام والأشواق فى بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة العادلة الحرة التى حلم بها المصريون .

ومع إنكسار روح المقاومة ، وشيوع الإحساس بالظلم وما يتولد عنه من الإحباط واليأس ، وفقدان الرهان على المستقبل وضياع كل أمل ، يزداد إستبداد السلطة وعنفوانها ، وتتصور أنه لا راد لرغباتها وتصوراتها ، فتصيغ أحلافا جديدة هى فى صميم تهديد أمننا القومى ، وتستبدل الأعداء بآخرين وتنقلهم إلى خانة الحلفاء ، وتتنازل طوعا أو جبرا عن أى مساحة متبقية من المكانة والدور ، لتصل بنا إلى محطة التنازل عن الأرض بإرادتها وإعترافها ، وهنا تبدو النكسة الأكبر التى تحل علينا ، فقد هزمنا وقاومنا لإسترداد الأرض ، أما الآن فنحن ننهزم من داخلنا بالتفريط فى الأرض التى حاربنا من أجل إستردادها ، ثم نجد من تصل به الجرأة ليخرج علينا ويعلن أن سبب كل أزماتنا هى نكسة 67 !

(4)

لا تشابه هذه السلطة أى ممن سبقوها إلا فى أخطائه وسلبياته ، فهى لم تقترب بخطوة من النظام الناصرى إلا فى تهميش الديمقراطية وتقييد الحرية وتغول القبضة الأمنية ، ولم تقترب بخطوة من حكم السادات إلا فى إنفراده بالحكم وتصوراته شديدة الذاتية عن عبقريته السابقة لزمنه ، ولم تقترب بخطوة من حكم مبارك إلا فى إعادة إنتاج أسوأ ما فى سياساته الإقتصادية والإجتماعية بل وبكفاءة أقل فى كثير من المجالات .

لكنها لم ولن تشبه أى ممن سبقوها فى إصرارها على هزيمة المجتمع وإستمرار روح النكسة فى صفوفه ، والإنتصار لسطوة السلطة على الشعب ، والإحتكار الكامل والمطلق لمصلحة الوطن وصكوك الوطنية ، ودون حتى أن تبدو مستعدة للحظة للإعتراف بأخطاء أو تحمل المسئولية ، وإذا كانوا هم يعيدون تكرار أخطاء التاريخ التى أودت بنا لمسار النكسة ، فربما يكون أولى وأوجب بنا ألا نسمح لأنفسنا بالإنتظار حتى يتعرض الوطن لنكبات جديدة .

التفريط فى تيران وصنافير عنوان نكستنا الجديدة ، وصفقة القرن شعار نكبة الأمة المقبلة ، وفى مواجهتهما لا يمكن إلا أن نكون ولو بيقين المنتكسين والمنكسرين لكن المتمسكين بإرادة المقاومة قادرين على أن نغنى (أبدا بلدنا للنهار) كى لا يستمر هذا الليل الحزين طويلا ويبتلع كل ما تبقى من آمالنا وأحلامنا وأشواقنا .