ثائران على الطريق، في تلك اللحظة التي تبدو وكأنها أبدية، حيث لا انتصار لا هزيمة، لا تقدم ولا عودة، حيث كل الأمور مرتبكة موجعة هشة رغم كونها بالأصل بسيطة راسخة بديهية.

ثائران سائران من قلب “ثورة عرابي” إلى حافة الكون، هناك حيث اليقين يتأرجح بعد الهزيمة، فإما عزيمة أو جريمة، وبلحظة يتساوى الخياران حين تنظر لحجم الحلم الذي كان يوماً فى قلب الشابين.

سبعة أيام مرت على عمر حوارات “محمود” و”طلعت” بمسلسل “واحة الغروب” للمخرجة “كاملة أبوذكري” المأخوذ عن رواية الأديب “بهاء طاهر” تماست مع 7 سنوات من عمر ثورة يناير.

حوارات غزلاها “أحمد بدوي” و”مريم ناعوم” فجاءت محملة بكل المشاعر والأفكار المتداخلة سواء دار ذلك من فوق طوابي الإسكندرية أوائل القرن العشرين أو حين القفز بين قنابل الغاز ببداية الألفية الثالثة في شوارع ميدان التحرير.

“مفيش موتة احسن من كده الناس بتموت وهى بتقاوم”.. “العيل اللى على دراعي ده مات وهم بيقاوم؟”.. “الناس الناس يا طلعت”..”ياريت يا محمود الناس تقدر تستحمل”.. “الناس حلمهم كبير”.. “وحملهم أكبر” .. “انتوا كلامكم ده بيهزمنا واحنا فى أرض المعركة”..”احنا اتهزمنا خلاص يامحمود ثورتنا راحت وكل اللى حلمنا به انتهى” ..”عايزني أخون؟..”ولو قلت الحقيقة عرابي هايرجع؟”.. “انت ماخنتش انت خفت”.. “لية خنفس الكلب الخاين يعيش وعبيد يتسهر تحت نار مدفعه”.. “ياريتنى قلت الحقيقة وكنت مت بشرف”.

“محمود” و “طلعت” تكتمل أحاديثهما ـ التي نعرضها كاملة فيما يلى ـ بصوت ثالث هو “الإميرلاي سعيد”، صوت الجيل السابق الذي عاش حياته كاملة منتظراً أن يلتحم مع من بعده بنفس الحلم، أن يحققا سوياً الانتصار، و حين جاءت الهزيمة تداخلت أصواتهما، الخبرة والعقل ، الجموح والأمل، جيلان، لكل منهما وجاهته، لكل منهما وجعيته.

صوت رابع غاب عن تلك الأحاديث ولكنه ظهر كخطاب جهور وصورة جريحة هو “مراد فهمي”، المناضل المثال العابر للأجيال، دخل فى غيبوبة خلال اليوم الأول بالثورة وحين أفاق على الكارثة باجتزاء حرية الوطن وبتر رجله لم ينكر الحقيقة، قال بالتحقيق : “هى ثورة وعرابي ومن معه أبطال”.

ماذا لو كان حوارً هامس دار بين “محمود” و”مراد” بعد صدمة الهزيمة وقبل لحظة الاختيار ؟، ماذا لو لم يذهب مراد للسجن او المشنقة؟ ماذا لو لم يقل “محمود فى التحقيق على الثوار “بغاة” و قال طلعت “عصاة” وجلس “سعيد” يبكيهم، ماذا لو حمل الأربعة أنفسهم ورحلوا، فلا تحقيق ولا انتحار بقول الحقيقة ولا خزى بإنكارها؟

أسئلة تحتاج كتابة رواية أخرى من وحي ثورة جديدة، أما الآن بهذا العمر الممتد بين ثورتي “عرابي” و”يناير” فلا زالت كل الأسئلة مشروعة وكل الإجابات ممكنة، فإلى الحوارات التى دارت وأبكت الكثيرين بالأيام الماضية.

الحوار الاول: برق وبريق .. موت وانتصار

ـ طلعت : ليه الناس تموت كده؟

ـ محمود: كل حاجة ولها تمن، هو احنا كنا هانقول للأتراك اطلعوا برة فاهيطبطبوا علينا

طلعت: انت شايف ان التمن اننا نتهزم، ان البلد تدمر، ان الناس تمت كده يا محمود

ـ محمود: مفيش اشرف من كده النا، بتموت وهى بتقاوم

ـ طلعت: بتقاوم ايه يا محمود ؟ اللى ع كتفي ده مات وهو بيقاوم؟ احنا فشلنا يا محمود

ـ محمود: لو ماكناش نجحنا ماكنش أسطول انجلترا ييجي لحد هنا، احنا هانموت هانموت فعلى الأقل نختار الطريقة اللى هانموت بها، نموت واحنا بنقاوم بدل ما نموت شحاتين وجعانين

الحوار التانى: الجرح .. كالحلم ..مفتوح

لم يكن مجرد جرحا غائر بالرقبة والكتف والظهر لكن أوجاع جرح يلوح في الأفق بسبب ثقل ما على المصريين تحمله خلال تلك الثورة، كان الاحتلال هو العقاب على الثورة

ـ محمود: حمدلله ع السلامة ياابوعبد العزيز

ـ طلعت: لو حصل لى حاجة خلي بالك من عبد العزيز

ـ محمود: ماتزيطش هاتقوم وتاخد بالك منه

ـ طلعت: وانت ايه؟

ـ محمود: بسيطة، “ما احناش احسن من اللى راحوا”، المهم أن عرابي صامد ومتحصسن بالجيش فى كفر الدوار

ـ طلعت: خايف يا محمود، خايف عرابي ما يقدرش يكمل للآخر

ـ محمود: هايكمل طبعا الناس كلها وراه واحنا معاه

ـ طلعت: ياريت الناس كلها فعلا تبقى وراه

ـ ياطلعت الناس بتقاوم بروحها، طيب انت عارف ان المصريين حبسوا الاسطول الانجليزي 48 ساعة فى البحر، الناس الناس

ـ طلعت: ياريت محمود، الناس تفضل ورا عرابي ، يارب الناس يقدروا يستحملوا الخراب اللى بقينا فيه ده

ـ محمود :هايستحملوا يا طلعت حلمهم كبير

الحوار الثالث: صلاة النفس التي لم تخن

ـ بعض المارة: “مالك يا حضرة الضابط ماتدخل فى الحيطة احسن .. يا عم سيبه هايكون احسن من عرابي اللى سحب عساكره من الطوابي، كلهم خونة “

محمود: “كيف لي أن اقول لهؤلاء المهاجرين الذين يسبونني انني أنا بالذات لم أخن”

الحوار الرابع: ونس ـ وهنً ـ الأجيال

ـ محمود: سعيد به ده طلب رسمي باعفائي مؤقتًا من الخدمة، ما ينفعش نبقى قاعدين هنا وجيش عرابي متحاصر فى كفر الدوار

ـ سعيد: محمود حذار انك تعمل كد،ه لو تركت خدمتك هاتتقدم لمحاكمة عسكرية وهاتفقد وظيفتك

ـ محمود: فى ستين داهية يافندم الوظيفة لا ان ذرة من تراب الوطن تغتصب

ـ سعيد: اقعد يا محمود، تشرب حاجة؟

ـمحمود: مش عايز اشرب حاجة يافندم انا عايز اروح اتطوع

ـ سعيد: دورك فى حماية الناس فى القاهرة مايقلش عن دور اى متطوع فى جيش عرابي، ارجوك اوزن كلامك مش اى حد تسر له باللى جواك

ـ محمود: هو بقى سر يافندم ، حبنا وخوفنا على تراب بلدنا هايببقى سر

ـ سعيد: انا خايف عليك يا محمود هاتبقى بطولك

ـمحمود: مش اغلى من اللى راحوا، ما الشعب وقف حافي بطوله فى وش الانجليز فى اسكندرية

ـ سعيد:الانجليز خلاص هايتمكنوا من البلد يا محمود

ـ محمود: ازاى سيادتك يائس كده واحنا قادرين عليهم لحد دلوقتى فى كفر الدوار

ـ سعيد: انا يائس لأنى شايف الرشوة والخيانة بدأت جوه صفوف الجيش، ما بقيناش عارفين مين معانا ولا علينا، انت اكيد عرفت بفرمان الخديو باعتبار عرابي عاصى

ـ محمود: وماله يافندم ماالخديو ده كلب خاين يباخد أوامره من جيش الاحتلال، الرد الوحيد هو عزله وتقديمه للمحاكمة

ـ سعيد: ياريت يا محمود، اتمنى

الحوار الخامس: وخز الوعي .. وجد الأمل

ـ طلعت: عرابي مش بيحارب الانجليز لوحده، الاول كان عرابي والأعيان والنواب فى كفة والقصر والانجليزي فى كفة، دلوقتى عرابي والجيش فى كفة ومش كله

ـ محمود: الشعب ده كله ايه؟

ـ طلعت: الشعب مش كله معاه يا محمود، الشعب تعب، الشعب مش كله بيأيد عرابي، انت عايز تقنعني ان 300 الف مهاجر مش بيلعنوا اليوم اللى قامت فيه الثورة وماتقدرش تلومهم

ـ محمود: انت ليه يا طلعت دايما بتكلمنى على اللى باعوها، ما تكلمنشيش ابدا على اللى معاها، ما تكلمنيش على الشهدا/ما تلكمنيش عن الشعب الحافي اللى ما يحتكمش ع سلاح لكن بيقاوم بروحه

ـ طلعت: (صمت)

ـمحمود : حلو اوى خلونا نشوف الحقيقة زى ما انتوا شايفينها .. انتوا عايزين البلد تسلم من قبل ما تتهزم، انا لو عملت كده ابقى باخون، انتوا هاتودونا فى ستين داهية بكلامكم ده، بتهزمونا و احنا فى ارض المعركة

ـ طلعت: ماشي يا محمود، انا مضطر استأذن ، عيد ميلاد ابنى النهاردة

ـ محمود: ربنا يفرحك به وتشوفه بيكبر راسه مرفوعة مش مهزوم

ـ طلعت: مش ناوى انت كمان؟

ـمحمود: ان شاء الله لما البلد تتحكم فى مصيرها هاجيب عيال

(بعد الهزيمة)

المشهد السادس: أحاديث ما بعد الهزيمة

ـ محمود: خير يافندم؟

ـ سعيد: انت بقيت مطلوب للتحقيق انت وغيرك من الضباط بتهمة الانتماء لعرابي؟

ـ محمود: طيب انا انتمائي للوطن لو دى تهمة تستحق التحقيق انا مستعد

ـ سعيد: انت عندك مصيبة فى ملفك ولازم تلاقى لها مخرج، عنده شك انك بتساعد العصاة غير انك افتعلت مشكلة مع البدو، هاتقول ايه بالتحقيق؟

ـ محمود: هاقول ايه هاقول الحقيقة، ان الكلام ده كله كذب انا عمري ما قصرت فى اداء واجبي ودول كانوا بلطجية واضطريت اهجم عليهم اصابوني فى كتفى وكبيرهم اعترف، بيحرق البلد بأمر من محافظ الاسكندرية

ـ سعيد: الوضع كله اتغير ده بقى ناظر الجهادية ماينفعش تقول الحقيقة

ـ محمود: امال حضرتك متوقع منى اقول ايه

ـ سعيد: ماتذكرش اى حاجة، تنكر

ـ محمود: انكر؟

ـ سعيد: تقول انك مابتعرفش لغة البدو .. و أى اتهام تقول ماحصلش، قابضين لغاية دلوقت ع 30 الف لمجرد انهم شاركوا بالثورة، ارجوك يا محمود قدر خطورة الموقف

ـ محمود: انا مقدر بس ده مش حل ده تخاذل

ـ سعيد : اهو التخاذل ده الطريقة الوحيدة اللى ممكن تنقذ بها نفسك

ـ محمود: يعني ايه يافندم انا ومن بعدى الطوفان

ـ سعيد: للاسف ايوة والا الطوفان هايقضى عليك ، الامر خلاص منهى ، الانجليز ع ارض المحروسة، و الثوار بيتقبض عليهم

ـ محمود: (صمت)

ـ سعيد : ارجوك لو عندك حاجة فى البيت حاول تتخلص منها و الا هتلاقى نفسك مشنوق مش وقت تضحيات، التضحية الوحيدة اللى ممكن تعملها انك تنقذ نفسك

ـ محمود: (مزيد من صمت)

الحوار السابع: على حافة الكون ..وحدك

ـ محمود: اتكلم يا طلعت

ـ طلعت: كل الضباط اللى اتحقق معاهم النهاردة اتعفوا من الخدمة ومراد واللى زيه اتحولوا لمحاكمات عسكرية ومش بعيدة توصل لاعدام بتهمة الحيانة

ـ محمود: وانت عايزنا نتصرف ازاى يا طلعت؟

ـ طلعت: احنا بكرة هايتحقق معانا، لو قبل سابق كنا مشمتأكدين من اللى هانقوله عشان ماكناش عارفين نتيجة الاعتراف بالحقيقة، دلوقتى عارفين

ـ محمود: وانت جاى تخوفني

ـ طلعت: انا فعلا خايف عليك و عليا، لو ما قلناش ان عرابي عاصي جايز نتعدم

ـ محمود: يجوز بس هانبقى قلنا الحقيقة

طلعت: الحقيقة تستاهل تتقال، بس هل لو قلنا الحقيقة فى حاجة هاتتغير، هل عرابي هايرجع؟ هل الثوةر هاتنجح، ده يبقى اسمه انتحار يا محمود لأن كل اللى آمنا به مش هايحصل احنا كده بنسلم نفسنا من غير تمن

ـ محمود: تمن؟ واحنا المفروض نعمل ايه يا طلعت؟ نخون؟ نبقى سوسف خنفس اللى باع اللى باع زمايله واتسبب فى موتهم، أخون الحاجة الوحيدة اللى امنت بها فى حياتي، اقول الثوار خونة وعرابى خاين اخرقوهم

ـ طلعت: (ترقب)

ـ محمود:ـ ليه بن الكلب الخاين خنفس اللى اتسبب فى هزيمتنا يعيش، و عبيد اللى اتسهر تحت مدفعه يموت وهو بيدافع عن وطنه

ـ طلعت: لو كنت مت زى عبيد كنت اتمنى ابقى مت بسبب .. بس صدقنى لو دلوقتى قلنا الحقيقة هانموت من غير سبب

ـ محمود: وهاتبقى مبسوط لما ابنك يكبر ويسألك ليه ماشهدتوش بالحق

ـ طلعت: لا طبعا بس هابقى مبسوط لو شفته بيكبر قدام عينيا وربيته زى ما انا عايز ، انا فعلا خايف عليك و عليا، ثورة عرابي خلاص فشلت، كل اللى كنا بنحلم به انتهى

ـ محمود: مش عايز اسمعك

ـ طلعت: و انا ماعنديش حاجة تانى اقولها

الحوار الثامن: نوح مفارقة الروح

ـ انا مش ممرور لأن ترقيتي اتوقفت طز، انا ممرور عشان ممرور من نفسي، انا ظابط مذنب، مراقب لحين التأكد من حسن سيري وسلوكي

ـ سعيد: بس ده بديهي يا محمود لأنهم ما صدقوش انك خاين

ـ محمود: بس انا خنت

ـ سعيد: لا انت ما خنتش، انت خفت وانا خفت كلنا خفنا، ياريت يااخى عرفت تخون

ـ محمود: انا طلعت اقذر من الانجليز نفسهم

ـ سعيد: محمود كفاية انت شربت كتير

ـ محمود: يااخى انت فاكرني سكران، الخمرة مش هاتعمل فيا اللى انت وطلعت عملتوه فيا

انت حولتوني لنص بنى ادم، نص وطني نص خاين، نص شجاع نص جبان، خلتوني كرهت نفسي ليه؟، عشان خايفين من دول؟الإنجليز دول وطنيين ويستحقوا انا اعظم لهم

ـ welcome to Egypt ..egypt is yours

ـ سعيد: محمود قوم معايا

ـ محمود: وتقولى ما خنتش !!

الحوار التاسع: يا وجع النفسً المأزومة

محمود: وحدي انا العاجز عن النوم أقضى الأيام و الأعوام فى تلفيق صلحً مع نفسي لا يعيش طويلا، اين هى براءة العمر الاولى عندما كانت الاشياء سهلة وبسيطة و طمأنينة النفسي تأتي دون تعب او تعقيد

الحوار العاشر: الفرصة الأخيرة قبل السقوط  الأخير

ـ محمود: يافندم انا لا عايز الترقية و لا هانفذ القرار

ـ سعيد: فكرت كويس فى اللى بتقوله ده يامحمود

ـ محمود: مش محتاج افكر اكتر من كده يافندم كل ما بنفكر زيادة عن اللزوم بنضعف

ـ سعيد: اقعد يا محمود

ـ محمود: انا مرتاح كده

ـ سعيد: لو فرضنا طاوعتك و الأمور عدت ع خير من غير محاكمات هاتعمل ايه بعد كده؟

ـ محمود: مش مهم يافندم ايه بعد كده/ المهم دلوقتى مش هافضل دايما بايع النهاردة عشان بكرة اللى معرفوش

ـ سعيد: اللى استعفوهم قبل كده اشتغلوا إما بالسياسة أو المحاماة لأنها كانت قضية عمرهم عايشين عشانها ومستعدين يموتوا عشانها، لكن انت بقى انا من قبلك اتعاطفنا مع الثورة و عرابي، وبعدها انكرنا كل شىء عند اول قسمة، و ده عار، ماحدش بيعايرنا به عشان بعدنا عن دايرة اللى ممكن يعايرونا، لكن انت بقرارك المتسرع ده لما ترمي نفسك فى وسطيهم العار هايفضل ملازمك طول العمر، ده غير عار تخليك عن البدلة الميرى عند أول مهمة اوكلت لك

ـ محمود : طوز فى البدلة لو ما كنتش عشان نحمي الناس نخلعها بنفسنا احسن، العار هو اللى رايح اعمله أنا رايح آخد ضرايب من المصريين و أديها للانجليز بعد ما كنا عاملين ثورة عشان نرجع للناس حقوقها انا اللى رايح اخد قوتهم وقوت عيالهم

ياريتنى ما شهدت ضد عرابي حتى لو كانوا اعدمونى كنت مت بشرف عشان حاجة لها معني ـ لكن انا دلوقتى رايح اموت عشان ايه .. رايح اموت ليه

ـ سعيد: ان اهايديك يومين اجازة و تهدى و تفكر

ـ محمود: انا رايح اموت عشان ايه يافندم رايح اموت ليه !

ــــــــــــــــــ

(انتهى/ ولم ينته)