قبل أي شئ، الكثيرون مدينون باعتذار عميق، بعمق مأساة العرب، للتاريخ، وناجي العلي، وعاطف الطيب، ونور الشريف، وكل من شارك من فنانين، من مختلف الجنسيات، بل ولأماكن التصوير، وكل كاميرا، وكل «راكور»، كان حاضرًا من أجل فيلم «ناجي العلي».

نعمهذا الموضوع الصحفي منحاز، منحاز لناجي العلي، لفلسطين، للعروبة، للإنسان، منحاز لدموع وابتسامات أطفال غزة والضفة والقدس، ولتجاعيد وجوه الكبار والكبيرات، ولأشجار الزيتون، ولتفاصيل أثواب النساء المطرزة، وكوفيات الرجال الصامدة، ولكل ما يحمله جميع ما سبق من حكايات، لا يحتويها الكتمان، تمامًا كما كان «ناجي العلي»، رسام الكاريكاتير الفلسطيني بدرجة مقاتل، صاحب الأيقونة «حنظلة»، منحاز، حيث يؤكد: «لست محايدًا، أنا منحاز لمن هم تحت، لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى، ولمن يخرجون من حواري الخرطوم يمزقون بأيديهم سلاسلهم، ولمن يقرأون كتاب الوطن بالمخيمات».

 

ولكن هل كان لهذه الانحيازات دور في حرب شرسة قامت، في تسعينات القرن الماضي، ضد فيلم، بمقاييس الفن البحتة، قوي وغني وضخم، ضم مجموعة كبيرة من الفنانين العرب، تم إنتاجه عام 1992 من إنتاج شركة «إن بي»، والتي يمتلكها نور الشريف، بطل الفيلم، وزوجته «بوسي»، بالاشتراك مع مجلة «فن» اللبنانية، وقام بإخراجه «عاطف الطيب»، وكتبه «بشير الديك»؟

اغتيال «ناجي العلي» شخصًا وفيلمًا

«صوّرنا الهجوم، نحن فريق الفيلم، كما لو كنا مجموعة من الخونة صنعوا فيلمًا خصيصًا ضد مصر، حتى أنهم كتبوا وقالوا نور الشريف يقوم ببطولة فيلم الرجل الذي “شتم” مصر في رسوماته، والحقيقة أن هذا الاتهام باطل، فـ “ناجي العلي” كان يعشق مصر لأبعد الحدود وهذا ما توضحه رسوماته، ولكنه هاجم السادات عند زيارته للقدس، وهاجم اتفاقية كامب ديفيد، ناجي العلي لم “يشتم” مصر، ولكنه عبَّر عن رأيه في رفضه لـ “كامب ديفيد”، وهذا كان موقف كل العرب آنذاك ومعظم المثقفين المصريين».. هذا ما كتبه الفنان «نور الشريف» عن أزمة الفيلم في مقال، بينما دأب على الدفاع عن الفيلم وصناعه طيلة سنوات وحتى قبيل وفاته، في آخر حوار تلفزيوني معه.

قادت الصحافة القومية، وعلى رأسها مؤسسة «الأخبار» الحرب ضد الفيلم وصناعه، وتم اتهامهم بالخيانة، والعمالة، وتلقي التمويلات الخارجية، وشارك فيها كتابًا وصحفيين وفنانين وسياسيين وأعضاء برلمان، حيث تقدموا بطلبات إحاطة حول الفيلم وطالبوا بمنعه، فتم منع الفيلم بعد أسبوعين فقط، وبينما تم عرضه في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بعد اطلاع الدكتور أسامة الباز، مستشار الرئيس المخلوع مبارك، عليه بناء على طلب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بمنع الفيلم، إلا أن «الباز» أقر أنه فيلم غير مسيئ، إلا أنه تم استبعاده بعدها بشهور من المشاركة في المهرجان القومي للسينما، وظل ممنوعًا من العرض على التلفزيون المصري حتى عام 2014.

باسم «الوطنية» زايدوا على بطل الفيلم ومخرجه ومؤلفه «المصريين» باتهامات تشبه ما يُكال حتى يومنا هذا ضد كل من يحاول السباحة ضد التيار أو أن يخالف الصوت الواحد والطابور الواحد!

الناقد السينمائي «علي أبو شادي» تحدث عن تفاصيل الأزمة في أحد البرامج، مؤكدًا أن صناع الفيلم قدموا نموذجًا في مقاومة الاستبداد، فوقعوا فريسة له.

يقول «نور الشريف»، في المقال المشار إليه: « هل لأني ناجي العلي أم لأنني نور الشريف أكتب هذه السطور؟ لا أدري وإن كنت أعتقد أنه لا فرق! «ناجي العلي» لم يكن مجرد فيلمًا جادًا في مسيرتي، كان دليلي الذي قادني إلى مرحلة النضوج في زمن التردي السائد في معظم الإنتاج الفني، سواءً على المستوى السينمائي أو المسرحي أو الموسيقى أو حتى التلفزيوني. كان هو البديل المطلوب للأفلام المبتذلة أو أفلام المقاولات التي تتعمد الابتعاد عن صلب الهموم الكبرى والموضوعات الجوهرية، وتعمل على طمس المشكلات الإنسانية والقومية والوطنية من خلال طرحها لموضوعات سطحية تخاطب الغرائز وليس العقول والقلوب».

وعن اختيار الشخصية يقول: «إن حماسي لناجي العلي كان ينبع من التعلق بالقضية الفلسطينية بعيدًا عن التحيز والضغوطات، إنه يحمل وجهة نظر المواطن العربي الفلسطيني، وهو ما دفعني لأن أعتقد أنه النموذج الرائع لغياب الحرية، لأنه لا يمسك مدفعًا ولم يؤلف حزبًا بل قلما وريشة وحبرًا وأوراقًا فقط لا غير، إنه فرد يقف في الساحة وحده، بل إنه ضعيف البنية، ولو كانت هناك مساحة من الحرية لأصبح «ناجي» هو المرشد في رحلة الصواب لأنه يعكس نبض المواطن الفقير، مواطن المخيمات، لكن ما حدث هو العكس، فغياب الحرية والديمقراطية قتله».

ويحكي، الفنان المصري، عن مجهوده خلال عامين في البحث واللقاءات مع أهل وأصدقاء الفنان الفلسطيني، وتسجيل عدد كبير من الحوارات من أجل تنفيذ الدور على أكمل وجه، ثم يؤكد، في نفس المقال القديم: «ناجي العلي» من أهم أفلامي وسأظل أفخر به دائمًا، بل وسأظل أحلم بمواصلة مشواري على نفس الدرب وتقديم شخصيات أخرى تشبه ناجي العلي، وتاريخنا العربي زاخر بها، ولن يرتاح بالي إلا إذا فعلته».

في حوار صحفي، عام 2011، صرح «نور الشريف» بأن أزمة «ناجي العلي» دفعته للتفكير في الهجرة خارج مصر، بعد ما لاقاه من ظلم. هكذا حاولوا اغتيال فنان مصري، لأنه جسد اغتيال فنان فلسطيني.

«الجيوش العربية مش فاضية»

«هي الجيوش العربية مش هتيجي؟» بالرغم من أن الفنان محمود الجندي، أحد أبطال الفيلم، يطلق التساؤل ببساطة وجدية، وحاله بين اليقظة والغفلة، بين الوعي والسُكر، حيث لا تفارقه زجاجة الخمر، إلا أن هذه البساطة والجدية ربما هي مفتاح القضية، ومفتاح الأزمة، أزمة فلسطين، وأزمة الفيلم أيضًا، وهي أيضًا موجعة بما تحمله من «عَشَم» ما زال حيًا، بعد سنوات الدمار والشتات أن «جيوشًا عربية» تتجهز من أجل «العودة» إلى فلسطين، عودة الجيوش التي هُزِمت في 1948 لتنتصر، وعودة أهل الديار إلى ديارهم.

«الجيوش العربية مش فاضية»، رد «ناجي العلي» على صاحب «العَشَم»، وزجاجة الخمر، التي يحاول الخلاص بها من الألم والشعور بالخيبة، والذي يتجول تحت القصف في شوارع بيروت، وهو «المصري» الوحيد بالفيلم، الأمر الذي أزعج مهاجمي الفيلم واعتبروه «إهانة»، بينما قصد صناعه أن المصري مازال يحلم ويتمسك بالأمل رغم ما يبدو على هيئته من اللامبالاة، وهو الوحيد القادر على المواجهة، فيقوم بمواجهة قوات الاحتلال الصهيوني، وهو يصيح: «هتيجي الجيوش العربية، وهتمسحكم مسح، يا ولاد الكلب» ليتلقى رصاصات في صدره ويسقط شهيدًا على شاطئ «صيدا» اللبنانية، والجميع يراقب في عجز وغضب، عبر عنه «الطيب» من خلال نظرات «الشريف» وقبضة يده على قطعة من الحجر.

هل أزعجتهم عبارة «الجيوش العربية مش فاضية»؟ هل انتفض مهاجمو الفيلم من مؤيدي اتفاقية «كامب ديفيد» بسببها؟ أم أغضبت عبارة «التفاهم معناه إني أنسى فلسطين» التي جاءت على لسان بطل الفيلم السلطة الفلسطينية؟ أم هي عبارة «والله والله والله ما بترجع فلسطين من دون حرية» في سياق رفضه لإملاءات من السلطة تمنعه من انتقادها، أم أنه إصرار «ناجي» بعد رفض نشر رسوماته: «لأفضح كل هالواقع العربي عالحيطان لو ملقتش جريدة تنشر لي»؟

الحب والحدود

ليس أقدر من الحب على إذابة الحدود، فـ «عابد» المقوم الفلسطيني يحب «لينا» الفتاة اللبنانية، لكن الأزمة كمان يقول الشاب بالفيلم: «أهلها مش موافقين عالخطبة.. قال أنا مسلم وهي مسيحية» فيرد «ناجي العلي / نور الشريف»: «بعدين هيوافقوا» ليحمل الفيلم بشارة قريبة لأبطاله، حيث يوافق أهل «لينا» ويرتديان خاتما الزواج، في السيارة التي تقل الفلسطينيين خارج لبنان بعد قرار الانسحاب عام 1982، فيرحل «عابد» وتبقى «لينا»، وبشارة بعيدة المدى لتغير ثقافي عربي منتظر، ودلالة على رابطة أقوى بين البشر، أقوى من الساسة والسياسة، وأطول عمرًا مما يظنون.

الصورة الأخرى للحب الذي يتعدى الحدود، هو تعلق قلوب «ناجي»، والفلسطينيين، بفلسطين، وكأنهم لم يغادروها، بالرغم من تنقل أجسادهم بين البلاد، والخط المفتوح والممدود للعودة.

«سعاد» أيضًا، الصحفية زميلة بطل الفيلم، لم تبح له بحبها، إلا أنها ألمحت «الرفقات بالحفلة امبارح افتكروك البويفريند تبعي»، «بهالشيبة؟»، «ناجي أنت شاب أكتر من الشباب»، وتتصدى بعد استشهاده للدفاع عن تنفيذ وصيته، التي لم تُنَفَذ، بالدفن في مخيم «عين الحلوة» بالجنوب اللبناني حيث نشأ «العلي»، وتتصدر دموعها الثواني الأخيرة من الفيلم، مع صوته في الخلفية: «أفكاري ألتقطها من أحاسيس الناس، ولا أذكر أنني تلقيت يومًا نقدًا حول رسومي من فئات شعبية، أعلم أنني سأواصل الطريق، فأنا على موعد هناك بعيدًا، ولن أخلفه، سنلتقي ذات يوم حاملين صورة الوطن في العيون، وسندق ساري علم فلسطين في تراب الوطن، وسنستمر» ثم يحتل المشهد الأطفال المقاومين، يرشقون جميع المعتدين الماثلين أمام الشاشة، بالحجارة، وهم في عمر «حنظلة».

تم تصوير الفيلم في شوارع بيروت، بعد الحرب الأهلية، لتبدو الصورة واقعية، حتى أن الفنان محمود الجندي صرح في لقاء تلفزيوني، أن بعض الذخيرة المستخدمة في التصوير كانت حقيقية، ليعكس الفيلم دمارًا عربيًا، متفجرًا من الداخل، كما من الخارج، كما أراد «ناجي العلي»، وغيره من السياسيين والمثقفين، أن ينبهوا، ولا يزالون.