وأدت الحرب على الإرهاب أمل أهالي شمال سيناء في العيش سالمين، فأراد واقعهم أن تبقى صورة الوطن منقوصة الألوان وانحصر بين لونين، فإما “الأحمر” التي تنضح به طلقات الإرهاب الغادرة أو حتى طلقات الأمن التي تصيبهم خطئًا، وإما “الأسود” الذي يلقونه وهم ينزحون من ديارهم مهجرون قسرًا بحثًا عن حياة آمنة، أما “الأبيض فليس لهم نصيب منه اللهم إلا هدنة تجنح إليها أذرع الإرهاب جبرًا لا رغبة في السَلم.

يُسلب الحق في الحياة فيُقتل المرء على الهوية الدينية أو لأسباب أُخرى ويُنتهك حقه في العيش آمنًا، فوسط سماع دوي انفجارات كبيرة هنا، أو استهداف احدهم بالقتل أو حرق متجره هناك، يتعايش أهالي حي السمران كونهم أهداف ثانوية للجماعات الإرهابية، ليس هذا فحسب، لكن الأخطر على الإطلاق هو أن تُخطئء قوات الأمن هدفها فتصيب أحدهم بدلًا عن حصدها رقاب العناصر الإرهابيىة.

ويعد حي السمران ضمن أكثر الأماكن التي شهدت أعمال قتل هذا العام، تلاه حي الزهور والصفا وبعض شوارع المساعيد والريسة، وقد تصاعدت وتيرة أعمال القتل في تلك الأحياء بشكل ملحوظ بداية من العام2014 ،ويرى البعض أن العناصر الإرهابية تسللت إلى تلك الأحياء وسط الأهالي الذين هُجروا قسرًا من رفح في عام 2014.

بؤر الإرهاب .. غطاء شعبي أم فشل أمني

ربما يشهد أهالي تلك المناطق واقع امني واجتماعي معقد، لذا يتخذ منها الإرهاب بؤرًا آمنة له، إذ يذهب بعض المحليين إلى أن الطبيعة القبلية لسيناء جعلت بعض أهل البلد يستنفرون ضد بعض الفئات التي يتم النظر إليها كمجموعات وافدة على البلد، وفي مقدمتهم الأقباط, وأن إهمال الدولة وقلة الفرص في سيناء يدفعان البعض لاتخاذ موقفٍ معادٍ تجاه تلك الفئات باعتبارهم يزاحموهم في الموارد والفرص المحدودة المتاحة لأهل البلد، وأن الظلم والتنكيل الذي يراه أهل المنطقة من قوات الأمن يدفعان البعض إلى دعم الجماعات الإسلامية وأهدافها، ومنها استهداف الأقباط، ما ينذر بناقوس الخطر من احتمالات وجود ظهير شعبي لتلك الجماعات في المناطق التي ينشطون فيها، ويتفق مع ذلك الطرح إسحاق إبراهيم، مسؤول ملف الحريات الدينية بـ”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، إذ تحدث في تصريحات صحفية سابقة عن أن الطبيعة العلنية لاستهداف الأقباط في الآونة الأخيرة، تتنامى بسبب ما أسماه «غطاءً شعبيًا لتنظيم الدولة الإسلامية داعش في منطقة شمال سيناء»

أهالي حي السمران بين حصارين

يبدو الحال في حي السمران كمعظم مناطق شمال سيناء، وخاصة تلك التي تتردد عليها أقدام الإرهاب بين الحين والآخر، إذ تنتشر قوات الأمن، في إطار ختطها لتضييق الخناق على العناصر الخارجة عن القانون، وضبط العناصر الإرهابية المشاركة في عمليات ضد القوات المسلحة، والتي وحسب البيانات الرسمية للسلطات “تختبئ وسط الأهالي”، لتتضاعف معاناة سكان حي السمران الذين يجدون أنفسهم بين حصارين، فحصار تفرضه قوات الأمن بحثًا عن العناصر الإرهابية، وهو حصار قد يتطلب غلق طرق وقطع للمياه والكهرباء لمدة تصل أحيانًا إلى اسبوعين متواصلين، وآخر تفرضه تلك العناصر الإرهابية بسعيها لفرض أفكارها المتشددة على الأهالي وترهيبهم، أو استقطاب بعضهم تحت لوائها لتنتشر أفكارهم كسرطان يسري في جسد المنطقة ويهدد بقية سكانها.

قتل على الهوية الدينية

وبالرغم من تواتر أنباء عن توزيع منشورات تهديد واضحة للمسيحيين، وتكرار حوادث الاستهداف في حي السمران في العام 2017 إلا أن أعمال القتل تزايدت وتنوعت فيه بشكل ملحوظ، ففي 16 فبراير 2017ورغم قرب تمركز قوات الأمن من مكان الواقعة، أُطلقت النيران على المواطن جمال توفيق جرجس 45 سنة، أثناء قيامه بعمله كبائع أحذية في سوق الخميس بحي السمران، ما أسفرعن اصابته بطلق ناري في الرأس وآخر في الصدر ووفاته أمام زوجته، وجاء في تقرير أعدته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” أنه بالرغم من قرب السوق من نقطة الشرطة إلا أن أفراد الأمان جائوا بعد ساعة من الحادث، ما مكًن الفاعليين من الفرار بفعلتهم.

وبعد اقل من اسبوع تكرر الحادث ولكن بصورة أبشع، إذ نشر موقع “صوت المسيحي الحر” في 22 من فبراير خبرًا عن العثور على جثمانين للمواطن سعد حكيم، يعمل موظف فى التربية والتعليم، ونجله مدحت الذي يبلغ من العمر 22 عاماً، مذبوحين قبل إحراقهما داخل منزلهما الكائن فى حى السمران بالعريش أيضًا حسبما صرح النائب جمال الرفاعي عضو مجلس النواب عن شمال سيناء.

وفي سياق متصل،استُهدف المواطن عادل شوقي، كما حاول 15 ملثمًا احراق منزل المواطن توفيق عبد الشهيد، بمنزله لكنه نجح في الفرار برفقة اسرته، ثم قام الملثمون بحرق منزله بالكامل.

استهداف للنازحين من رفح

لم تطل التهديدات المسحيين فحسب، ففي مساء 20 من مارس 2017 ورغم تأكيد قوات الأمن محاصرتها حي السمران تمامًا حتى امتدادًا الطريق الدائري بمدينة العريش، وقع حادث مثير للدهشة، فوفقًا لتصريحات صحفية للواء سيد الحبال مدير أمن شمال سيناء، أقبل مسلحون على تفجير منزل المواطن محمد حمدان البراهمة، وهو من المنقولين من رفح إلى العريش العام الماضي، حيث هدد المسلحون أسرة المواطن وأخرجوهم من منزلهم بالقوة، ثم قاموا بتفخيخه وتفجيره، لم يدري أحدًا لماذا كان محمد هدفًا للعناصر الإرهابية بعد أن هُجر قسرًا نظرا لاجرائات توسيع الشريط الحدودي في 2014 لينتظره الموت في 2017.

توسُع نطاق دوائر المستهدفين

وفيما يعد استهداف البراهمة توسعًا في نطاق عمليات وأهداف تلك التنظيمات، يأتي استهداف أحد أكبر رموز الطريقة الصوفية، الشيخ سليمان ابو حراز، دليلًا على هذا التوسع أيضًا.

“داعش” جريمة قتل سليمان أبو حراز، أحد أكبر مشايخ الطريقة الصوفية بمحافظة سيناء المصرية، ونشر التنظيم فيديو يظهر إعدامه ذبحا.

طلقات قوات الأمن تُخطئ الهدف

يزيد وضع الأهالي سوءًا ما يتداول بشأن تورط قوات الأمن في قتل بعضهم خطئًا، ففي 17 من إبريل، نشر موقع “سيناء24” خبرًا عن مقتل طفل كان يصطحب أخاه، بطلقات الجيش عن طريق الخطأ، على الطريق الدائري في اتجاه حي السمران، ولصعوبة الوضع الأمني لم تتمكن سيارات الإسعاف من الوصول إليه وانقاذه، حتى حل عليه المساء تمكن أهل الطفل من التوصل لمكان الحادث لكنهم قاموا بسحب الطفل جثة هامدة.

كما نشر الموقع ذاته في 28 فبراير، ما أسماه “شهادة أحد المواطنين” بخصوص سقوط قذيفة بالقرب من إحدى المدارس الإعدادية، ما أدى إلى فرار الطلاب منها.

و تداولت أنباء في أول مارس، واثناء فرض حظر التجوال على المنطقة، عن اصابة السيدة فوزية حميد مسلم 45، سنة بطلق ناري من مجهولين، فيما اتهمت بعض الصفحات التي تتناول تغطيات خاصة بسيناء أن الطلقات التي تلقتها السيدة كانت من قبل قوات الأمن.

ويبدو مما سبق أن ارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية، وارتفاع ضحايا عمليات القتل تزامن مع زيادة التضييق الأمني، ما يشير إلى فشل الحل الأمني، فوفقًا لتقرير أعدته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” حول وقائع القتل والتهجير القسري بحق أقباط العريش، أن الدور الأمني اتسم بالفشل في حماية المواطنين المهددة حياتهم، ووقايتهم من التعرض للإيذاء، وأشار التقرير إلى أن معظم شهادات الأقباط الفاريين من شمال سيناء عكست اتهامات للأجهزة الأمنية بالفشل لعدم التحرك لحمايتهم بل وتجاهل التهديدات التي تعرضوا لها وعدم التعامل مع حوادث القتل التي تعرضوا لها بجدية كافية وحمايتهم من العناصر الإرهابية، ولكن هل ستنجح السلطات في إيجاد حل جذري للقضاء على بؤر الغرهاب دون المساس بالمواطنين، وهل ستنجح في معالجة الأسباب الاجتماعية التي تؤدي لتوافر بيئة حاضنة لتلك العناصر، أم أنها ستمضي قدمًا في النهج ذاته ضاربة معاناة المواطنين عرض الحائط.

.