تحقيق لـ :  ليلي عبادي

 

في الأول من مايو عام 2014، كان آخر تجمع لـ”أطفال جزيرة الانسانية” كما أطلق عليها مؤسسيها، عقب اقتحام الشرطة لمقر مؤسسة بلادي لتأهيل أطفال الشوارع، حاولت “مدد” تتبع أثر أطفال المؤسسة بعد القبض على مؤسسيها (آية حجازي ومحمد حسانين وآخرين عاملين بالمؤسسة)، وإغلاق مقرها بشارع محمد محمود بالتحرير وتشميعها حينها.

رحلة دامت طويلاً، قبل وبعد إخلاء سبيل مؤسسيها، ورغم هذا جاءت الإجابات منقوصة كما هى حياة هؤلاء الأطفال على كافة المستويات، فإلى ما عشناه خلال تلك الرحلة من محطات وما توصلنا له.

المحطة الأولى (القبض على الأطفال)

عقب القبض على مؤسسي الجمعية و17 طفلا تتراوح أعمارهم بين (12 و16) عام، تواجدوا بمقر المؤسسة، وقت اقتحام قوات الشرطة، اثر بلاغ كيدي ضد المؤسسة باحتجازها طفل – ثبت عدم وجوده بعد ذلك- تحفظت الشرطة على الأطفال، لعرضهم على النيابة لمساع أقوالهم في التهم المنسوبة لمؤسسي الجمعية.

بين نفسي واثبات الأطفال للتهم الموجهة لمؤسسي الجمعية، ومن بينها (تأسيس وإدارة جماعة إجرامية بغرض الاتجار بالبشر، واحتجاز الأطفال في مكان “قصي عن الأعين” وتعذيب بعضهم بدنيًا، والتعدي عليهم بالضرب لإجبارهم على ممارسة الفجور والجنس)، حاول “موقعنا” تتبع أثرهم عقب اطلاق سراحهم لكنهم كانوا أشبه بفص ملح وذاب.

“عمري ماحد عملي حاجة في الجمعية، وكانوا بيعاملوني كويس، وماحدش نزلنا مظاهرات، ومحمد حسانين وآية حجازي مشرفين علينا، هما ناس كويسين وماشوفناش منهم حاجة وحشة”، كان تلك أقوال أحد الأطفال الـ17 في محضر النيابة، والتي حصل “موقعنا” على نسخة منها، أثناء سؤاله حول طبيعة المشرفين وإذا كانوا تعرضوا لاعتداء بدني أو جنسي بالمؤسسة.

فيما يقول يدعى مصطفى بمحضر النيابة “قعدت في الجمعية شهر، وبعدين كنت عايز امشي، لما بعتوني اجيب لهم طلبات هربت، ورجعت لبيتي في المرج، بس كنت خايف ابويا يضربني فملقتش مكان تاني غير جمعية بلادي اروحه، بعدها المشرفين خلوا واحد من العيال يقلعني هدومي ويضربوني عان ماعملش كده تاني”.

يقول المحامي أحمد سعد، دفاع المتهمة آية حجازي إن بعض الأطفال تم اجبارهم من قبل قوات الأمن للشهادة ضد مؤسسي الجمعية بعد تعذيبهم داخل قسم الشرطة، فيما أكد تقرير الطب الشرعي خلو أجساد الأطفال من آثار عنف جنسي أو بدني تعرض له الأطفال حيال المدة التي تواجدوا فيها بالمؤسسة.

وننتهى مع شهادة الطفل “سليمان، سلميان محمد سلمان، البالغ من العمر 14 سنة فى 2014 ، من منطقة ابو زعبل، قال فى أقواله “لما سبت بيت أهلى ماكنش لى مكان اعيش فيه فرحت الجمعية، وأوضح “كنت اعمل مع والدي فى بيع بعض الأشياء بالشارع وبيوم ضاعت مني البضاعة وكانت بحوالي 100 جنيه خفت أرجع لأبويا وقابلت ولد اسمه “اسلام” فى طلعت حرب قالى على الجمعية و انهم هايربوك ويعلموك، ورحت هناك فعلا و قعدت شهرين، وفي سؤال ان كان يتعرض لأى إجبار على ممارسات جنسية او التصوير نفى أن يكون حدث معه هذا، وقال أن آية حجازي ومحمد حسانين هما المشرفان على الجمعية و لم ير منهما شىء سىء،

سأله المحقق وماذا عن ما قاله زميل لك فى التحقيق أن حسانين كان يدفع لكم الأموال لكي تنزلوا مظاهرات فرد “محصلش”، ومذا عن ما أدلى به زميل آخر لك أن من كان يريد الهرب من الجمعية كان يتم وضعه فى غرفة وأحد الأطفال الكبار يقوم بهتك عرضه، فرد “ماحصلش”، فسأله المحقق:”ولماذا قال زملائك ذلك فى رأيك؟”، فرد: “لأنهم فاكرين لما يقولوا كده هايمشوا وانا برة قالولى اكدب وقول كده عشان يمشوك بس انا هاقول الحقيقة”.



المحطة الثانية (أحد الأطفال يزور آية حجازي بجلسات التجديد)

عقب إحدي الجلسات، قالت لنا والدة آية حجازي، إن أحد الأطفال يدعى أسامة كان يتردد لزيارة أبنتها أثناء أولى جلسات تجديد حبسها، فكان يعتبرها بمثابة أما له، ومتعلق بها تعلقا شديد، إلا انه اختفى منذ فترة بعيدة، ولا يعرفون طريقا له.

أكملت: “جزيرة الانسانية” كان حلما راود ابنتها وزوجها عقب ثورة 25 يناير، لتأهيل الأطفال بلا مأوى، ونجحت في إعادة أطفال لبيوت ذويهم بعد اصلاح سلوكهم العدواني، فضلا عن ظهور تلك النماذج الناجحة ببرامج تليفزيونية ومحاضرة بالجامعة الامريكية، إلا أن كل ذلك ذهب و لن يعود حتى بعد خروج مؤسسي الجمعية من التجربة العصيبة بالسجن، وهكذا دفع هؤلاء الأطفال ثمناً باهظًاً.

المحطة الثالثة ( بعض الأطفال تحن لمقر المؤسسة)

بعد 3 سنوات زرنا ” مقر المؤسسة، بشارع محمد محمود بالتحرير، يقول حارس العقار رافضا ذكر اسمه، “شاهدنا حوالي 5 أطفال بعد القبض على أصحاب المؤسسة، والتحفظ على المقر”.

يروى حارس العقار بتوجس، إن الأمن هو من زج بأطفال وصفهم بـ “الشواذ سلوكيا” وسط باقي الأطفال، ليتم اتهام المكان بأنه غير صالح لرعاية الأطفال، مضيفا “اهي العيال كانت بتلاقي نومة وأكلة تحميهم من الشارع”.

يشير حارس العقار إلى رؤيته لبعض أطفال المؤسسة في تظاهرات، لأنهم يعيشون بالشوارع المحيطة بالتحرير، قبل التحاقهم بمؤسسة بلادي.

وبسؤاله حول رؤيته لأحد الأطفال الفترة الماضية، نفى حارس العقار تردد أي من أطفال “جزيرة الإنسانية” كما لقبوها مؤسسيها، في محيط المؤسسة خلال الفترة الماضية.

المحطة الرابعة (أحد الأطفال يعمل بكشك بميدان التحرير)

ألتقينا بصاحب كشك كان يعمل فيه أحد الأطفال يدعى محمود، منذ 5 أشهر، على أطراف شارع قصر النيل كشك صغير، يقول صاحبه: “محمود كان بيشتغل هنا من فترة كبيرة قعد شهر ونص عندنا، ومشينا مانعرفش عنه حاجة دلوقتي”

يستطرد صاحب الكشك ستيني العمر ذو لحية بيضاء “ايده كانت طويلة فمشيناه، رغم اننا جبنا له مكان يبات فيه، ولو كانت المؤسسة اللي جاي منها علمته حاجة فعلا، مكنش سرق، وعاش بالحلال”.

المحطة الخامسة (شاهد عيان)

“كنت بشوف ولد هادي وعنده اخلاق اسمه صلاح، بيشيل جرايد تقيلة قدام المحكمة في الاسماعيلة، بعد فترة روحت مره ازور مؤسسة بلادي لاقيته بيفتحلي الباب” تقول المحامية آية حجازي، وإحدى صديقات محمد حسانين.

سافرت “آية” بعد فترة الى القاهرة وفوجئت بـ “صلاح” في ميدان التحرير، فتحدثت معه عن المؤسسة التي كنت بدأت أتعاون معهم كمدربة كونغوفو وبالفعل تشجع بعد عدة أيام وذهب هو صديقين له للمؤسسة ، مشيرة إلى أن حسانين طلب منها التوجه لأهله لاخبارهم بمكان ولدهم وطمأنتهم على أحواله.

حكت لنا:  “بالفعل ذهبت لقرية صلاح بالتل الكبير، تقع في أحد الازقة بمنطقة ريفية، وقابلت والدته وخالته، وأبلغتهم بعنوان المؤسسة وبوجود صلاح فيها، لكنهم كانوا غير مكترثين”، “علمت بعد ذلك أن أهل الطفل زاروه بالمؤسسة وأخذوه لمدة أسبوع لكنه صمم على العودة الى المؤسسة لأنها ـ كما كان يقول دوماً ـ “احسن مكان عشت فيه ” وعليه قام خاله بإيصاله الى موقف العاشر بمدينة السلام واستلمه منه “محمد حسانين”،

المحطة السادسة والأخيرة ( في حضور طفل فقد مأواه)

في إحدى المقاهي بميدان التحرير، وعلى بعد أمتار من مقر مؤسسة بلادي بشارع محمد محمود، ألتقت”مدد” بخالد (17 عام) وأحد أطفال المؤسسة، وصلنا له عبر أحد المؤسسين بعد خروجهم من السجن، ونجاحهم فى التواصل مع بعض الأطفال (رفض التصوير لمخاوف من الملاحقة الأمنية).

روى لنا قصته ، يتذكر وقت ما تردد على المؤسسة قبل شهور قليلة من القبض على مؤسسيها، قائلا “كنت بيبع بلالين قدام حلواني مشهور في وسط البلد، وقابلت محمد حسانين قالنا ان فيه مؤسسة اسمها بلادي، عرض عليا أشوف المكان لو حبيت اقعد معاهم ولو ماحبتش امشي”.

يذهب خالد مع مؤسس “بلادي” محمد حسانين ويقضي اليوم الأول فالثاني فالثالث، فيعجبه حال المؤسسة، “المعاملة حلوة” لكن سرعان ما تغير رأي خالد بسبب المحظورات والضبط والربط، على أطفال المؤسسة وقتها، فضلا عن منعهم من التدخين.

يتابع خالد “طلب مني أستاذ محمد أن اجمع مايقرب من 20 طفل في شارع وان احضرهم للمؤسسة لكي نسافر رحلة، ذهبت لاحضارهم ولم اعد للمؤسسة إلا بعد شهرين، بسبب الأوامر، كنت محروم من كل حاجة لا سجاير ولا تأخير، وكمان كان بيزعقلنا لو اتشاقينا أو حاولنا ندخن من وراه”

ينفي خالد تعرضه أو تعرض أحد أطفال المؤسسة للضرب من قبل القائمين عليها، مثلما زعم في الاتهامات، فضلا عن نفيه لاستخدامهم في اي أعمال منافية للآداب أو شذوذ جنسي، أو حتى نزولهم للتظاهرات.

يكمل خالد ” عدت للمؤسسة بعد غيابي عنها بشهرين، وفي يوم فوجئنا بواحد بيسأل على ابنه عندنا، وبيزعق وجاب قوة من قسم الازبكية وقالولنا هيفجروا البيت بقنبلة لو متكلمناش، وسألونها وقتها حد موجود في المؤسسة غصب عنه، كلنا قولنا لأ، بعدها بساعة ونص قبضوا علينا كلنا سواء العيال أو اللي شغالين في المؤسسة”.

لم يعلم خالد أسباب القبض عليه، ومايحدث في القضية، ووجه له ضابط المباحث سؤال عن تقاضية مبلغ 50 جنيها مقابل الاتيان بأطفال جدد، نفى خالد في بادئ الأمر، لكنه تم تهديده حسبما روى لمدد.

يستطرد خالد “الظابط قالي مازن زميلكوا شهد بكل حاجة وعشان تخرج لازم تقول زيه، وهخرجك شاهد ملك”، بعدها أكد خالد في التحقيقات كافة الاتهامات الموجهة لمؤسسي الجمعية سالفة الذكر.

يعلق خالد على هذا الموقف قائلا “اضطريت اقول كده لانهم ضربوني، مكنش قصدي، ومكنتش اعرف ان شهادتي هتضرهم، انا شهدت كده عشان اخرج، ومافضلش في القسم عامل زي الخروف مستني الدبح”.

أكمل خالد رحلته بعد اخلاء سبيله من القضية كشاهد، إلى مؤسسة لرعاية الأطفال بلا مآوى في مدينة السلام، لم يستطع أن يكمل فيها عيشته ورجع بعدها لميدان التحرير مرة أخرى، مرجعا ذلك لـ”فرق المعاملة بين القائمين على المؤسستين”، حيث الموجودين في مؤسسة السلام “معاملتهم شديدة لكن في مؤسسة بلادي كانوا بيعلمونا بالحب وبالراحة، وبنلعب بلايستيشن ونرسم، ومرة روحنا الجامعة الامريكية نحكي عن حياة الشارع”.

بنبرة آسى يحكي عن وضعه حاليا قائلا “دلوقتي أنا متبهدل جدا جدا جدا، لو كنت فضلت في الجمعية كان احسن بكتير ليا، كان في ناس بتزورنا وناس تعلمنا واستاذ شريف بيعلمنا الرسم، وبيجبولنا هدوم، كنت حاسس ان هيكون في حاجة كويسة في جمعية بلادي حتى لو مش كبيرة، بعد ما اتقفلت اضايقت”.

يشير خالد إلى أنه حضر جلسة واحدة فقط أثناء قضية مؤسسة بلادي، لم يتم فيها سماع أقواله، وبعدها خرج ليكمل حياته لم يعلم وقتها أن مؤسسي الجمعية مازالوا قيد الحبس، “كنت مفكرهم خرجوا، وعرفت انهم براءة من التلفزيون بعد 3 سنين من القضية”.

لم يتمكن خالد من الرجوع لذويه في الجيزة، لانفصال أبويه موضحا ” بقيت في النص، مافيش مكان عند ابويا ومافيش مكان عند أمي، مكنش قدامي غير الشارع،

ومشكلتي حاليا ان ابويا مش عايز يضمني عشان اطلع بطاقة ومش عارف اشتغل”.

ينهي حديثه قائلا “بعد ما كنت في المؤسسة بتعامل كويس وبلبس حلو وبتعلم الرسم وبلعب بلاي ستيشن، حاليا أنا قاعد قدام السيدة بالقط رزقي وطول الوقت خايف من البلدية، لو كانت المؤسسة كملت كان هيكون ليا مستقبل، ومحمد حسانين وعدني انه هيجوزني ويساعدني اجيب شقة، وكنت حاسس انه صادق، والسبب اللي قضى على مستقبلي هي الحكومة اللى لفقت القضية لأصحاب مؤسسة بلادي، وعايز اقولهم أنا آسف اني شهدت ضدهم”.

..
ما الذي لم يحكه لنا “خالد” عن حياته؟ أين هو “سليمان”و “اسامة” و”صلاح”و “مازن” وباقي الأسماء التي لم نعرفها عن هذه المؤسسة وغير من المؤسسات، وكل الشوارع التي تشهد على آلاف القصص التي قد تستهوينا او لا تستهوينا، تستميل عطفنا او تشغل غضبنا بينما كل أحاساسينا لا ترقى لفهم ما تعنيه قصص كل هؤلاء الأطفال او من كانوا أطفالاَ، والآن هم والمجتمع وجهاً لوجه بالايام القادمة.