(في الذكرى الخمسين لوقوع نكسة يونيو 1967 بالحرب التي شنها الكيان الصهيوني على الدول العربية والتي انتهت بالعبور والانتصار فى اكتوبر 1973.. أستاذ التاريخ الحديث ومدير وحدة البحوث الوثائقية لدى دار الوثائق القومية سابقا يكتب عن حق الشعب المصري وفق القانون فى الإطلاع على كامل وثائق تلك الحرب.. حق الامتلاك)

“لا تاريخ بدون وثائق” مقولة ربما يرددها كثيراً من يتصدى للكتابة فى التاريخ، فالوثائق بمثابة تراث يشكل جزء من عقل أى أمة، فهى التى تحفظ تاريخها عبر العصور، لكننا لازلنا نرى الوثائق (وأنا هنا أقصد الوثائق التى أنتجتها الدولة) بعين “المقدس”، أى أن الوثيقة هى حجة لا يمكن الشك في مصداقيتها، ولما لا فالوثيقة العامة أنتجتها “سلطة”، وسجلت فى أوراقها ودفاترها، ومن هنا يمكن اعتبارها “منتج سلطوى” يصيغ ويوجه حدثاً فى تاريخنا، ومن ثم حين نكتب التاريخ اعتمادا على هذه الوثائق وكفى دون محاولة تأويل وتفسير هذه الوثائق والظروف التى صاحبت انتاجها، فنحن فى الواقع نكتب “سرداً سلطوياً”، أو تاريخا من وجهة السلطة التى أنتجت هذه الوثائق.

فهذه الوثائق التى أنتجتها أجهزة الدولة عبر تاريخها، فهى من ناحية الشكل وثيقة رسمية قد تكون ممهورة بأختام الجهة التى أصدرتها وموقعة من الأشخاص الذين مثلوا الدولة فى صياغة مضمون هذه الوثيقة، لكن مع هذا تظل الوثيقة من الناحية القانونية وثيقة رسمية، لكن هل يمكن أن يكون محتوى الوثيقة قابل للشك رغم الأختام والتوقيعات الرسمية؟. سؤال ربما أعاود تكراره كثيرا .. لكن من خلال خبرتي المتواضعة مع الوثائق أرى أنه يمكن وضع محتوى الوثائق تحت دائرة الشك أحيانا، فالمحتوى يخضع لعوامل كثيرة منها ثقافة الأشخاص الذين ساهموا فى انتاج هذه الوثيقة، ومدى فهمهم لموضوع الوثيقة نفسه، فإخراج محتوى هذه الوثائق اعتمد فى الأساس على هؤلاء الأشخاص .. فعلى سبيل المثال لا الحصر اطلعت على أحد الوثائق التى ترجع إلى زمن الثورة العرابية والاحتلال البريطانى لمصر عام 1882، محتوي الوثيقة كان سؤالاً من نظارة الداخلية إلى محافظ العريش يسألونه عن وجود جبل يسمى “هلال” بالقرب من العريش، وذلك فى إطار البحث عن قتلة رجل إنجليزي فى سيناء يدعى “البرفيسور بالمر”، وهروب الجناة إلى جبل الحلال، وكان رد المحافظ أنه: لا يوجد جبل بالقرب من العريش يسمى “هلال”، فمن الواضح هنا عدم فهم الموظف الذى صاغ الوثيقة أن كلمة “هلال” هى نطق جبل “حلال” باللغة الإنجليزية، فأرسلها بالشكل الذى نطقه ضابط التحقيق البريطانى، وكان الرد أيضا بنفس مستوى كاتب الخطاب، أنه لايوجد جبل يسمى “هلال”.

هذا المثال ربما يجعلنا نعيد صياغة مفهومنا عن قداسة الوثيقة، لكنه مع هذا لا ينفى أهمية الوثائق لدراسة حقبة زمنية معينة، وهنا يأتي دور المؤرخ لضرورة اخضاع الوثائق التى تحت يده لمنهج البحث التاريخى، وآليات النقد للتثبت من صحة محتوى الوثائق من خلال مصادر أخرى غير الوثائق.

على أية حال، ونحن بصدد الكتابة عن أهمية الوثائق للتأريخ، نتطرق إلى موضوعنا الأكثر إلحاحاً فى هذه الأيام ونحن نعيش ذكرى يونيو 1967 .. وهو موضوع سياسة الإفراج عن الوثائق فى مصر، فمن المتعارف عليه فى إخراج الوثائق ذات المعلومات المهمة والمطلوب عدم اطلاع أحد عليها، مثل الوثائق العسكرية والسياسية وغيرها، أن تحدد درجة سرية الوثيقة وفق أهميتها بتعريفات محددة، وتعلن للجميع، وتكتب درجة سريتها بخط واضح بمكان ظاهر عليها، ويحسن أن يكون بحروف مخالفة أو بحبر يخالف الموجود بالوثيقة، وتحدد السرية وفق ثلاث درجات هى: سرى، وسرى جداً، وسرى للغاية. وتظل الوثائق فى الجهة التى أنتجتها حتى تصبح الحاجة إلى المعلومات الواردة بها ضئيلة، هنا تنقل إلى أرشيف الدولة الرسمى، ويحدد قانون الوثائق مدد السماح بالاطلاع على هذه الوثائق، وقد تعارف على أن الوثائق الممهورة بعبارة سرى قد تصل مدة الإفراج عنها فى الأرشيفات العالمية ما بين 15 و 20 سنة، بينما الوثائق الممهورة بعبارة سرى جدا تصل مدة الإفراج عنها إلى 30 سنة، وسرى للغاية إلى 50 سنة، وقد تطول أو تقصر مدد الإفراج حسب موضوع الوثيقة.

وفى بريطانيا على سبيل المثال هناك خطط واضحة للأرشيف البريطاني، فهو يضم وثائق سنة معينة ويفرج فى المقابل عن وثائق السنة التى جاء دور الإفراج عنها، فمثلا يضم وثائق سنة 2010، ويفرج عن وثائق سنة 1980، وهكذا هناك قانون يوضح مدد الضم والإفراج، وكان القانون المصري يشبه نظيره البريطانى فى خطة الضم الإفراج عن الوثائق، لكن مع سيطرة السلطة السياسية فى مصر على الوثائق أصبح الأفراج عن الوثائق مسألة اجتهادية تخضع لتحكم الجهات المنتجة للوثائق، خاصة ما يسمى منها بالجهات السيادية (وثائق وزارة الدفاع – الخارجية – الداخلية) فهذه الجهات لم تعد تضم وثائقها إلى أرشيف الدولة، وإنما لها أرشيفها الخاص الذى لايسمح بالاطلاع عليه إلا للثقاة، دون خطط واضحة المعالم للإفراج عن الوثائق.

إن الإفراج عن الوثائق هو جزء من إتاحة المعرفة، وهو حق نصت عليه قوانين الوثائق، التى تنص على أن الوثائق ملك للشعب، وليست ملك للسلطة، فالسلطة مخولة فقط بإدارة الأرشيف والحفاظ على هذه الثروة القومية الحافظة لتراث الشعب,

ومن هنا تبرز مشكلة وثائق حروب مصر، خاصة حرب يونيو 1967 وحرب أكتوبر 1973، فبعض الأشخاص مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل كان يمتلك أرشيفا خاصا به من أوراق الدولة الرسمية ؟ .. بينما مؤسسات الدولة ليست لديها الإرادة للإفراج عن وثائق تلك الفترة ظنا منها أنه يعد إفشاءا لأسرار الدولة ؟ .. أو ظنا منها أنه قد يستخدمها من يوجهها لصالح الكتابة بشكل لا يرضى صناع القرار السياسي أو يسيء إلى شخصيات عامة، على العموم المبررات كثيرة فى عدم الإفراج عن تلك الوثائق. والنتيجة أن مصر لم تفرج عن وثائق 1967 حتى الآن بينما الأرشيف الإسرائيلي قد أتاح العديد من الوثائق المتعلقة بهذه الحرب، وكذلك الأرشيف البريطانى والأمريكي، وغابت وجهة النظر المصرية فى هذه الحرب، وبالتالى على الباحث الذى يود الكتابة عن تلك الحرب أن يتوجه إلى تلك الأرشيفات التى أتاحت وثائقها، ومن ثم سيصبح هناك غياب كامل لوجهة النظر المصرية؟. وليس هناك من مخرج لهذه الأزمة التى نعيشها إلا بوضع خطط واضحة للإفراج وقانون واضح للوثائق، يوضح استراتيجات الإراج عن تلك الوثائق وعدم احتكار المؤسسات للمعرفة أو حجبها.