“وُلد في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء. كَتَفتُه بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تَكتيفُ الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مُطَبِع”.

هكذا تحدث صاحب الليلة عن مَولُوده الذي علي الورق..ابنه البِكر الوحيد و قُرة العين الذي ما بَرِح يحدثنا مُولياً ظهره لنا منذ الميلاد. هكذا تحدث الشاب الأشيب الذي لم يكن “ناجياً” و لا عاش “سليماً” لكنه دون شكٍ مات “علياً”. صَوَرَ صاحبنا كذلك في لوحاته شخصية العربي ممزق الثياب، النحيل الذي لا يجد ثمن إطعام أولاده و الذي أطلق عليه عبر ريشته أسماء متعددة حسب الأحوال في دلالات لا تخفي علي كل مدرك لحالنا البائس، فتاره مرة “محمد” و مرة “عباس” و مرة “أبو حسين” أو “أبو جاسم” أو “أبو إلياس” أو “مروان”.

22 يوليو 1987، شارع “آيفز” في عاصمة الضباب و ألغاز القتل العربي الغامضة التي كانت و ستظل كذلك..تكثفت الكراهات التاريخية فانصهرت في رصاصة واحدة أصابت الرأس المُبدع لتؤتي أُكُلها بعد ثمانية و ثلاثون يوماً كاملة من عذابات الحيرة عَمَن فَعَلها. هل كان صاحب الرصاصة هو العدو ذو الخوذة أم أنه الشقيق ذو الكوفية أم أنه الصديق صاحب المؤخرة العارية أم كان كل هؤلاء جميعاً. صَوَرَ صاحبنا ذات مرة “أبو إلياس” جالساً علي طاولته الصغيرة رقيقة الحال -التي تشبه “الطَبلية” الفلاحي- يكتب شيئاً إذ وقف إلي جواره “حنظلة” قائلاً له”: “عجبني كتير مقالك عن الديمقراطية….شو عم تكتُب”، فجاء رد “أبو إلياس”: “عم إكتُب وصيتي”…..ثم كان ما كان و ذهب “ناجي العلي” بلا وصية.