لم أكن حينها أدرك بدرجةٍ مستحقة من ألم عمق الجرح بعض معانٍ عاشها -فتجرع علقمها- جيل الآباء والأجداد من نوع “الاحتلال” و”الاستشهاد”. لم تكن تلك الفترة عندي -وأنا ابن الحادية عشر سوى ظلام يأتي مبكرًا- ولون أزرق على زجاج شبابيك البيوت، وحوائط من الطوب الأحمر أمام مداخلها، وكَمد على وجوه الكبار، عَكَس بصدق مشاعر، ثبت لي بمرور الزمن، كم كانت نبيلة وصادقة.

شئ ما في هذه الأيام،غامض، لكنه واضح الحزن. كانت أمي، رحمها الله، تدير مؤشر الراديو دائمًا على موجة “صوت العرب”، حيث “عدى النهار”.

سحابة سوداء لم تفارق بيتنا منذ غادر أبي دنيانا، قبل ذلك التاريخ بسنتين، في امتداد لسحابة أشد قتامة غمرت سماء محيطي الأوسع بالحَي والمدرسة الإبتدائية في ميدان الجيزة في سبتمبر 1971.

لم تبارح ذاكرتي أحداث ليلة عَصية علي النسيان سبقت هذا التاريخ بسنوات.. مريضًا كنت راقدًا في فراشي.. دوت أصوات صفارة الإنذار، فأطفأ أبي، رحمه الله، أنوار المنزل وحملني لنهبط الدرج، حيث مدخل البناية البسيطة التي كنا نسكنها، والتي كانت مكونة من ثلاث طوابق فقط تتيح باحتُها لمن يعبر عتباتها الأولى رؤية قرص السماء، تلي الطابق الأخير، حيث لا مصاعد كهربية تشغل قلب البيت فتزيد من انفصال ساكنيه عما حولهم. كان السواد محيطًا، إلا من بضع نجوم طالعتها، وقد تناثرت هناك في أعلى صحن البيت.

استمر المشهد القاتم لسنوات امتزج فيها حزنٌ خاص بحزنٍ عام، يصعب -على من هو في مثل عمري بهذا الوقت- فك أبجدياته وتحليله، حيث لا لهو ولا بهجة بمعايير الطفولة البسيطة.

كانت “االله أكبر فوق كيد المعتدي” محفورة في جهاز قيم جيلي، ونحن لا ندرك -علميًا- مدلولات لها، سوى كراهية من اعتدى علينا، فكانت، هي و”بلادي بلادي”، كل ما حرصت أمي على أن نعرفه من هذا الشئ المُسمي “موسيقي”، بخلاف بعض من الموسيقي الكلاسيكية التي كان أبي يقتني أسطواناتها الضخمة، والتي كانت هي الأخرى تعكس حزنًا من نوعٍ ما.

أكتوبر 1973، كانت أمي ترسلني لشراء الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية.. أتذكر يومًا، بالأسبوع الثاني من هذا الشهر، صحوت فيه مبكرًا جدًا لشراء مجلة المصور، التي انتظرت طويلًا عند “نَصبة” عم فاروق، بائع الصحف إلى أن أتى بها فأوقفنا طابورًا طويلًا، ليحصل كل منها على نسخته بنظام.. حصلت على نسختي أخيرًا.. لم أنتظر حتى أعود بها لأمي منتصرًا باقتناءها.. تصفحتها سريعًا.. صور باهرات وعناوين أشد إبهارًا، لم أعتد مطالعتها وسط حزن السنين الكثيف، وفجأة أتاني صوتها كصباحٍ عزيز يتراقص على نغمٍ جديد.. كانت أولى خبراتي مع بكاء لم أجد له سببًا منطقيًا حيث كان البكاء حينها مرتبطاً لدي بالألم..ألم الوجع، فإذا ببكاء من نوع لم أختبزه من قبل يغزو عينيّ بلا تفسير حين شَدَت بمنتهى عبقريةُ العفوية: “وإيه أكون جنب عشاقك. مين دي؟ دي “وردة” يا حبيبي.

وكانت تلك هي البداية، بداية حكايتي مع الأرض التي دفعتني بعد ثلاث وأربعين عامًا كاملة للوقوف على أعلى قمة بسلم نقابة الحريات يوم الجمعة 15 أبريل 2016 مع أنبل من أنجبت هذه الأرض الطيبة هاتفًا إلى جوار فارس السيف والدبلوماسية والقلم، صديقي الأعز وأخي الكبير، سنًا ومقامًا، جناب السفير “معصوم مرزوق”: “عيش.. حرية.. الجزر دي مصرية”.

(على الهامش وفي القلب، كان السفير “معصوم” واحداً ممن أبكتني بطولاتهم فرحًا لأول مرة في أكتوبر 1973 على خلفية “وإيه أكون جنب عُشاقك”، ليتكرر نفس المشهد بعد كل هذه السنين، حين انتصرنا في أولى درجات التقاضي أمام إحدى قاعات مجلس الدولة، إذ التقيته بعد الجلسة فصرخت “انتصرنا”، ثم احتضنته ورُحنا سويًا في نوبة بكاء حار).

وأنا على الربابة بغني
عَدي وغَني
وإيه أكون جنب عُشاقِك
وأنتِ اللي ما بتنسيش شهيد
هدر بدمُه ع التراب الحُر
#تيران_وصنافير_مصرية