تحقيق أعده: منى سليم ومجدي طارق

شهرً من القتل، تراه الدولة ـ ممثلة فى بيانات وزارة الداخلية ـ انجاز في نطاق مواجهة الارهاب، ولا تمر أقل من الساعة على إطلاق البيان الواحد إلا وحقائق مغايرة به تتفلت الواحدة تلو الأخرى، فتظهر دلائل وشهود تؤكد أن عدد من هؤلاء الشباب كانوا فى حوزة الأمن بتاريخ سابق على الواقعة المذكورة

أضف إلى هذا، أسئلة منطقية تتوارد سريعاً إلى ذهنك وانت تتابع المتاح من صور القتلى ممن ينتمون جميعاً لجيل شديد الصغر من سن 17 ـ 25 عام، فهل لا يوجد بتلك الأوكار الا الشباب الصغير الذى من المفترض أنه خاضع للتدريب على يد أشخاص ما؟ ولماذا هذه الوتيرة الثابتة لكل تلك العمليات التي تبدأ بالمداهمة إطلاق النار عقب مبادرة الطرف الآخر به ورغم هذا تنتهي العمليات بقتل جميع من بالوكر دون النجاح بالقبض على أى منهم للتحقيق معه وكشف ملابسات هذا التنظيم ومعرفة كيف ولماذا يتحول شباب صغير الى العنف، وكذلك دون إصابة ولو فرد واحد من قوات الأمن، فهل السلاح يتجه باتجاه واحد؟

تزايدت الوتيرة بشكل لافت طوال شهر يوليو فقد أعلنت وزارة الداخلية في 10 يوليو أنها نحجت فى توجيه 16 عملية ضد أوكار إرهابية منذ يناير 2017 نتج عنها تصفية 56 عنصرا ارهابيا، هذا بينما مركز النديم الحقوقي فرصد فى تقريره الشهري “أرشيف القهر” عدد حالات التصفية التي تم الاعلان على يد الشرطة عنها بـ 196 حالة منهم 46 حالة خلال هذا الشهر وحده فى حملات أمنية، وهو ما يعني أن نتائج هذا الشهر وحده تعادل 6 شهور كاملة سبقته.

في ظل تكرار المشاهد وتزايدها، التقطت “مدد” إحداها وخاضت تجربة البحث عن ما يختبىء خلفها، انطلقنا خلف رحلة انطلقت من المنصورة وانتهت فى الاسماعيلية، رحلة كشفت عن قصة مجموعة أصدقاء “شلة” يشبهون الآلاف غيرهم ولكن شاءت الحظوظ أن ترسي الأوضاع العامة بالبلد قواعدها كاملة على أقدارهم، فأصبح أحدهم قتيلاً والآخر مختفياً والبقية لا يعيشون إلا القلق وينتظرون.

المنصورة .. من هنا كانت البداية

البداية كانت من بيان الداخلية الصادر صباح 8 يوليو وأعلنت فيه عن تصفية 14 إرهابي كانوا مختبئين فى منطقة الكيلو 11 النائية على أطراف الإسماعيلية حيث اتخذوا داخلها وكراً بعد عودتهم فارين من سيناء عقب مشاركتهم في الهجوم على الكتيبة 103 صاعقة جنوب رفح وقتل 26 من أفرادها ضباط وجنود.

من أصل 14 قال البيان أن القوات تعرفت على هوية 5 منهم مطلوبين على ذمة فى القضية رقم 79/2017 حصر أمن دولة عليا “(هي القضية المعروفة اعلامياً بـ “داعش 4” وتم مباشرتها أمام القضاء بداية العام وتوجيه اتهامات بالانضمام لداعش لـ 11 متهماً  قالت التحقيقات أنهم كانوا يتلقون التدريبات مع آخرين داخل معسكر فى سيناء )

وجاءت بيانات الإسم الثالث كما يلي:”خالد محمد أيمن حسين، مواليد 95، 28 شارع الينابيع، حارس عقار ـ المنصورة”.

سافرنا إلى هناك، لا نملك إلا هذا الإسم، أمام البناية المذكورة وجدنا سيدة في العقد الخامس من عمرها، تجلس بمحازاة البوابة، تداعب حفيد لها، عدنا إلى الخلف للتأكد من رقم البناية مرة أخرى فاقتربت هى منها، وكانت الإجابة: “اسمي أم وليد ..حارس هذا العقار منذ أكثر من 23 عاماً لدي أربع فتيات ولا يوجد من السكان من يحمل الإسم المذكور، و لم يأت أحداً إلى هنا من قبل ليسأل عنه”

إذاً، فمن هو خالد؟ .. بحث سريع عبر الهاتف فى قوائم الاختفاء القسري كشفت عن هويته، “خالد القرناوي” هو خريج حديث من المعهد العالي للتكنولوجيا، عضو مجموعة ألتراس أهلاوي المنصورة، مختفي من يوم 11 بشهر مايو الماضي.

توصلنا إلى الحساب الشخصي لوالده وإلى عنوانه لكن لم نجد أحد هناك، فالجميع وبعد خمسة أيام من الحادث قد توجهوا إلى مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية (مسقط رأسهم) لدفن جثة الشاب وتلقي العزاء.

على صفحته كأي أب مكلوم فى واقعة تحمل كل هذا البؤس ـ سواء صحت رواية قوات الأمن عن انتماءات ابنه أو خطأت ـ كانت الدعاوى والاحتساب هى العنوان الرئيسي لكنه ليس الوحيد، فقد اهتم الرجل بذكر تفاصيل عن سيناريو اختفاء ابنه وكذلك بعض من مشاهداته على جثته عند الاستلام.

حسب رواية الأب، فخالد كان فى طريقه إلى الإسماعيلية وتم توقيفه بإحدى الكمائن واتصل بصديق له أخبره بذلك، بعد ساعات أصبح هاتف خالد مغلقاً، وأنه قام بتحرير محضر على ذلك ولم يصل لشىء.

على مقهى صغير شهير بالمنصورة، انتظرنا وصول عدد من فريق التراس أهلاوي ممن رحبوا بنا ترحبياً محفوفاً بالخوف من لقائنا، حضر إثنان بنفس المرحلة العمرية التي نتحدث عنها (مواليد 92 ـ 95) و لهما نفس مظهر الغالبية من شباب الألتراس بملابسهم الكاجوال البسيطة والقصات اللافتة بالشعر، والصوت الذي يحاولون قدر الإمكان أن يجعلوه أجش.

قال “الأول” بداية ً لا نريد تصوير أو تسجيل أو ذكر لأسمائنا، فقدنا أثنين من أصدقائنا ولا نعرف من عليه الدور ولماذا”، وكانت تلك أولى المفاجآت..

ـ من هو الثان؟ هل تعرفون شخص آخر ضمن الـ 14؟

ـ لا، لكن كابو المجموعة “احمد طه ـ بينو” اختفى في 21 يونية الماضي،  بعد شهر من اختفاء “خالد”،  وهو آخر من تواصل معه أثناء القبض عليه، ربما كان تحت المراقبة طوال تلك الفترة الى ان تم القبض عليه من داخل المنصورة، و لدينا الشواهد التي تؤكد أنه تم اعتقاله من قبل أجهزة الأمن داخل المدينة رغم انكارهم لذلك .

عقب لقاء لم يدم أكثر من ساعة كان لدينا تصور ما عن تلك “الشلة” التي تشبه عشرات الآلاف غيرها من مجموعات الاصدقاء، “7” جمعتهم المدارس الثانوية وحب الكرة وفريق الأهلي، أنضموا الى رابطة الألتراس في 2010 وواظبوا على السفر سويا إلى القاهرة لحضور المباريات ومنها إلى الميدان والثورة، شاركوا فى جمعة الغضب فى المنصورة وفى موقعة الجمل بالقاهرة، عادوا سوياً إلى بلدتهم بالحماس الذي كان معروفاً، شاركوا فى مبادرات وتحركات عدة، عادوا الى القاهرة مع أحداث محمد محمود ثم رجعوا مرة أخرى الى المنصورة للانخراط فى حملات الرئاسة وانضموا جميعاُ لحملة حمدين صباحي في 2012.

هذه الصورة التقليدية لـ”الشلة” بدأت فى التفكك خطوة بخطوة، اجتمعوا على رفض حكم الإخوان المسلمين وشاركوا فى مناوشات أمام مقرهم بالمنصورة بعد الإعلان الدستوري، اختلفوا على الدعوة للتظاهر فى 30 يونيو وبشكل أوسع على تفسير بيان 3 يوليو ثم عادوا ليجتمعوا مرة أخرى ـ ولو فى صمت ـ على رفض الدم الذي شهده
فض اعتصام رابعة العدوية ووصف ما حدث بالمجزرة .

تضافرت تلك اللحظة التي غلفها الصمت العام مع بدء انشغالهم بالبحث عن فرص للعمل بعد التخرج.

قال ضيفنا الثاني: “لا نعرف شيئاً عن سفر “خالد” إلى الإسماعيلية،  أما عن أفكاره فجميعنا غاضبون من الأوضاع العامة ورافضون لها ولكن أن يكون هذا سبب لتبنيه أفكار متشددة أو تواصله عبر الانترنت مع جماعات عنف، فليست لدينا معلومة و لا نرجحه،  ما نعرفه انه كان شخص هادىء جدا، لا يسب ولا يغضب،  متدين بحكم تربيته، يحب الكرة وأصحابه، أطلق لحيته منذ 2011 تأسياً بوالده المتلتزم دينياً فالأسرة جميعها عاشت سنوات طويلة بالسعودية، ونحن متأكدون أن “خالد”تم القبض عليه وهو فى طريقه إلى الاسماعيلية  لكننا كما قلنا لا نعرف لماذا ذهب من الأصل”

“هذا عن الصديق الهادىء فماذا عن “كابو” المجموعةط؟، قال الشاب الأصغر سناً الذي بدأ حديثه بالتأكيد على مدى حبه لـ “بينو” أو أحمد طه الذي كان يعتبره أخاً كبيراً له: “لم يكن هناك شلة بالمعنى الدقيق إلا بسبب وجود “بينو”، كان صديق مشترك بين كل الافراد ويجمعهم كثيرا على المقهى، بحضوره هو فقط يجتمعون”.

عاد الصديق الاول للتحدث: “حكى لنا “أحمد” أنه تلقى اتصال من هاتف خالد وسمع على الطرف الثاني صوت لاسلكي وضابط يقول لخالد “خليه يجيي لك”، ويرد خالد: “مش هاينفع يا باشا ده من المنصورة” .. شتائم ثم انغلق الخط.

لم يفهم “بينو” ما يدور ولكنه رجح انهم غالبا اتصلوا به لأنه كان آخر رقم قام “خالد ” بالاتصال عليه صباح ذلك اليوم، شعر بالخوف وأن هذه الواقعة قد تتسبب فى القبض عليه فسافر إلى مركز “المطرية” التابع لمحافظة الدقهلية لدى أقارب له، عاد بعدها مع اقتراب شهر رمضان واعتكف آخر عشر ايام بمسجد “الصديق” بالمنصورة، وحسب شهادة بعض المعتكفين فقد خرج صباح يوم  21 يونية لشراء بعض الاحتياجات و لم يعد مرة أخرى.

استشعرت أسرته غيابه بسبب عدم رده على الهاتف، ذهبوا الى المسجد وسمعوا خبر اختفاءه، واظبوا على الاتصال على الهاتف منذ يوم الأربعاء وحتى مساء الجمعة، توقف صوت الجرس وأصبح الهاتف مغلقاً، بعد يومين تم فتحه مرة أخرى لمدة ساعتين، اتصل الكثير من الأصدقاء، لم يتلقوا رد إلا صديق وحيد قال أنه سمع أصوات متداخلة و ميًز صوت بينو يقول”والله مااعرفش حد يا باشا”، تكرر فتح الهاتف أكثر من مرة لمدة 3 ايام ثم عاد لحالة الإغلاق مرة أخرى.

عبر خاصية تتبع الهواتف المحمولة رجحت أسرته ومحاميه أنه كان محتجزً بمبنى الأمن الوطني داخل المنصورة لحظة فتح الهاتف لكن لا يعرفون شيئاً عن ما تم بعدها.

“لماذا يعتكف أحمد؟ هل هو سلوك معتاد منه؟ “، سؤال رئيسيى رأينا أنه يستوقف التوقف أمامه قدر واقعة الاختفاء نفسها، واختلف معنا الشباب على المقهى فى ذلك.

أجاب الأول : “أحمد اتجه بالفترة الأخيرة للبحث عن عمل بجدية شديدة وبدأ فى الانتظام بالصلاة والحفاظ عليها، كان يقول أنه شعر كم كان مقصراً بسبب تجاهله ـ كأغلبنا ـ لفرض الصلاة، لكن لم يكن هناك أى مظاهر تشدد فى تصرفاته أو أفكاره، ظل كما هو”

أكمل الشاب الذي يعتبر نفسه الشقيق الأصغر لـ “بينو”: “كانت صداقات بينو واسعة مع الشباب من كل التيارات السياسية وغيرهم من الشباب العادي وكان شخص بارز بالمنصورة حتى رجال الأمن يعرفونه جيدا، ومنذ عام ابتعد تدريجيا عن العمل السياسي وأعاد ترتيب أولوياته فخطب إحدى الفتيات وكان يجهز أوراقه للتقديم في النيابة الإدارية بعدما أعلنت عن فرص عمل إلى أن تم القبض عليه فى مظاهرات تيران وصنافير في إبريل 2016 وخرج بعد شهر ليعاود البحث عن عمل مرة أخرى.

يرى أن خبر القبض على “بينو” لم يكن مفاجئا له بصفته ناشط سياسي لا بصفته عنصر متشدد له علاقة بجماعات تكفيرية، قال لنا: “شخص بمثل شهرته وتأثيره ليس غبياً ليورط نفسه في امر كهذا”.

حاولنا التواصل مع أسرة “بينو” لكنهم فضلوا الابتعاد عن الإعلام.

بعد يومين، عدنا من جديد للتواصل مع والد “خالد” الذي احتسب ابنه شهيداً، قال: “كنت أشم رائحة موته من يوم القبض عليه وسعيت كثيراً للتوصل لمكان احتجازه و لم أصل لشىء.

أضاف: “إبني ليس إرهابياً ولا يمكنني أن أصدق انه كان مسافراً للانضمام لجماعات مسلحة، نعم نحن متدينون ولكن هذا لا يعني أننا إرهابيون ثم وإن صحت تلك الرواية فكل ما كنا نطمح فيه هو معاملة صحيحة وفق الدستور والقانون بدايةً من إعلامناً بمكان احتجازه إلى إخضاعه لمحاكمة عادلة، لا أن استلمه جثة يخترقها الرصاص ملفوفة فى كيس أسود”

عن سبب سفر “خالد”، قال: “أسرتنا وأهلنا من مركز فاقوس الشرقية، قريب لنا كان فى زيارتنا وتواعد خالد معه أن يمر عليه ثم يذهباً سوياً إلى الإسماعيلية لشراء ملابس من مدينة القنطرة غرب، هذا ما أعرفه” .

وعن ملابسات استلام جثمان ولده، قال: “لم أتلق أى اتصال رسمي ولكن بعض المحامين الحقوقين اتصلوا بي وأخبروني أن جثة إبني فى مستشفى الحميات بالإسماعيلية منذ أربعة أيام، ذهبت الى هناك، كانوا 8 جثث جميعها ملطخة بالدماء والرصاص يخترق رأسها وعينها، تعرفت على وجه خالد إبني رغم التغيرات التي سببها الموت ولم تكن هناك إصابات فى وجهه ولا تجلط للدم على جسده وكأنه لم ينزف،ـ فقط ثلاثة رصاصات أسفل إبطه وفي خصره وفخذه الأيمن.

لدى والده شكوك أنه تلقى الرصاصات بعد موته ولهذا لم يتجلط الدم فوق الجسد، حصل على تصريح بالدفن وشهادة وفاة من مكتب الصحة مذكوراً بها أن السبب هو “إصابة نارية”، يشيد بالتعامل الانساني لضباط قسم شرطة ضواحي الإسماعيلية معه لكنه يتهم آخرون لا يعرفهم بقتل ابنه وهو محتجزاً لديهم ولا يعرف كيف يمكنه ملاحقتهم قانونياً.

الاسماعيلية .. بها كانت النهاية

المسافة من الاسماعيلية للمنصورة عبر الطريق الصحراوي السريع 95 كم (السنبلاوين ـ الزقازيق ـ التل الكبير ـ الطريق الصحراوي الجديد للاسماعيلية ) يستغرق حوالي ساعة ونصف أما عبر الطريق القديم الذي يمر بكل من فارسكور دمياط وبورسعيد فهو الضعف تقريبا 195 كم

اتخذنا الطريق الأول، وهو غالباً نفس الطريق الذي اتخذه “خالد”، جاءت محطتنا الأولى بالمدينة من مستشفى “الحميات”، وكانت الملاحظة الأولى اللافتة للنظر هى موقعها، فهي أقصى غرب المدينة (طريق السويس) بينما المواقع المذكور بها التصفية وفق بيانات الداخلية فهى بأقصى الشرق (طريق بورسعيد) فى الكيلو 11 و الجلبانة .

“يتعلق الأمر غالباً بالأماكن الشاغرة بالثلاجات”، هكذا رجح العامل القديم بالمستشفى، أحد أهم شهود الواقعة، فقال: “لا يوجد بالاسماعيلية أماكن لاستقبال الطوارىء بالحوادث إلا المستشفى العام والجامعي وهذه أول مرة نستقبل جثث فى حادثة، ولهذا عاش كل من فى المستشفى فى صدمة لأيام طويلة” .

حكي لنا: “وصلت الى المستشفى باكراً بهذا اليوم 8 يوليو، وفوجئت بالجثث داخل أكياس بلاستيكية فى الحوش الداخلي أمام غرفة الموتى “الثلاجة”، ذهبت إلى الإدارة وعلمت بالأمر، قمنا بوضعها داخل الغرفة وانتظرنا أيام حتى بدأ الأهالي فى التوافد علينا، لم يتعرف على ذويهم إلا ثلاثة أسر، و لا أنسى أن أسرة مكونة من أم وزوجة تشاجرتا لاختلافهما فى التعرف على الجثة، ليس هذا فقط بل هناك من الأهالي من جاء والقى نظرة وبكى ثم ورحل دون أن نفهم ان كانوا تعرفوا على ذويهم وقرروا تركهم أم هم غير متأكدين من كون إبنهم بين المتوفيين، فالملامح جميعا كانت مطموسة والرصاص يخترقها من كل جانب وخاصة بالرأس، مشاهد صعبة لا يتمنى أحد أن يراها، فكلنا بشر، لا أعرف ماذا فعلوا ولا من هم لكنها لحظات صعبة لن أنساها”.

بعد إسبوع كامل أصدر الأمن العام قرار بدفن الجثث بعد أن انتشرت الرائحة الصعبة بأرجاء المستشفى، أحكم الرجل العجوز ومساعديه إغلاق الأكياس وحملوها فى عربة الإسعاف التي اتجهت الى مقابر الصدقة فى منطقة “ابو عطوة” حيث تم دفنهم ليلاً.

سألناه عن إجراءات التوثيق، قال: “موظفون من مكتب الصحة والطب الشرعي حضروا باليوم الأول والتقطوا صور وحصلوا على عينات دم ورحلوا”.

في مقهى قريب إلتقينا ببعض أعضاء الفريق الحقوقي الذي ساعد الأهالي على إنهاء إجراءات استلام الجثث والدفن، فى شهادتها قالت المحامية بالمفوضية المصرية لحقوق الانسان “أماني محمد”: “نحن مهتمون بشكل خاص بملف الاختفاء القسري، وبعد صدور بيان الداخلية الأول في 8 يوليو عن مقتل 14 فى الاسماعيلية سعينا لمعرفة مكان الجثث ومقارنة الأسماء المعلنة بالكشوف التي بحوزتنا، فتوقفنا بداية مع حالة “خالد” الذي وثقنا اختفاءه بالمدينة قبل شهور.

أكملت: تواصلنا مع والده ليحضر، وهو نفس السيناريو الذي تكرر بعد أيام مع أسرتي شابين قتلوا ضمن عملية تصفية أخرى فى منطقة “الجلبانة “التابعة لمدينة القنطرة شرق بالإسماعيلية، الأمور بالطبع لم تخلو من الحظوظ الشخصية، فرغم مرور أربعة ايام بين تاريخ الوفاة واستلام الجثة فإن أسرة “خالد” لم تواجه عراقيل شديدة كتلك التي لاقتها أسرتي “سهيل” و”زكريا” بداية من الإطلاع على الجثة إلى استخراج شهادة الوفاة ثم إجبارهم على الدفن فى سرية كاملة.

الخيط الذي يربط القصص معاً، لا تملك “اماني” أو غيرها من الحقوقيين حدود واضحة لأطرافه لكنها أشارت الى ملحوظات رئيسية، الأولى هي وجود شكوك قوية حول تحول محافظة الاسماعيلية الى محطة رئيسية لاستقطاب شباب للعنف فالمناطق المعلن عنها بالفعل هى أماكن نائية معروفة بانتشار الجماعات الخارجة عن القانون بها سواء بالإتجار بالمخدرات والسلاح أو الإرهاب، واشارت الى التطابق الشديد بين رواية “خالد لوالده كما نقلناها لها وبين ما ذكرته والدة “سهيل”، نفس الحديث عن التوجه لمدينة الفنطرة غرب لشراء الملابس الرخيصة نسبياً، وتعجبت أن  يقطع الشباب من دمياط والمنصورة كل تلك المسافة من اجل شراء ملابس من الاسماعيلية .

الثانية هى تحول المحافظة إلى معقل للملاحقة الأمنية والتعذيب والاخفاء القسري، فأشارت أننا لم نعلم شيئاً عن توجه الشباب الى الإسماعيلية إلا بسبب احتجاز الأمن لهم ثم تصفيتهم، وملف سجن “العازولي” المعروف الآن دولياً ليس الوحيد، و بالحالتين الاستقطاب او الاخفاء القسري ليست لدينا معلومات كافية عن ما يدور مع هؤلاء الشباب.

تنهي شهادتها قائلة: “من المفجع أن أكون حقوقية أعمل على تجميع المعلومات عن إختفاء قسري لأشخاص مثل “خالد” لدي ما يؤكد أنه محتجز لدى الأمن ثم افاجىء بأسمه فى بيانات موت، أنظر الآن إلى باقي القائمة المسجل لدي اختفاءها داخل الاسماعيلية وانتظر خبر قتلهم فى بيان قادم”.

محطتنا الأخيرة بهذا التحقيق، كانت باتجاه المكان المعلن تصفية الشاب “خالد” بها، وهى منطقة الكيلو 11 شرق الإسماعيلية على طريق بورسعيد، لم نتمكن من دخولها نظراً للطبيعة النائية البدوية حيث لا يًرحب بالغرباء لكن كانت المعلومات السابقة المتوافرة ذات دلالة هامة.

نبدأ بالأخبار الرسمية التي تحدثت عن تمركز جماعات إرهابية بمنطقة مزارع “سامي سعد” في الكيلو 11 شمال الإسماعيلية، وفي نوفمبر 2013 أعلنت عن نجاح القوات في ضبط خلية “كتائب الفرقان” بها واعتراف عناصرها بارتكاب 16 عملية إرهابية في المحافظة ضد الجيش والشرطة، وهو ما دفع الزميل عبد الوهاب عليوة فى جريدة الوطن فى التحرك نحو تلك المنطقة في نفس الشهر للوقوف على حقيقة الحياة داخلها، أجرى اتفاق مع أحد البدو ودخل معه كصديق الى المنطقة، استمع لشهادته وسجل ملاحظاته عن ما رآه وكان أهمها هو حقيقة توغل قوات الامن داخل المنطقة كثيفة الأشجار قليلة السكان المترامية على الحدود بين محافظتي الشرقية والإسماعليلة.

وكان من أهم تلك الشهادات ما نقله على لسان “ألبدوي” فقال: «والله ولا شرطة ولا جيش يقدروا يعتبوا هنا، المنطقة زى ما انت شايف كده غابات وبرك صيد بط ، والشرطة التى تأتى فى حراسة المدرعات تكتفى بمطاردة العناصر الإرهابية من الخارج ولا تستطيع الدخول وراءهم» ( للإطلاع على التحقيق كاملاً أضغط هنا)

استطعنا التواصل عبر الهاتف مع مصادر بدوية من داخل المنطقة، لم ينف أى منهم وقوع ملاحقة أمنية لكنهم بنفس الوقت لم يأكدوها، لم يشاهدها أحد، ولم يسمع بها
أحد، وأجمعوا جميعها على معلومة محددة وهى أن مشاجرة بالسلاح قد نشبت بين عدد من أسر قبيلة “الحويطات” المستقرة منذ زمن بالمنطقة و قبيلة “السواركة” النازح بعض أسرها من العريش الى الاسماعيلية، و أن الأمن قد وصل الى مفارق “سامي سعد” بمدرعات لكنه لم يقم بالتوغل داخلها.

..

هكذا كانت الصورة التي تمكنا من جمعها سعياً على الطريق ما بين الإسماعيلية و المنصورة وراء ملفات الاختفاء والتعذيب و التشدد والعنف والتصفية، كل ما اصبح يؤرقنا ونعيش به من صيف لصيف، روايات لا زالت منقوصة، صور غير كاملة، أوجاع مفتوحة، تفاصيل جميعها تحتاج أن تُستتبع .