من هو الضابط «يسري العبد»؟ ومادوره في حماية جزيرة تيران عام 1967؟ ولماذا لم يتحدث حتى الآن؟

تفاصيل وقوع فصيلة المظلات المصرية المسئولة عن تأمين جزيرة «تيران» في الأسر يرويها قيادات وضباط وشهود عيان لـ«مدد»

الفريق عبد المنعم خليل قائد سلاح المظلات 76:

علمت من «القيادة المصرية» أنها أخطرت «االسعودية» بوجود الفصيلة على جزيرة «تيران» قبل وصول الإسرائيلين.. ولكنها «لم تنقلهم»

ضابط و32 جنديًا ذهبوا صباح 22 مايو 76 إلى «تيران» جوًا وعادوا 30 بعد 9 أشهر من الأسر

تصوير ومونتاج: محمد ممدوح ـ هشام عبد الحميد

لم يخطر ببال ضابط المظلات “محمد عبد الحفيظ” وهو يتجه الى مقر جريدة “الوفد” هذا الشارع الهادىء أنه يتقدم بخدمة وطنية ممدوة الأجل، تأتي ثمارها بعد ما يقارب العشرين عام.

طرق باب رئيس التحرير “جمال بدوي” وهو يمسك بيده عدد الجريدة لصباح هذا اليوم حيث كانت الحلقة الخامسة من سلسلة حوارات تم نشرها مع عدد من ضباط “يونيو” .

لم يكن يعرف وهو يطلب لقاء مع المحاور الإعلامي “عصام دراز” أنه يتحدث عن زميل سابق، فالأخير هو أيضًا ضابط حربي سلك طريق الإعلام بعد خروجه من السجن الحربي عام 1970 الذي دخله بعد الهزيمة.

في مقر الجريدة بغرفة صغيرة لا تضاهي حر أغسطس، جلس الرجلان فى مواجهة بعضهما البعض،

“كانت الهزيمة ثقيلة على الجميع”، هكذا بدأ “عبد الحفيظ” حديثه الذي نٌشر في جريدة الوفد بأغسطس 1998، حكى الكثير عن رحلته وهو ينزف محمولًا على حمار لمدة أربعة أيام بجبال جنوب اليمن، عن طلب جنود العدو استبدال عدد من جنودنا الأسرى بـ”بطيخ” يتم إرساله عبر القناة من ضفتها الغربية الى الشرقية، يذهب البطيخ طافيًا ويعود الجندي عائمًا، أو لا يعود.

صفحات طُويت بعد أن حُكيت ثم عادت من جديد، تحديدًا في 16 إبريل 2016 عبر تدوينة نشرها أستاذ التاريخ بجامعة هارفارد الأمريكية” “خالد فهمي” عبر حسابه على موقع الفيس بوك، وذلك تفاعلًا مع تظاهر الشباب تحت شعار “جمعة الأرض” رفضًا لتنازل الحكومة المصرية عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير وتسلميها للجانب السعودي.

اقتبس من الكتاب الصادر بعنوان “هكذا تحدث ضباط يونيو” مقتطف يحكي به المقاتل “محمد عبد الحفيظ” عن “فصيلة تيران الأسيرة”، تلك الفصيلة التي صدر قرار مساء يوم 6 يونيو لقوات المظلات المتمركزة بالكامل بقوة 10 آلاف جندي وضابط مقاتل فى مدينة شرم الشيخ بالانسحاب الفوري إلى السويس رغم عدم وجود طائرات هيلكوبتر كتلك التي أقلتهم بالبداية أو عدد من السيارات كافية.

عبر “سكايب”، فى حوار خاص لـ”مدد”، شرح لنا “فهمي” كيف اكتشف هذا الكتاب “الوثيقة” ـ الذي لم يعد له وجود بالمكتبات بعد طبع نسخة محدودة عن دار “المنار” عام 1989 ـ خلال تصفحه كتاب “حرب الأيام الستة” للعسكري والدبلوماسي الصهيوني “مايكل اورين”، وعاد إليه فهمي بعد أن أدرك أن تلك الدعوات الغاضبة التى انطلقت عقب الإعلان عن توقيع الاتفاقية ليست فقط من أجل الحدود المرسومة على الخريطة ولكنها من أجل الدم المحفور على الأرض

بتلك الصفحات، يحكي المقاتل “محمد عبد الحفيظ : “عندما صدر الأمر بإغلاق مضيق تيران يوم 22 مايو تم نقل فصيلة مظلات بالهليكوبتر بقيادة ضابط اسمه “حرب”، لا أذكر اسمه بالكامل الآن، احتلت هذه الفصيلة جزيرة تيران وكان اتصالنا بهذه الفصيلة يتم يوميًا بواسطة طائرة هيلكوبتر حيث كانت تقوم هذه الطائرة برحلة يومية إلى الجزيرة لنقل الإمداد والتموين”

“يوم 5 يونيو” كان يوماً عادياً … سمعنا في الإذاعة أن العدو بدأ الهجوم وأننا دمرنا الطيران الإسرائيلي، وحوالى الساعة الخامسة مساء يوم 6 يونيو طلب منا اللواء “عبد المنعم خليل” قائد سلاح المظلات الاجتماع وأعلمنا بصدور أمر بالإنسحاب فورًا لتعزيز خط الدفاع الثاني.

” كلمة الانسحاب كلمة مروعة تنزل على الجندى فتفقده توازنه، وكانت هناك مشكلة كبيرة بالانسحاب لأن معظم القوات الموجودة حضرت بالطائرات ولا توجد سيارات كافية للعودة إلى السويس

يكمل: “وأثيرت نقطة أخيرة وهي موقف الفصيلة التي تحتل تيران فالوقت الآن ليلًا ولا يمكن سحبها بالطائة الهيلكوبتر ولا يمكن الاتصال بها لأن الاتصال يتم بواسطة الطائرة صباحًا، وكان الرد هو أن الموضوع سنتركه للقيادة في مصر، فأوامر الانسحاب هي الانسحاب الفوري والقيادة في مصر سوف تتصرف وترسل مركب صيادين تحملهم “

“الذي حدث لهذه الفصيلة أن في اليوم التالي لانسحابنا وصلت مركب صيادين لحملهم ولكن لأن قائد هذه الفصيلة لم يكن لديه أي فكرة عن تطور الأحداث فقرر الاتجاه إلى شرم الشيخ بدلًا من الغردقة، وذلك ليعرف لماذا لم ينسحب ويعرف آخر التطورات” وبالطبع لم يكن لنا أي قوات في شرم الشيخ بعد انسحابنا والذي حدث أنه وقع في أسر القوات الإسرائيلية هو وفصيلته بالكامل و كذلك مركب الصيادين”

التقط “فهمي” القصة المذكورة بكتاب “دراز” وربط بينها وبين صورة شهيرة يتم استخدامها دومًا للإشارة الى أسرى مصر عام 1967 بشكل عام، مجموعة من الأسرى المصريين بأعمار مختلفة ما بين العشرين وما فوق الأربعين، بملابس أغلبها مدنية، يقول عبر بحثا على الإنترنت توصلت إلى أن الصورة منشورة على موقع توثيق مجاني يشير إلى أنه قد تم التقاطها لأسرى مصريين بعام 1967 في شرم الشيخ.

(بالفيديو|الحوار الكامل مع استاذ التاريخ المصري خالد فهمي عن أسرى تيران ووثائق حرب يونيو 67
https://www.youtube.com/watch?v=VPdCimfbxCA

قصة الصورة

ذهبنا نحن، أيضًا، لمزيد من البحث وراء تلك الصورة، فى محاولة للوصول الى مصير هؤلاء الذين وقعوا بالأسر وتسجل شهادتهم اليوم بينما يتم تسليم الجزيرة من مصر إلى السعودية.

عبر محركات البحث توصلنا إلى أن ملكية تلك الصورة تعود الى وكالة keystone، وأن تاريخ التقاطها هو ديسمبر 1967 وليس يونيو كما اشتهر عنها مع تدوينة المؤرخ “خالد فهمي”، وهو الأمر الذي يمكن استنباطه بالنظر إلى أعمار ومظهر الأشخاص بالصورة حيث لا يرتدي أي منهم الملابس الميري، وتتراوح أعمارهم بين الـ 20 والـ 50، مما يرجح أن تكون هذه الصورة هى لمجموعة من الصيادين المصرييين.

هل هناك من المزيد يمكن الوصول له؟، هكذا كانت المرحلة الثانية بالنسبة لنا، حملت معدة التحقيق” صورة الأسرى المصريين بشرم الشيخ فى حقيبتها، وبدأت رحلة البحث عن طرقٍ للتواصل مع كل من جرى ذكرهم بالواقعة، وهم الضابط الشاهد “عبد الحفيظ”، الضابط الأسير “حرب”، الضابط الراوي “دراز”، الضابط القائد “خليل”.

كانت البداية من منزل الإعلامي “عصام دراز”، رجل في السبعين من عمره، لديه همة ونشاط واسعة ولكن علاقته بعالم الإنترنت تبقى محدودة وبطبيعة الحال لم يكن يعرف شيئًا عن ما كتبه “فهمي”.

انهالت عليه الذكريات فجأة، نطلق اسم الضابط المسجل بالأوراق سريعًا، وحدد موعد للقاء.

ثلاثة نسخ فقط لا زالت فى حوزة الرجل من كتابه الذي تم طبعه بشكل محدود وبسيط بنهاية التسعينات، منحنا إحداها وفتح صفحاته وكان أول ما أخبرنا به: “الله يرحمك يا عبد الحفيظ”.

وهكذا فقدنا المحطة الثانية، سألناه:

ـ ” وماذا عن “الضابط حرب” المسئول عن فصيلة تيران؟، ألم تحاول الوصول إليه؟ …

ـ “المعلومة الوحيدة التي توفرت لدي وقتها أن الاسم قد يكون غير صحيح وإن “عبد الحفيظ” قد خلط بين الضابط المسئول عن تأمين تيران عام 1965 ويدعي “طلعت حرب” وبين ضابط صغير حديث التخرج كان على “تيران” فى 76، سافرت بعد ذلك خارج مصر وابتعدت تلك الأيام عن ذهني كثيرًا “

الحوار الكامل مع الإعلامي “عصام دراز” مؤلف كتاب “ضباط يونيو يتحدثون

 بحثًا وراء القائد والأسير

“راحل” و”أسير”، هكذا خرجنا من تلك الزيارة، نعرف عن الأول اسمه الصحيح ومعلومة أكيدة هى انه رحل عنا، أما الثاني فهو طيف لا يمكن تحديد ملامحه بعد.

الخطوة التالية كانت سعيًا وراء “القائد”، وكانت العديد من المفاجآت المذهلة، المفاجأة الأولى هي أن الرجل قد صدرت له مذكرات عام 1988 حول حياته العسكرية ذكر بها تلك الواقعة ذاتها بالتفصيل، شهادة على لسان قائد المظلات المصرية فى 76 وقائد الجيش الثاني بعد ذلك فى حرب 1973 حول ما جرى على جزيرة تيران عام 1976، شهادة ترقى إلى الوثيقة الرسمية.

في الصفحة 146، كتب خليل: “صدرت لي أوامر شخصية من المشير عامر باستطلاع جزيرة تيران ووضع دورية لها للإنذار والمراقبة وتم استطلاعي للجزيرة واختيار أمكنة للإستطلاع والمراقبة وتم تعيين دورية ثابتة بقيادة ضابط وتم نقلها بطائرة هيلكوبتر واحتلت مواقعها ومعها تكديسات إداراية ولكن المشكلة فى استمرار امدادها جواً لأن الطائرة الوحيدة للتحرك والاستطلاع تصلنا من الغردقة عبر خليج السويس والبحر الأحمر وكانت غير منتظمة أما الامداد البحري فكان لا يقل صعوبة لأن اللانشات البحرية وحتى قوارب الصيد المستخدمة لأعمال المراقبة والإنذار لم تتمكن من الوصول إليهم لشدة الأمواج والتيارات وكثرة الصخور حول الجزيرة.

ولما صدر لي أمر بالانسحاب لم أستطع إنقاذهم لعدم وصول الطائرة الهليكوبتر من يوم 4 يونيو 67 ولم تستطع أي من اللانشات البحرية أو الصيد الاقتراب منهم والوصول إلى شاطىء الجزيرة وأخبرت القيادة العامة بفشل إنقاذهم وإعادتهم وللأسف وقعوا جميعًا في الأسر بعد انسحابي من المنطقة برغم معرفتي أن القيادة العامة أخطرت السلطات السعودية لنقلهم قبل وصول الإسرائيلين إليهم”.

“قالت القيادة المصرية أنها أعلمت الطرف السعودي أنها خلفت أبناءها على الجزيرة وتحتاج منهم سحب الفصيلة إلى أرضها”، شهادة رغم أهميتها لم يكن من الممكن أبدًا أن تكسب أهمية كتلك التى لها الآن و نحن إزاء مشهد تاريخي آخر حيث سابقة التنازل عن أرض مصرية بدافع قناعة النظام الحاكم بأنها لم تكن مصرية من الأصل.

يحكي “خليل” أيضًا خلال كتابه أن كل تحركاته بتلك الأيام الصعبة خلال تواجده بشرم الشيخ كانت عبر تواصل مباشر بجهاز لاسلكي خاص بالمشير عبد الحكيم عامر، أي أن لفظة “القيادة العامة” هنا تعود مباشرة لرأس المؤسسة العسكرية حينها، والرجل الثاني بعد رئيس الجمهورية.

فهل القيادة المصرية قد قامت بالفعل في ظل أجواء الهزيمة بإبلاغ الطرف السعودي أم أنها فقط طمأنت قائد المظلات بذلك؟ وإن كان قد تم الإبلاغ بالفعل؟ فهل تمت الاستجابة لكن سبقها فعل الأسر؟ أم لم تتم وبناء عليه وقع هؤلاء بأيدي العدو خلال ساعات.

المفاجأة الثانية بهذه الخطوة كانت مع خبر صغير تم نشره فى بعض المواقع الإلكترونية عن صدور الطبعة الثانية من الكتاب خلال فترة إعداد هذا التحقيق بنهاية عام 2016 ومعها تأكدنا أن الفريق عبد المنعم خليل على قيد الحياة، ويمكننا التواصل معه.

لقاءُ تم عبر وسطاء، وعقب تأجيلات بسبب وعكات صحية متتالية، وحينما تم لم يكن المميز به فقط هو معلومات جديدة تساهم في إنجاز المهمة وهو الوصول لحقيقة وحالة أشخاص كانوا على تيران عام 1967 ودفعوا ثمن “مصريتها”.

كان المميز هو تلك الروح التي تحدث بها رجل تجاوز التسعين عن قرار اتخذه قبل خمسين عامًا، وهو قائد لأحد أهم أسلحة الجيش المصري، بحق فصيلة صغيرة لا يتخطي تكوينها ضابط وخمسة عشر جنديًا، سجل معنا عبر هذا الحوار رسالة مرئية تمنى أن تصل، في حياته ـ منحه الله العمر والعافية ـ أو بعد رحيله، إلى كل من كان فوق جزيرة تيران، هي رسالة “اعتذار”، قال فيها نصًا: “اضطريت للانسحاب بدونهم، أتمنى لو يصل لهم كلامي هذا، لم تكن لدي معلومات كافية عن كل من كان على سطح تلك الجزيرة، لم أكن اعرف جيدًا هذا الضابط الشاب، وكان علي أن أعرف عنوان بيته وأذهب بعد علمي بعودته من الأسر للاطمئنان عليه، لكني لم أفعل وسط ظروف الحرب، وأقول له عذرًا.. أنا غلطت معلش.. وأتمنى لو أقدر أقابله هو أو أي من الجنود اللي كانوا على الجزيرة”

لم يكن يتذكر تحديدًا اسم الضابط لكنه منحنا خيط جديد هام بتلك الرحلة، وهو رتبة ذلك الضابط وترتيبه داخل دفعته، قال كان ملازم أول، خريج حديث من الدفعات الأخيرة التى تم تخريجها قبل الحرب وكان أول دفعته.

شاهد: الحوار الكامل مع الفريق عبد المنعم خليل قائد سلاح المظلات بالجيش المصري 1967

هكذا اكتملت لدينا خيوط توحي عند جمعها بشىء ما، هكذا بدأ الطيف يكتسب بعض من الملامح، شاب صغير وسيم متفوق، قاد عشرات الجنود فوق جزيرة صغيرة، وقع في الأسر وعاد بعد عدة أشهر إلى مصر.

أرشيف ووثائق

بأرشيف جريدة الأهرام لعام 1968 كانت رحلة جديدة للبحث عن أي معلومات بأعداد منتصف يونيو 68 حول عودة “الأسرى”، عن قائمة بأسمائهم، لكن شىء من هذا لم يكن مذكورًا، هل الخطأ في تحديد التاريخ؟ باسم الجريدة؟ هل يمكن أن يكونوا عادوا إلى الوطن دون أي مانشيت صحفي أو سطر صغير في متن خبر؟

إنه غالبًا ـ وللأسف ـ الاحتمال الأخير، “عدنا وتم احتجازنا داخل الكلية الحربية لمدة أيام طويلة ولم يتم إخبار أهلنا، فقد تم إخضاعنا لتحقيقات لمعرفة ما تم معنا خلال تلك الفترة تخوفًا أن يكون قد تم تجنيد أي من الضباط خلال تلك الفترة”، هكذا تحدث الضابط المهندس محمد حسين يونس في روايته الشهيرة الصادرة عام 2001 “خطوات على الأرض المحبوسة” عن تجربته بالأسر عام 1967، تواصلنا معه، سألناه هل تتذكر ذلك الضابط الشاب الذي تم أسره من فوق جزيرة تيران، ورد: “كنا حوالي 400 ضابطًا وتم تفريقنا حتى لا نتمكن من تقديم الدعم النفسي لبعضنا البعض”

من أين يمكن الإكمال؟.. كانت الإجابة بالتأكيد لدى باقى الزملاء، لدى رفاقة الميدان والميس “المطعم” وعنبر النوم بالكلية الحربية وثكنات المعسكر، تواصلنا مع عدد غير قليل من الضباط بروابط الأسلحة المختلفة، فلا زالت تجمعهم لقاءات غير منتظمة بالاحتفالات الهامة، وهناك منهم من يهتم بترتيب النشاطات الجماعية رغم تخطي أغلبهم عمر السبعين.

سعينا بشكل رسمي نحو “سجلات شئون الأفراد” بالقوات المسلحة لكن بالطبع كان أمراً محظورًا، فكان المخرج المنطقى هو السعي بشكل ودي نحو الصور التذكارية للرفاق بيوم التخرج، تحديدًا بالدفعات التي تخرجت في الفترة من 63 ـ 65 من الكلية الحربية، دفعات 45، 46. 47

فكانت هذه الصورة لتخرج دفعة جديدة من المظلات المصرية فبراير 1966.

القصة الأخيرة: “يسري العبد” اسم حًفر على جبل “تيران”

بحث لم نخرج منه خاليون الوفاض أبدًا، خرجنا أخيرًا بالاسم المطلوب، هو اللواء المتقاعد “يسري العبد شعبان”، أول الدفعة 48 لسنة 1966 ، لم نخرج بالاسم وحده، وكان الخبر الأهم والأجمل: “يسري آه عايش بينا وحى يزرق، عمر الشقي بقي”، وأكمل: “يسري لم تستشهد كل فصيلته، أغلب الجنود قد وقعوا فى الأسر معه بعد اشتباك مع العدو”

هكذا كانت إجابة أحدهم وأكدها ثانٍ، ولكننا لن نتمكن من ذكر أى من أسمائهم بنفس المنطق الذي حال بيننا وبين التواصل المباشر مع صاحب الصورة او بمعنى أصح دفع الرفاق للحيلولة بيينا وبين التواصل المباشر معه، والسبب: “حساسية السماح له بالخروج إلى الرأي العام والإدلاء بشهادته فى ظل الأجواء المصاحبة لتسليم الجزيرتين للسعودية” .

إحجام لا يمكن إلا إحترامه، وإعفاء لصديق من حرج، كل ذلك كان يتداخل ويتصارع معه نزعة انسانية طبيعية للحكي عن ما كان، عن بطولات لا تخرج للنور سواء باللحظات العادية أو بلحظة خاصة كتلك التي تًعاش الآن عبر قضية “الجزيرتين”

عبر شهور من التواصل مع عدد من ضابط سلاح المظلات المصرية بدفعات الأعوام الثلاث الأخير قبل الحرب، توصلنا لرسم تفاصيل قصة كاملة، عن هذا الشاب المتفوق الذي كان مثار إعجاب كل قرنائه خاصة بعد أن تم تكريمه من قبل الرئيس “جمال عبد الناصر” بصفته الأول على الدفعة الحربية رقم 48 لسنة 1966.

حكى الرفاق عن معرفتهم أن “العبد” هو من كان سيقع عليه اختيار اللواء عبد المنعم خليل لتميزه، وأن تفوقه ـ ولعله قدره ـ هو السبب فى إرساله إلى جزيرة تيران، عنوان هذه المواجهة التي أدت الى الحرب.

حكى الرفاق عن دموعهم يوم عرفوا أنه وقع بالأسر، ودموعهم يوم عرفوا أنه عاد بعد 9 شهور، مرت خمسون عام ولكن لا زالت أغلب ملامح القصة كما رواها لهم حاضرة في أذهانهم.

بهذا المساء في 6 يونيو 1967 بينما بدأت قوات سلاح المظلات المصرية كاملة في الانسحاب مخلفين وراءهم هذه الفصيلة وحدها بالبحر كان من الاتجاه الآخر و بتوقيت مقارب تتحرك قوة العدو الصهيوني من ميناء أم الرشراش “إيلات”

كانوا وحدهم يترقبون الصمت ويمرون فى دوريات مراقبة حول صخور الجزيرة، لم تصل طائرة الهليكوبتر إليهم، ولم تصل لهم أيضًا ولو إشارة عبر اللاسلكي تخبرهم بقرار الانسحاب والرحيل.

وصل العدو وحده، ولم تستلم القوة وتقع فى الأسر دون مقاومة، حسب شهادة من استمعنا لهم فإن اشتباك تم بين الفصيلة التي لا يزداد عدادها عن 32 جندي وضابط ملازم وقوة عسكرية واسعة كانت تستهدف كافة قوات سلاح المظلات المصرية الذي تم رصدها عبر طيارات استطلاع بأيام سابقة.

ولم يكن ليمروا إلا عبر تلك الجزيرة، لم يكن ليمروا إلا عبورًا على جسد أفراد تلك الفصيلة، وهو ما حدث ووقع اشتباك استمر لساعة كاملة، ساعة كانت كفيلة بخلق مدي زمني مناسب لسلاح المظلات المصري للانسحاب، ودفع الثمن بالمقابل عن قناعة بحتمية القتال والمواجهة هذه الفصيلة التي تم إغراق زورقها بالأخير، استشهد ثلاث من الجنود وتم سحب البقية ومعهم قائدهم الضابط الشاب إلى شرم الشيخ.

الصورة المنتشرة لم تستطع المصادر التأكيد على صحتها وإن كانت بالفعل تخص أسرى تيران، أكدوا على الأقل أن “يسري العبد” ليس بها، قد يكون من بالصورة هم الجنود وقد لا يكونون.

جميع الشهادات لدينا مسجلة، لن ننشرها حسب رغبة أصحابها حتى لا نعرضهم لحرج إزاء مؤسستهم.

ومن جانب آخر، فقد طرحنا سؤالًا واحدًا عليهم جميعًا:

ـ وهل من المنطقي أن تتم مناقشة مصرية تيران وصنافير في غياب صوت من حاربوا من أجل الحفاظ على مصريتها؟

ـ (صمت)

قبيل رحيله، اختار الضابط المقاتل “عبد الحفيظ” أن يدلي بشهادة أحيت معها الكثير بعد عشرين عامًا، وفي شهادته، بصدر الصفحة الأولى، وصف اللحظات الفارقة قبيل اندلاع حرب يونيو 76 قائلًا”: “كان عملنا هو تحسين المواقع والانتظار”.

إنه ما يفعله الجميع، حسب موقعهم من القصة، نسعى جميعًا نحو: “تحسين المواقع والانتظار”.