كتبت ـ ولاء صلاح

أعواماً أربعة، مروا على الجريمة المعروفة بـ “سيارة ترحيلات أبو زعبل” والتي راح ضحيتها 37 معتقلا أثناء نقلهم من قسم الشرطة بمدينة نصر بالقاهرة إلى سجن أبو زعبل، ضمن 45 أخرين تم الزج بهم ، أو بمعنى ادق “حشرهم” بسيارة ترحيلات ضمن الأحداث التي أعقبت عزل مرسي وفض ميدان رابعه العدوية من مؤيديه – أغسطس 2013.
لا نستطيع أنه نجزم أنه المشهد الأكثر مآساوية في أحداث “فض ميدان رابعة العدوية” ، فربما قتل المئات ، وتجريف الجثث ونداءات الطفل “رمضان” على والدته المقتولة، “اصحي يا ماما.. ماتسيبنيش” مشاهد أخرى تؤكد وحشية الجريمة، لكن لا تنتهى عندها.

واستناداً إلى “مسئوليتها الوطنية والتاريخية”، كما قال السيسي، -وكان القائد الأعلى للقوات المسلحة انذاك- في خطابه الأشهر لعزل مرسي عبر شاشات التلفزيون، وحيث “اتفق المجتمعون على خارطة مستقبل تتضمن خطوات أولية تحقق بناء مجتمع مصرى قوى ومتماسك لا يقصى أحدًا من أبنائه وتياراته وينهى حالة الصراع والانقسام”. هو اذاً نهاية الخطاب، وبداية المزيد من اللعنات، عليه، توجهت القوات المسلحة وقوات من الشرطة إلى الميدان لفضه، حاصروا الميدان، اقفلوا مداخله ومخارجه، قتلوا اعداد لا حصر لها.

ومع احتدام احداث فض الميدان، مارست قوات الأمن القبض العشوائي على مرتادي الميدان ومحيطه لكا من نجا من القتل، واحتجزوا المئات داخل استاد القاهرة الدولي، وبعد 3 أيام ، استخدمت قوات الأمن سيارات الترحيلات المخصصة لنقل السجناء، لتقل المقبوض عليهم على اختلاف أسباب تواجدهم بالميدان وتم تكبيل أيادي هؤلاء المحتجزين وإلقائهم داخل سيارات الترحيلات التي تجاوزت الـ 15 سيارة.

المشهد الآن، في مكان الإحتجاز 45 شخصاً وسيارة واحده تسع24 فرداً فقط، لكنها من وجهة نظر أفراد الأمن يمكن أن يزج بالـ 45 جميعهم حتى لو وقفوا على ساق واحده أو التهمتهم حرارة الشمس الحارقة، حتى لو بدأ السجناء في الصراخ والاستغاثة وطرق جوانب السيارة وبابها لينالوا شربة ماء أو بضع نسائم، فالأمر برمته انتهى بقتلهم مختنقين، بعد أن ألقت قوات الأمن عليهم قنابل غاز داخل “سيارة الترحيلات”.

“انا مخطط لأني قبل ما اوصل 40 سنه اكون محقق الاتي: مؤسسة فنية ضخمة جدا جدا ليها وزنها في العالم كله ويتعملها الف حساب وحساب .. بتنتج فن هادف بناء مقاوم لكل ما هو سلبي وسئ وخبيث .. وبتبث في العقول كل ما هو قيم ومفيد وايجابي وبتساعد بقوة في بناء جيل ايجابي وطني قوي .. وبناءا على ما فات .. نهضة فنية”.
حلم راود المخرج الشاب محمد الديب .. أحد شباب رابطه “فنانى الثورة” طيلة حياته، لكن داخل سيارة الترحيلات مشهد لم يخطر ببال الديب، راوده حلم أخر، أن يسد الله دينه قبل أن يلفظ انفاسه، أخرج من جيبه ورقة صغيرة كتب فيها ديونه التي تقاضاها من أصدقائه ليشتري من خلالها أجهزة لمشروعه، ورسالة إلى أمه.

هذا المشهد من داخل مكتب النائب العام انذاك” الراحل هشام بركات” ، حيث يصل الدكتور جمال صيام استاذ الأقتصاد بجامعة القاهرة-والد شريف صيام- طالباً مساعدته مؤكداً أن “شريف” لم يكن عضواً في جماعة الإخوان، أو مؤيداً لها، و أبدى النائب العام تعاطفا، وقدم للوالد رسالة موقعة منه لتقديمها لمسئولين في السجن للنظر في حالة شريف، غير أنه لم يكن يدرك أن الآوان قد فات، وأن شريف أصبح في عداد الموتى.

لم يتم شريف صيام عامه الـ 29 ، وبقى مشهد القبض عليه عبر الفيديو الشهير الذي سجله أحد شهود العيان لحظة اعتقاله حيث قام أحد الضباط بركله بقوه في صدره أثناء اقتياده إلى عربة الشرطة مشهداً مؤلماً، وفقًا لرواية والده والناجين من المذبحة، تم اعتقال شريف صيام ظهرًا على بُعد بضعة شوارع من ميدان رابعة.

شكري سعد ايضاً كان له مشهداً مآساوياً ، اظهاره لكارنيه الحزب الوطني لم يشفع له كما لم يشفع لـ طه علي صبي القهوة، الذى اعتاد تقديم الشاى لمن أصبحوا اليوم قاتليه، أياً مما قدمه

وفى ساعة متأخرة من مساء 18 أغسطس 2013وصلت 37 جثة هامدة إلى مشرحة زينهم وانتهى الأطباء من تشريحها في الثامنة صباحاً، وأفاد التقرير المبدئى بأن جميع الضحايا لقوا حتفهم، نتيجة للاختناق الشديد داخل السيارة من الغاز المسيل للدموع، حيث خرجت إفرازات من الفم بعد الاختناق، وتم تدمير الرئة، ولا يوجد أى إصابات بطلق نارى بين القتلى.

وصرح الدكتور هشام فرج من المشرحة التي نقلت إليها الجثث الـ37 إن السجناء كانوا لا يزالون أحياء عند إطلاق الغاز، حيث وجد آثار لغاز “سي إس” في دماء كل جثة، ونفى إمكانية أن تكون اسطوانة غاز واحدة تحتوى على ما يكفي لقتل هذا العدد من الأشخاص، الا اذا عانوا لفترة طويلة من نقص الأكسجين.

وذكر فرج في شهادة مكتوبة للصحيفة الجارديان البريطانية: الشرطة مسئولة عن جميع هذه الضحايا؛ لأنهم أتخموا السيارة بـ 45 سجينا. وهو عدد كبير للغاية. ولذا كان هناك نقص في الأكسجين وهو ما عجل من الوفيات عند استخدام الغاز.

النائب العام الراحل، المستشار هشام بركات أمر بحبس الضباط الأربعة، وهم عمرو فاروق، وإبراهيم محمد المرسي، ومحمد يحيى عبد العزيز، وإسلام عبدالفتاح حلمي، وإحالتهم إلى محاكمة عاجلة.

ووجهت النيابة إلى الضباط تهمة “القتل الخطأ” ، فيما أنكر المتهمون جميع الاتهامات الموجهة إليهم، وأصروا على أنهم كانوا في “حالة دفاع عن النفس”، ولمنع السجناء من محاولة الهرب من سيارة الترحيلات.

نهار داخلي، قاعة محكمة الخانكة ، حيثيسطر القاضي الحكم والمشهدالأخير لضابط قاتل فخور بفعلته، بعظمته الظاهرة على ملامح وجهه، كأنه أنجز مهمة بطولية، ينتهي الأمر بهتاف أصدقاء ضباط قتلة سجناء عربية الترحيات “يحيا العدل”، بعد أن ألغت محكمة جنح مستأنف الخانكة الحكم الصادر ضد عمرو فاروق نائب مأمور قسم مصر الجديدة، المتهم الأول فى قضية سيارة ترحيلات أبوزعبل، بالسجن 10 سنوات وكذلك ضباط القسم الثلاثة على حكم حبسهم سنة مع إيقاف التنفيذ.

شريف صيام والديب وشكري سعد وطه علي صبي القهوة، ضمن 37 أخرين وهم :
إبراهيم الدهشان – الشرقية
رضا السيد – الحسينية البحيرة
محمد اسماعيل محمد صالح البحيرة
على عبد الشافي حافظ ـ المرج
وليد النجار ـ برج العرب
محمد شحاتة إسماعيل ـ بحيرة
أحمد إبراهيم كامل حمزاوي ـ الغربية
محمود عبد الله ـ الفيوم
فرج السيد فرج – الفيوم
صفوت أحمد عبد الله – المنيا
محمد حسن السيد أحمد – دكرنس
على مهنا أبو خضر – دكرنس
أحمد إبراهيم وشقيقه – بلبيس شرقية
طارق محمد حافظ – الصف جيزة
منصور عبد التواب عباس – فيوم
أحمد شعبان رجب – فيوم
أحمد فتحي محمد – فيوم
محمد رمزي – بابه الجيزة
محمد سليمان – وايلي القاهرة
مهدي محمد وجدي – واسطي بني سويف
محمد عبد المجيد – كوم حمادة
عبد المنعم محمد مصطفي وشقيقة اسامة أبو كبير _ شرقية
علي مهنا ابوخضر- دكرنس
سيد بركات شعبان – الفيوم
أحمد رجب – الفيوم
سي جمعة عيسى عيسى – الفيوم
محمد رمزي خليل- امبابة جيزة
أبوطالب سليمان- فاقوس شرقية
أحمد إبراهيم حمزاوي- المحلة غربية