النص الأول.. سلسلة «مما جرى في بر مصر»

ما يظهر على الشاشات ليس دوما الحقيقه فما يطبخ فى الكواليس أعقد بكثير وربما تقترب السينما من عالم الحقيقه لكن المعالجات دائما ما تخرج العمل حسب رؤية القائمين عليه .

فيلم الهروب للمخرج المبدع عاطف الطيب يبقى واحداً من الأعمال التى حاولت الوصول الى الحقيقه لكن المعالجات التى قام بها بشير الديك أخذت الفيلم بعيداُ عن قصته الحقيقه ، فمنتصر بطل الفيلم الذى جسده ببراعه الفنان احمد زكى اختار له الديك هواية العمل كصقار فى اشارة الى تمرده على عالمه لكن منتصر الحقيقى ( عاطف زخارى ) لم يكن سوى هجام بل أشهر هجام فى مصر .

زخارى الذى ترعرع فى عالم الجريمة وترك بصماته على عالمها حتى صار أشهر هجام فى مصر، حين ذاع صيته وتعددت جرائمه طاردته قوات الشرطه فهرب من عالم الاجرام فى مصر الى عالم اّخر فى العراق بأوائل الثمانينات أثناء ذلك انضم زخارى الى احدى الفرق العراقيه التى تقاتل القوات الايرانيه ليلتقى خلالها بأحد المصريين الهاربين من عالمهم هو الاخر فى مصر ( احمد حلمى المسير ) الذى تحولت قصته لعد سنوات طويلة الى فيلم ( السفاح ) و أدى بطولته الفنان هانى سلامة .

على خلاف زخارى لم ينشأ المسير فى أسره تنقصها الأموال ولا الحسب والنسب بل نشأ فى اسره تنقصها دفئ العلاقات الاسريه والحب ، افتقاده لعالم الحب دفعه الى الجريمة والعنف ليرتكب اول جرائمه بسرقة مصوغات والدة صديقه الفنانه ( مها صبرى )، جريمته الأولى دفعته الى عالم السجن، ضيق الزنازين وقسوه السجانين وعالم المجرمين زاده عنفا على عنف، خرج المسير من السجن فلم يجد أحضانا دافئة تضمه بل وجد قسوة واستنكاراً لجريمته التى شانت العائلة ولطخت سمعتها.

هرب المسير من عالمه القاسى الى عالم أكثر قسوه فى العراق ، وانضم الى نفس الفرقه العراقيه التى انضم اليها زخارى عام 1983أثناء الحرب العراقيه الايرانيه التى استمرت ثمانى سنوات .

لم يكن المسير مدفوعا فى انضمامه الى القوات العراقية بالرغبة فى الارتزاق بل كان مدفوعا برغبة محمومه فى القتل، تعرف عليه زخارى وانطلقا فى رحلات القتل، عاد زخارى الى مصر وسرعان ما عاد الى سيرته الاولى كهجام ليقع فى قبضة الأمن.

حين عاد أحمد المسير من رحلة القتل فى العراق الى مصر تعرف على امرأه أحبها لكن العنف الذى أدمنه تغلب على الحب الوليد لتستيقظ مصر على خبر مقتل واحد من أشهر رجال الاعمال وزوجته وخادمته يومها اطلقت الصحف على القاتل لقب ( سفاح المهندسين ) لم يكن السفاح مرتكب الجريمه سوى المسير ولم يكن القتيل سوى واحد من اكبر تجار السلاح فى مصر تخفى تحت واجهه رجل اعمال.

اختفى المسير عن الانظار لكنه عاد الى نشاطه، فى تلك المرة لم يمارس عنفا بل دخل الى فيلا العالم الدكتور احمد شفيق حيث قيده وزوجته وابنه بالاحبال مهددا اياه بقتله وزوجته وولده ان لم يحصل على ابحاثه ، لكن المسير سرعان ما تركه بعدما تيقن من صدق كلام الدكتور شفيق بانه يحتفظ بابحاثه خارج مصر .

شهادة الدكتور شفيق للشرطة أكدت على كون المسير مهذب وانه لا يبدو عليه الاجرام وانه حذره ان جهات اخرى ستسعى للحصول على تلك الابحاث باى ثمن ، التحقيقات تضافرت في قضية العالم وتاجر السلاح فقادت الشرطه الى المسير.

عاد الى السجن ليجد صديقه القديم عاطف زخارى يحاكم بتهمه السطو والشروع فى القتل، استعادا سويا ذكريات رحلات القتل فى العراق ، كان المسير مؤمنا انه يسير فى طريقه للالتقاء بحبل المشنقة ، فلم يبخل بمعاونه صديقه فى رحلات القتل على الهروب من السجن عبر ادخال مسدس 9 مللى الى زخارى فى قاعه المحكمة اثناء جلسات محاكمته، ليهرب زخارى بعد أن أطلق عدة أعيرة نارية من المسدس مكنته من الهرب ، لكن طريقة الهروب كانت توحى بأن جهه اخرى تدخلت وساعدت فى تهريب زخارى من قاعه المحكمة .

عاد المسير الى وحدته فى السجن ليستيقظ ذات صباح على خبر مقتل صديقه زخارى بعد قتله للواء طيار اثناء محاولة سرقه شقته، لم يكن القتيل مجرد طيار عادى فى صفوف القوات المسلحه فالقتيل كان إسما شهيرا اللواء ( سمير غيث ).

سمير غيث كان قائد المروحية التى تحطمت فى مارس عام 1981 وعلى متنها الفريق أحمد بدوى القائد العام للقوات المسلحة ومعه اثنا عشر قائدا عسكريا منهم قائد المنطقة الغربية وقائد سلاح الاشارة وقائد سلاح المهندسين وقائد سلاح الامداد ومدير هيئه العمليات ومدير اداره الاشغال ورئيس هيئة التدريب، يومها جرى اتهام عمود النور بالتسبب فى حادث تحطم الطائرة ، لكن “علوى حافظ” أحد أعضاء تنظيم “الضباط الأحرار” وواحد من أبرز نواب المعارضة في البرلمان أيام السادات وصديق أحمد بدوي المقرب أكد ضلوع مبارك والسادات في هذه الجريمة فحسب شهادته التاريخية ذكر أن عهد السادات كان فاسدا للغاية وكان الجو في اخريات عهده ينذر بثورة أو انقلاب من الجيش عليه وفي هذه الأثناء لم يستطع أحمد بدوي أن يتحول إلي لص كغيره من هؤلاء اللصوص الذين ملأوا الدنيا ضجيجا وقتها ثم اعتلي أحدهم منصة الحكم في مصر .

اتهم “علوى حافظ” صراحة السادات ومبارك بتصفية المشير بدوي ومعه كبار قادة القوات المسلحة، قبيل وفاته بقليل قال أحمد بدوي لصديقه علوي: إن السادات يسعي لتصفيته قريبا وقال له نصا كما هو منشور في كتاب الفساد لعلوى حافظ ” أنور أعطاني ورقة بخط يده وبها أسماء بعض كبار قادة الجيش وقال لي: أنا عاوز دول يخرجوا من الخدمة قريبا فقلت له ياريس المجموعة دي تقاريرهم نظيفة جدا ومن العناصر الممتازة ففوجئت به يقول لي: أنا لما أقول يمشوا يعني يمشوا أنا القائد الأعلي للجيش فعقبت علي كلامه وقلت: وأنا القائد العام ومن مهمتي أن أعرض علي سيادتك من يخرج ومن يستمر في الخدمة فقال السادات بحدة: شوف بقي لو كنت عاوز تتعامل معي كما حدث من أحمد عرابي للخديو يبقي لا، لا أنت أحمد عرابي ولا أنا الخديو”.

اعترف أحمد بدوي لصديقه بأن هناك مافيا من تجار السلاح تلتف حول السادات من كبار رجال الدولة – علي رأسها مبارك – وأنه عطل صفقة طائرات حاملة للجنود كانت قادمة من أمريكا وقد حاول أفراد هذه العصابة التربح والاستغلال علي حساب الشعب المصري المسكين وهؤلاء اشتغلوا في السمسرة والعمولات وأساءوا لسمعة مصر خارجيا وانه سيتدخل لحماية مصر من شلة الفساد، ونصحه حافظ بأن عليه أن يتغدى بمبارك قبل أن يتعشى به .

تحدثا وأفاضا فى الحديث ونسي الصديقان ان ” الحيطان لها ودان” وفي مكتب مثل مكتب وزير الدفاع فان الحيطان لهل ألف أذن وألف عين من الميكرفونات والكاميرات الخفية التي توضع في سرية تامة لأسباب كثيرة، دخل بدوى فى الصدام مع الخطوط الحمر ليلقى حتفه مع قادته ووسط رجاله وينجو قائد الطائرة “سمير غيث” الذى احيل بعد الحادث بسنوات الى التقاعد.

أحيل غيث الى التقاعد لكن لسانه لم يحال معه الى التقاعد خصوصا مع سكره وتردده على البارات لينفلت لسانه ويدخل بقدمه المنطقة المحظورة ويتحدث عن الأسرار المغلق عليها فى القلوب السوداء لتستيقظ مصر على خبر مقتله وتصادف مرور الشرطه لتردى قاتله بعد تبادل اطلاق الرصاص.

قُتل غيث ومعه سر طائرة المشير وقٌتل زخارى ومعه سر من كلفه باغتيال غيث وترك خلفه صديقه احمد المسير منتظرا لقاء عشماوى