كتب ـ محمد حسن

لابد أنك تعرفه، حتي ولو شكلاً ، خفيف الظل الفُكاهي وصاحب الموهبة الإستثنائية الفنان “سليمان نجيب”

المشهود له بعبقرية التمثيل في موهبة تعتبر من النوادر في تاريخ السينما المصرية، لكن المتداول عن سليمان نجيب في مواقع الإنترنت والمدونات يبدو أنه كلاماً مُكرراً بل يكاد يكون “نسخ ولصق من نوعية ولد لأسرة مرموقة حيث والده الأديب مصطفي نجيب وخاله أحمد زيوار باشا رئيس مجلس الوزارء لكنّ الغريب والمختلف عليه هو سنة ميلاده فوجدته متأرجحاً في الولادة بين 1892 و 1895 !

المهم أنك تعرف أن نشأته لأب أديب بمعني الكلمة جعلت منه فناناً أديباً ومثقفاً لامعاً في سماء هذا الوطن وجعلته يقوم بكتابة “مُذكّرات عربجي” في وثيقة تاريخية ومعزوفة أدبية فريدة من نوعها.

نجيب الذي بدأ حبه للأدب والفن والتمثيل منذ كان تلميذاً بالمدرسة التحضيرية حيث أنه كان بارزاً في جمعية الخطابة والمناظرات، كما أنه انضم وقتها لجماعة التمثيل الذي كان باللغة الإنجليزية، فكان يشترك في العروض الشهرية بالمدرسة والتي كان أغلبها من روايات شكسبير.

ولم تمانع والدته وقتها طالما أن تلك الهواية لن تؤثر علي مستقبله الدراسي، لكن الأمر تغيّر كثيراً بالأخص بعد تخرجه فعدل عن التمثيل “مؤقتاً” وعمل بسكرتارية وزارة الأوقاف ومنها إلي السلك الدبلوماسي قُنصلاً لمصر في سفارتها باستانبول، حصل علي لقب بك من الملك فاروق وأصبح رئيساً لدار الأوبرا وأدارها بكفاءة وعلي أفضل ما يكون.

لكن من يتوقع أن صاحب المونولوج الشهير بجوار محمد فوزي ونعيمة عاكف في فيلم “يا حلاوة الحُب” أن يملك سيرة ذاتية بهذه العظمة !

لقطة أرشيفية من فيلم “يا حلاوة الحُب” إنتاج 1952

هذه السيرة الذاتية رغم العظمه والروعته لكن هناك الجانب الأقل تركيزاً عن الفنان المرموق وهي مذكراته “مُذكّرات عربجي” والتي كتبها قبل احترافه التمثيل وانشغاله بالسينما بسنوات.

صورة لغلاف “مُذكّرات عربجي”

المذكرات التي جاءت في اثنين وثمانين صفحة وكانت تُنشر باسم مستعار “حنفي أبو محمود” في مجلة الكشكول

صورة لمجلة الكشكول

قدم لتلك المذكرات فكري باشا أباظة بمقدمة تصلُح كديباجة لدستور وليس لمذكرات عربجي !

يكفي أن أذكر لك سطوراً قليلة من تلك المقدمة:

“يميناً يا أسطي، لست أحابيك ولا أداجيك، إنما أقرر الواقع، لقد لذعت بكرباجك العظيم ظهور المتهتكين والمتهتكات، المتحذلقين والمتحذلقات، ولكن كرباج العهد الغابر كان يسيل الدم ولا يجرح النفس، أما كرباجك أنت فلا يسيل الدماء ولكن يجرح النفوس، ونحن إنما نريد معالجة النفوس لا الأبدان، فشكرا لك يا طبيب النفوس”

المُذكّرات جاءت في ستة عشر مُذكرة تدور حول “العربجي الأسطي حنفي أبو محمود”

الذي يجوب أنحاء القاهرة بالحانطور ويقدم لك وثيقة تاريخية عن فترة ما بعد ثورة 1919 ويضرب الحكومة والإنتهازيين من الساسة، كما أنه يجلد ظهور الناس بكل قسوة متحدثاً بوضوح عن كل العيوب والكوارث التي تفشت في أخلاق المصريين في هذا التوقيت.

يتحدث عن البهوات والشباب الذين يصطحبون الفتيات داخل العربة ليلاً لأغراض غير شريفة كان شاهداً عليها ويسردها بوضوح ودقة، يُحدثك في المذكرة الثامنة عن رجل الأمن الذي قام بضبط شاب وفتاة داخل العربة في وضع غير لائق وأقسم أن يقتادهم إلي القسم، لكن من وقتها والرشوة تفعل الأعاجيب وتحوّل الأسد الثائر لحَمل وديع يكتفي بالزجر والنصح بالموعظة الحسنة ويأمرهم بالرحيل في هدوء !

في المذكرة العاشرة تحل به النكبة فيتعرض للسرقة وتمزيق جيبه بخفه يد وكان ذلك في الترام، لقد حزن علي الجاكيت الذي كان قد حصل عليه من أحد البهوات مقابل 120 قرش أجرة لم يتحصل عليها من البيه الذي انقلبت حالته وأصبح في خبر كان، يبدو أنه لا جديد حتي في السرقة !

في الحادية عشر يصدمك بالحديث عن تفشي الكوكايين بين الشباب ومافيا الكوكايين الذين تحولوا من “سريحة” لأصحاب عمارات من تجارة السموم البيضاء المحرمة، والحكومة لا تري لا تسمع لا تتكلم كالعادة !

أما موقفه الواضح في السياسة فكان يحض المسؤلين علي توحيد الصف حيث كانت الأمة منقسمة ما بين “سعدي” و “عدلي”

(إشارة إلي الزعيم سعد زغلول ورئيس الوزراء عدلي باشا يكن)

المذكرات تركزت علي محاور ثلاثة، الأزمات الأخلاقية التي تفشت في المجتمع وأبرزها تفشي وانتشار الكوكاكيين وسفور الشباب والبنات واستغلال المظاهرات في المواعيد الغرامية !

ووصف المجمتع المصري بدقة من خلال رحلات الحنطور اليومية وما طرأ عليه من تغيير

إلي جانب جَلد الساسة من المتحذلقين والمنافقين الوصوليين الذين بدأوا حياتهم بركوب الحنطور ثم وصلوا لأفخم السيارات وأحدث الملابس والصيحات.

تنتهي المذكرات لكن التساؤلات لا تنتهي، هل تأثر سليمان نجيب الشخص بتلك الملاحظة الدقيقة عن المجتمع وأحوال المرأة بالأخص ؟

الإجابة نعم، حيث أن نجيب عزف عن الزواج للبعد عن المناكفة والشك !

هذا يبدو أكثر وضوحاً في أفكاره التي طرحها في المسلسل الإذاعي الذي قام بتأليفه والتمثيل فيه بجوار كوكبة عظيمة من أمثال عُمر الحريري وأمينة رزق الذي سأترككم لتستمعوا بسماعه