«التعاونيات» هذه الكلمة السر التي دائمًا ما طرحت منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى الآن، لمواجهة هذه الصعود الجنوني، ليس فقط نحو الغلاء والاحتكار ولكن أيضاً نحو الإحساس بـ”الوحشة” و”الغربة” فى مواجهة كل ذلك.

جولة هنا وهناك وعبر السنوات، تكشف عن تجارب عالمية شديدة التنوع والغزارة لم تكن مصر بعيدة عنها منذ بداية انطلاقها، وأصبحت الآن شديدة الحاجة إليها في ظل وضع إقتصادي متأزم يضع5.3% من السكان في خانة الفقر المدقع (وفقًا لإحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 2015) وفي ظل مناخ عام خانق على المستوى القانوني والأمني يجعل كل فرد يفكر ألف مرة قبل الإقدام على الاقتراب ممن يجاوره.

ورغم ذلك فالمحاولات لم تتوقف، فإلي هنا وهناك وعبر السنوات ..

أوسيم.. لنقل الركاب

« نحو مجتمع تعاوني» هذا الشعار الذي رفعته مجموعة من الشباب بمنطقة ” أوسيم ” التابعة لمحافظة الجيزة على صفحة التعاونية بموقع التواصل الإجتماعي، وفي يناير الماضي أعلنت هذه الحملة عن تدشين «تعاونية أوسيم لنقل الركاب» والهدف حل بديل لغلاء الأسعار وخاصة السولار والبنزين بالإضافة لمواجهة استغلال سائقي الميكروباصات والتي لا تتوفر بشكل كافى في الفترة الصباحية أثناء توافد المواطنين والطلاب إلى المحطات وخاصة الفترة من الـــ7 حتى الـــ9 صباحًا.

ما طرحته تلك التعاونية كحل بديل هو عضوية دائمة مدي الحياة من خلال اشتراك يدفع لمرة واحدة وقدره (250) جنيه فقط، ويمكن للعضو دفع الاشتراك علي اقساط لمدة ثلاثة اشهر, ويجدد الاشتراك سنويا بقيمة (100 جنيه) على أن اتوبيسات التعاونية بنقل الأعضاء مجانا طوال العام دون دفع اي اجرة فى الفترة من الساعة 6 صباحا وحتي 6 مساءا ومع تطور الخدمة وزيادة العضوية تتجه للعمل طوال اليوم.

مرت حتى الآن خمسة شهور ولم ينطلق “الأتوبيس” كيف ولماذا هذا ما نعود له في سطور تالية بهذا التقرير ولكن بعد التوقف عند مشاهد أخرى.

فريد و لطفي و«شبرا النملة»

جلسة ملاحقة أمنيًا في أحد البيوت بنهار مارس 1907 ضمت كل من المناضل الوطني “محمد فريد” وآخرين لمناقشة الأوضاع في مصر في ظل الأزمة المالية العالمية وبها التقط المهندس “عمر لطفي” دعوة “فريد” لضرورة تأسيس “التعاونيات” وخرج من هذا المنزل في اتجاهها.

سافر إلى إيطاليا لمدة عام ودرس تجارب التعاون الزراعي في ألمانيا وإيطاليا القائمة على إنشاء نقابات زراعية في كل بلدة تساعد الفلاحين بدلا من المرابين والمضاربين.

عاد ليطرح على الحكومة المصرية تبني تلك الفكرة رسميًا لكنها رفضت فكان الحل هو انشاء أول شركة تعاونية زراعية في مصر في مدينة “شبرا النملة” بمحافظة الغربية 1908 وهى شركة “التعاون المنزلي” لإقراض الفلاحين والتسويق التعاوني للحاصلات .

حققت تلك الشركة نجاح ساهم في استمرارها لما يزيد عن عشر سنوات تم خلالها تكرارها فيما لايقل عن 6 مدن مصرية.

شمس «البسايسة» والدكتور «عرفة»

ومن المهندس “لطفي” الى الدكتور “عرفة” كما يطلق عليه أهالي قرية البسايسة فى الشرقية، فقد عاد “صلاح عرفة” أستاذ الفيزياء بالجامعة الأمريكية إلى قريته عام 1971 و هو يفكر كيف يمكن لأهل قريته والقرى المجاورة بشكل تعاوني الإستفادة من الطاقة الشمسية.

صمم نموذجا صغيرا لتشغيل مروحة وعرضه على شباب القرية، وطلب من أحدهم أن يمر على بيوت القرية لتعريفهم بإمكانية الاستفادة من الطاقة الشمسية.

ومن هنا شرعوا في تعميم الطاقة الشمسية في القرية، فتم عمل ورشة لتدريب الشباب على أعمال الحدادة والنجارة ، وإستطاعوا تشغيل أدواتهم الكهربائية باستخدام الطاقة الشمسية، مرحلة أخرى انتقلت لها القرية بعد نجاح “عرفة” في إدخال البايوجاز الناتج من مخلفات الحيوان والإنسان كمشروع للاستفادة منه في توليد طاقة، وأيضا كسماد بلدي لأعمال الزراعة.

هكذا تحولت الفكرة الى تجربة جماعية وانتقل التفكير من استخدامها كوسيلة لتوفير الاستهلاك الى استخدامها كوسية للانتاج وقرر أهل القرية في عام 1983 الحفاظ على ما سعى له الرجل فتم إنشاء جمعيتين؛ الأولى لتنمية المجتمع، والأخرى جمعية تعاونية إنتاجية حتى يمكنهم من خلالها جمع أموال واستثمارها و امتدت عضويتها لتشمل سكان القرى المجاورة (الطيبة وأم رماد ودويدة وبني عبيد).

التعاونيات و البحث عن رقم «7»

ما بين عامي 1907 و1970 شهدت حركة التعاونيات فى مصر موجة جديدة حسب التوجه السياسي فى مصر وهو ما نتج عنه من حيث الكم إنشاء ١7 ألف جمعیة تعاونیة يضمها الاتحاد العام للتعاونیات على مستوى الجمھوریة التابع رسمياً إلى مجلس رئاسة الوزراء، وهى الصيغة التي تتحدث عن نفسها حيث مؤسسات مفقرة بلا روح، هى ملك لموظفيها أكثر من كونها تعبير عن الفئات المسجلة على لافتاتها.

وحسب القانون المصري، فهناك ثلاثة أنواع من التعاونيات الأولى تعاونيات سلعية أو خدمية ومن أمثلتها ” تعاونيات الإسكان والتعاونيات المهنية أو تعاونيات المنتجين التي تسعى إلى توفير وظائف عمل وتوفير السلع والخدمات اللازمة لأداء مهنة أو حرفة ما بأسعار عادلة ومن أمثلتها التعاونيات الزراعية وأخيراً التعاونيات الإنتاجية التي يتم إنشاءها من المنتجين لسلعة ما وبرؤوس أموالهم التي يجمعونها من مواردهم الذاتية ليوظفوها في إنشاء مشروع اقتصادي إنتاجي تعاوني .

كل هذه التصنيفات من التعاونيات تربطها حزمة من القوانين بدأت منذ الخمسينيات وتزايدت حتى شكلت عائق أمام مؤسسي التعاونيات، هكذا تحدث «سيد عبد الله » أحد مؤسسي تعاونية أوسيم مؤكدًا أنه في 2017 أصبح الأمر أكثر تعقيداً ولكنه ليس مستحيلاً .

أكمل: “يخاف الجميع المشاركة حتى لا يفاجىء بتلفيق إتهام له بالإنضمام لجماعة شُكلت على خلاف القانون كما أن هناك عوائق قانونية تجعل الفائدة المالية من انشاء تلك التعاونيات تعود على الحكومة أكثر من المواطن”.

المخرج المطروح بالنسبة لهم الآن هو إنشاء تعاونية “أوسيم” تحت مسمى شركة إلا أن هذا سيطرح بالتأكيد سؤالًا آخر عن كيفية مواجهة سيطرة مجموعة وحدها على إدراة أي من تلك الشركات دون مزايا الانتخاب والتصعيد التي من المفترض أن تشملها التعاونيات؟..

136 سالونيك.. فتش عن الشركة باليونان:

أسئلة تشغل العالم على تنوعه، و في مبادرة شهدتها اليونان فى 2012 مع اشتداد الأزمة المالية الأخيرة إجابة حديثة وتجربة يرى الكثيرون إمكانية الاحتذاء بها..

136 هي مبادرة لمواطني سالونيكي باليونان لوقف خصخصة شركة المياه والصرف الصحي العامة في سالونيكي، انشأت هذه المبادرة بعدما قررت الحكومة اليونانية بيع مرفق مياه الشرب للمستثمرين على أن يتم تسعير بيع المياه للمستهلك حسب سعر السوق الذى يفوق سعر الخدمة بمراحل.

الأمر الذه رفضه اليونانيون بمدينة سالونيكي وقرروا شراء شركة المياه وأصبحت الادارة تعاونية لمرفق مياه الشرب وتم وضع شروط وبنود تضمن عدم سيطرة مجموعة على الإدارة وإحالة الأمر لانتجاب مجلس إدارة دوري، و أصبح نصيب كل مواطن من هذا 136يورو ومنها سميت المبادرة 136سالونيك .

وليست اليونان وحدها، فتشكّل التعاونيات عنصراً ضخماً في الاقتصاد العالمي، التقديرات تشير إلى أنّ عدد أعضاء التعاونيات يبلغ حوالي المليار شخص، وإن أكثر من100 مليون منهم يعيشون من التعاونيات في مجالات التمويل الزراعي، والإسكان، والبيع بالتجزئة، وغيرها من القطاعات و إن التعاونيات تضمنت أسباب العيش لما يزيد من 3 مليارات نسمة.

ويؤكد آيان ماكدونالد، المدير العام للاتحاد الدولي للتعاونيات في تصريحات صحفية له على أن الأرقام تروي الواقع ففي بوركينا فاسو مثلاً، تسيطر التعاونيات على 77% من إنتاج القطن؛ وفي مالطا، تملك التعاونيات 90% من قطاع مصائد الأسماك؛ وتوفر في ساحل العاج نسبة 77 % من إنتاج القطن.

وتنتج التعاونيات في أوروغواي 90 % من الإنتاج الوطني للحليب، وتصدر 70 % من فائض إنتاج القمح ، وفي الولايات المتحدة الأميركية، شخصان من أصل خمسة أشخاص هم أعضاء في التعاونيات. في الفلبين تساهم التعاونيات بنسبة 16 % في الناتج المحلي الإجمالي. وتغطي التعاونيات في الدانمارك 49 % من عمليات تجهيزالحليب و69 % من التوريد الزراعي و66 % من ذبح الماشية.

وتستأثر تعاونية فولكسام (Folks am) للتأمين السويدية بنسبة 48. 9 % من سوق التأمين الأسري ونسبة 50 % منالتأمين على الحياة والحوادث معاً، وفي جمهورية كوريا، تسوق نسبة 40 % من المنتجات الزراعية المحلية عن طريق التعاونيات.

المصادر:

https://fasail.blogspot.com.eg/2015/06/blog-post_4.html

http://massai.ahram.org.eg/Archive/Inner.aspx?ContentID=20023

http://www.alukah.net/web/abdullah-ibn-mubarak/0/48476/