كأي جيش نظامي كبير العتاد يواجه الجيش المصري أزمة في مواجهة الجماعات الارهابية وخوض حروب العصابات فتتوالى العمليات الارهابية خاصة في محافظة شمال سيناء وتحصد أرواح جنود القوات المسلحة والشرطة المصرية خاصة عبر استهداف الكمائن الثابتة وهو ام يطرح أسئلة مشروعة حول فعالية الاستراتيجية المصرية لمواجهة الارهاب ؟

فكما أن مواجهة الارهاب هي حروب استنثنائية تختلف عن الحروب النظامية فإنها تحتاج إلى إستراتيجية مختلفة، فيما يلي استعراض لنتائج أهم التقارير والدراسات التي تقدم قراءة للتطور النوعي بعدد العمليات وطرق مواجهتها خلال السنوات الأخيرة و رؤى لعدد من الخبراء حول ما يدور على الأرض

الارهاب يمر عبر الكمائن الثابتة

استهداف القوات المسلحة في سيناء ياخذ آليتين الأولى تتعلق باستخدام الكمائن الثابتة وهي تتم عبر سيارات دفع رباعي عبر استخدام الأسلحة الثقيلة والآر بي جي أو اطلاق الرصاص من فوق عربيات الدفع الرباعي او استخدام السيارات المفخخة أما الدوريات المتحركة فإنها يتم استهدافها عبر عبوات ناسفة مزروعة في الأرض.

أواخر 2016 وفي العدد 60 من جريدة النبأ التابعة لتنظيم داعش الارهابي صرح أبو هاجر الهاشمي قائد تنظيم “ولاية سيناء” بأن المستهدف خلال المرحلة القادمة سيكون كمائن الأمن ودعا الهاشمي كل أعضاء التنظيم أو التنظيمات الأخرى إلى استهداف الكمائن الأمنية الثابتة منها والمتحركة.

ورغم ذلك لم تستطع السلطات المصرية اتخاذ تدابير من شأنها تقليل المخاطر وحماية الجنود من العمليات الارهابية وتجهيز الأكمنة والدوريات بما يحفظ أمنهم وسلامتهم من أية عمليات ارهابية محتملة.

وفي هذا السياق يرى اللواء محمد نور الدين مساعد وزير الداخلية الأسبق فى تصريحات صحفية سابقة أن الكمائن الثابتة تحصد المزيد من الأرواح واقترح ضرورة استخدام الكمين المتحرك على أن يتم تزويد أول سيارة في فوجه بجهاز للكشف عن المتفجرات يعطي انذار قبل الاقتراب من العبوات الناسفة.

ويصف اللواء فؤاد علام وكيل جهازمباحث امن الدولة الأسبق أن الكمائن الثابتة في سيناء أصبحت أهداف للارهابيين وأن “طبيعة سيناء الجغرافية، تتطلب أبراج إسمنتية للمراقبة ودوريات متحركة تعتمد على معلومات استخبارتية دقيقة”

وبحسب دراسة صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات 7 يوليو 2017 فإن النصف الأول من عام 2017 شهد 6 عمليات ارهابية تجاه قوات الجيش المصري في سيناء مقابل 120 عملية في نفس الفترة من عام 2015 وأشارت الدراسة أيضا إلى أن عملية رفح الأخيرة هي الثانية ضد قوات الجيش المصري في سيناء خلال 18 شهرًا وهو ما يعكس تراجعًا في قدرة التنظيمات الارهابية في سيناء ونجاحًا للجيش المصري في الحد من العمليات الارهابية الموجهة ضد قواته منذ بداية عمليات حق الشهيد، ولكن تظل تلك الاحصائيات خاصة باستهداف القوات المسلحة وليس كافة العمليات الارهابية من استهداف لقوات الشرطة أو للمدنيين أو للمنشآت وغير ذلك فعلى سبيل المثال في الربع الأخير من 2016 بلغت العمليات الارهابية في شمال سيناء 92 عملية لم تستهدف أيًا منهم قوات الجيش ولذلك لم تذكرها الدراسة المشار إليها.

وذكرت الدراسة أن نجاح الجيش المصري في تصفية وقتل العديد من قيادات تنظيم بيت المقدس انعكس على إضعاف بنية التنظيم وزيادة هشاشة قدراته وأن القوات المسلحة سيطرت على مناطق استراتيجية تتحكم في الطرق بين المناطق المختلفة مما يقوم بالحد من تنقل العناصر الارهابية ويساعد على كشف تحركاتها.

الارهاب يمر عبر البيوت المغلقة

من أهم المداخل التي تعتمد عليها الجماعات الارهابية هو استقطاب حاضنة شعبية وبشكل خاص من الشباب، و بالطبع فإن المدخلين العقائدي والاقتصادي يأتيان فى المقدمة حيث تستقطب الشباب حول أفكار “الجهاد وإعلاء راية الدين ومواجهة الكفر وإعلان الخلافة” وأيضا اقتصاديا على طريقة “داعش” حيث تمنح أعضائها مرتبات وأموال ومزايا اقتصادية وهو ما يعني أن المواجهة يجب ان تكون في جزء كبير منها ثقافية واقتصادية عبر نشر الثقافة ومواجهة التطرف الفكري والحد من نسب البطالة، وفي ظل الوضع السيناوي الاستثنائي الذي تعاني منه نتيجة للإهمال فإنها تحتاج أكثر مما يحتاج باقي الاقليم المصري الى التنمية والتعمير والتثقيف ومواجهة الفقر.

ويقارن د.عبدالمنعم سعيد بين عدد العمليات الارهابية في جنوب وشمال سيناء ويُرجع كثرة العمليات بالشمال عن الجنوب إلى أن البيئة في شمال سيناء مواتية لتمدد وانتشار الارهاب بسبب غياب التنمية على العكس من الوضع في جنوب سيناء التي تعد -بشكل ما- بيئة حامية من الارهاب مقارنة بشمال سيناء.

كما أنه وطبقا لمتابعين فإن التعامل مع الجماعات الارهابية في سيناء طغى عليه الطابع الأمني الصرف حيث قلت درجة التنسيق مع القبائل والأهالي وهو ما أثر على وجود ظهير شعبي للقوات في المنطقة، كما أنه بحسب خبراء فإنه لا يمكن مواجهة الارهاب في سيناء دون تعاون مكثف مع أهل المنطقة الذين هم أدرى بجغرافيتها وسكانها وجماعاتها، كما يلاحظ أيضا أن الجانب القتالي طغى على الاستخباراتي.

وبحسب تعبير الباحث السياسي أحمد كامل البحيري فإن “الاشكالية الحالية لدي القوات المسلحة إنها تتعامل مع الإرهاب بنفس منطق الحرب التقليدية، وهو ما يعرض قواتنا للخطر أثناء مكافحة الإرهاب الذي يتطلب تحرك سريع والمزيد من المرونة. فالحرب علي الإرهاب تختلف تماماً عن الحرب التقليدية من حيث حاجتها إلى المزيد من المعلومات والمزيد من التحري للكشف عن المعلومات، ويعتبر اهل سيناء جزء اصيل من آليات الحل او الازمة في سياق الحرب غير التقليدية الدائرة هناك

الإرهاب يمر عبر المظالم

وعلى جانب آخر فإن الانتهاكات التي تمارس من قبل قوات الأمن ضد أهالي سيناء والتي رصدتها تقارير صحفية وحقوقية، فضلا عن التهميش الذي مارسته أنظمة الحكم ضد أهالي سيناء، كل ذلك يمكن أن يساهم ف توفير حاضنة شعبية للتنظيمات الارهابية وهو ما يزيد المواجهة صعوبة حيث أنه طبقا لدراسات عدة فإن الحاضنة الشعبية للتنظيمات الارهابية لا تتكون فقط لأسباب دينية بل أحيانا يكون للعوامل السياسية دور مؤثر.

وذكر اللواء محمد قشقوش المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في تصريحاته لجريدة الشرق الأوسط أنه فوق الطبيعة الجغرافية والقبلية لسيناء فإن الأمر يتعلق بخلفيات لم تكن طيبة تخص تعامل بعض من رجال الشرطة مع أبناء سيناء إبان نظم الحكم السابقة ووصف فترة ما بعد عمليات شرم الشيخ ورفح وطابا التي تمت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي بأنها “كانت فترة صعبة تعامل فيها بعض رجال الشرطة بقسوة مع المواطنين. هذا ما زالت له آثار السلبية مستمرة حتى اليوم”. وبخصوص المعلومات يقول “لو حدث تعاون أكبر بين الدولة والقبائل، في سيناء، سيكون المردود المعلوماتي أفضل ويضيف أن الحرب ضد الإرهاب في مثل هذه المناطق، تعتمد بنسبة 99 في المائة على المعلومات، وبنسبة 1 في المائة على العمل العسكري وما أسهله”، وأوضح “قشقوش” أننا نحتاج لفيض من المعلومات الدقيقة بشكل مستمر وأن الدقائق تحدث فرقًا كبيرًا في صد العمليات الارهابية، وأضاف أن السبب الرئيسي لنجاح الهجوم على كمين البرث هو نقص المعلومات.