بحسب تعبير الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل تعليقا على الانذار السوفيتي الذي صدر ضد دول العدوان الثلاثي عام 1956 فإن “البشرية أيقنت ساعتها أنها لا تستطيع فقط مواجهة اليقين النووي وإنما هي أيضا لا تستطيع مواجهة الشك النووي”.

“لا تدخل دولتان نوويتان في حرب مباشرة وغير محدودة بينهما” هذه إحدى القواعد التي سطرت في العلاقات الدولية منذ دخول العصر النووي واستخدام السلاح النووي في هيروشيما وناجازاكي.

“إنه ليس أحمق فقط ولكنه مجنون أيضا” كانت تلك هي الجملة التي قالها الرئيس الأمريكي هاري ترومان عندما عزل القائد الأمريكي في كوريا ماك آرثر فقط لأنه من حجم تدخل الجيش الصيني في الحرب بين الكوريتين ارتبك القائد الأمريكي واقترح على رئيسه استعمال القنبلة النووية لوقف التدفق الصيني!!
“لا يوجد رئيس عاقل يقبل أن يتورط في حرب تحفها أخطار نووية” هذه قاعدة أخرى متممة للأولى.

مع كل اشتعال لفتيل الأزمة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة وازدحام المجال الدولي بتصريحات قادة العالم شرقا وغربًا تطل علينا بعض التساؤلات والتخمينات حول قيام حرب عالمية ثالثة بين الدولتين، والحقيقة أنه بين التصريحات والأفعال هناك مسافة كبيرة، وبين الأزمات السياسية والقتال العسكري بين الدول النووية هناك مسافة أكبر بكثير.
في الخلاف بين الدوول النووية فإن الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية مقبولة بينما العسكرية فإنما تحمل مخاطر من الصعب على رئيس دولة أن يتخذ قراره بتحملها.
يمكن لأمريكا أن تستصدر قرارات من مجلس الأمن لإدانة كوريا الشمالية وأن تفرض عليها عقوبات اقتصادية وسياسية أو الاحتواء أو العزل أو التضييق على الحلفاء لكن أن يتحول الأمر إلى حرب مسلحة مباشرة فإن هذا القرار مستبعد في رأيي.

الاحتمال الأقرب لتعامل الولايات المتحدة مع كوريا هو العمل الاقتصادي والسياسي والمخابراتي، بمعنى أدق أن تعزلها سياسيًا وتحاصرها وتعاقبها اقتصاديًا وتخترقها مخابراتيًا.
في إدارة أمريكية أكثر نضجًا ستمارس الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية سياسة الاحتواء ثم الاختراق من الداخل، فبعد أن تقلم أظافرها إقليميا تحاول أن تخلع نظام كيم جونج أون من مقعده والإتيان برئيس آخر تستطيع من خلاله تفكيك البرنامج النووي الكوري الشمالي، وهذا هو السيناريو المرجح مستقبلًا بل أنه فوق ذلك يمكن اعتباره السيناريو المتاح بعيدًا عن أشباح الحروب النووية.

رغم كل ما يثار عن انتهاكات حقوق الانسان والديمقراطية في كوريا الشمالية فإن إدارة ترامب لا تستطيع أن تفعل مع “كيم” ما فعلته أدارة بوش مع “صدام”.
“بوضوح ويقين لو أن العراق تمتلك سلاحًا نوويًا لما قررت أمريكا غزوها” هذه إحدى الحقائق التي تزداد وضوحًا وجلاًء يومًا بعد يوم.

لو أن العراق كانت تمتلك سلاحًا نوويا لكنا ظللنا في مرحلة الشك النووي التي تحدث عنها هيكل وفي مرحلة الردع المتبادل التي يقف عندها النزاع الأمريكي الكوري.
يكاد يجتمع الخبراء العسكريون والسياسيون على أن قيمة السلاح النووي ليست في قوته الهجومية بل في ردعه، فالدول التي تمتلك السلاح النووي لا تسعى لامتلاكه لاستخدامه بل لامتلاك القدرة على استخدامه.

حتى نظرية الضربة الاستباقية المحدودة التي سادت في القرن الماضي انقشعت خوفًا مما يمكن أن تجلبه من رد فعل، فإذا بادرت دولة بتوجيه ضربة نووية محدودة لتحذير وتحجيم دولة أخرى فإنها لا تضمن مدى ونطاق الرد النووي.

اذا كانت الحرب صراع إرادات فإن كوريا الشمالية حتى الآن تستطيع فرض إرادتها وتقليم أظافر الطرف الأمريكي.

في النزاع الأمريكي الكوري الشمالي إشارة إلى دول العالم مفادها أن من يمتلك القوة يمتلك قراره ويستطيع حماديته وأن المسألة في النهاية هي مدى امتلاكك للقدرة على تقرير ما تريد أن تقرر.

بعيدا عن أحاديث الحروب العالمية، طالما أن كوريا الشمالية تمتلك السلاح النووي فإنها تمتلك قوة الردع التي تضمن بقاءها والتي تجعل التهديدات العسكرية الموجهة إليها دون مضمون وفعالية, فهل تتجه الولايات المتحدة إلى تعظيم الضغط السياسي والاقتصادي والمخابراتي على النظام الكوري الشمالية واحتواءه وعزله خارجيا وتركيعه اقتصاديا وتفكيك بنيته السياسية واسقاطه وإذا حاولت بشكل أكثر دقة فهل ستنجح؟

تم غزو العراق لأنها لا تمتلك سلاح نووي ولن يستطيع الطرف الأمريكي غزو كوريا الشمالية أو محاربتها عسكريًا طالما أن واشنطن لا تواجه تهديد وجودي وكثيرين سيحاولون أن يحولوا دون وقوع حرب بين القوتين النوويتين يمكن أن تساهم في إبادة البشرية.

رغم كل ما يثار في وسائل الاعلام الغربية والعربية عن تهور الحاكم الكوري فإن تلك الادعاءات تزيد الأمر سوءً نظرا لما يمثله القرار النووي من خطورة.
إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا وإنجلترا لم يستطيعوا ضمان “تهويش” الانذار السوفيتي من جديته رغم أن موسكو لم تكن طرفا مباشرًا في الأزمة، فبأي منطق يمكن ضمان عدم التهور الكوري؟

حقائق القوة والقدرة وحدها هي من تفرض الخطوط الحمراء مهما كانت الأزمات السياسية ساخنة.