تصريحات شيخ الأزهر التي حملت هجوما واضحا ضد سياسات الرئيس جمال عبد الناصر الخاصة تؤكد عدم قراءة وإطلاع الإمام الأكبر لتاريخ المؤسسة التي يقع علي رأسها والمسئول الرئيسي عن إدارتها ، وهو ما يحمل ناقوس خطر حول رؤية الرجل لتطوير المؤسسة خاصة حينما يهاجم الحقبة الأكثر نورا للمؤسسة التي يديرها ..

فالرجل هاجم قانون تطوير الأزهر الذي أصدره جمال عبد الناصر ، والذي رفع به ميزانية الأزهر إلي سبع أضعاف ونصف ميزانيته قبل القانون من أجل تقوية رسالته فى مصر وفى العالم ! ، متجاهلا أو جاهلا أن الرئيس عبد الناصر أمر بتطوير الأزهر بعد أن لاحظ من متابعته لأوضاع المسلمين في أفريقيا أن قوى الاستعمار الغربى كانت حريصة على تعليم المسيحيين العلوم الطبيعية ( الطب – الهندسة – الصيدلة ) ، ومنع تعليمها للمسلمين مما أدى لتحكم الأقليات المسيحية في دول أفريقية غالبية سكانها من المسلمين، وكانت هذه الأقليات المسيحية تتحكم في البلدان الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة ، وتعمل كحليف يضمن مصالح قوى الاستعمار الغربى التى صنعتها، لذا صمم الرئيس عبد الناصر على كسر هذا الاحتكار للسلطة ، وتعليم المسلمين الأفارقة علوم العصر ليستطيعوا حكم بلدانهم لما فيه مصلحة تلك البلدان.

وكيف تمكن الرجل من توجيه الاتهام لعبد الناصر بأنه المسئول عن تأثر بعثات الأزهر لأفريقيا في الوقت الذي أوفدت البعثات فيه للتعريف بالإسلام في كل أفريقيا و أسيا ! ، و أنشأ عبد الناصر فيه مدينة البعوث الإسلامية التى كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين على مساحة ثلاثين فداناً ، والمدينة تضم طلاباً قادمين من سبعين دولة إسلامية يتعلمون في الأزهر مجانا ، ويقيمون في مصر إقامة كاملة مجانا أيضا، وقد زودت الدولة المصرية بأوامر من الرئيس عبد الناصر المدينة بكل الإمكانيات الحديثة وقفز عدد الطلاب المسلمين في الأزهر من خارج مصر إلى عشرات الأضعاف بسبب ذلك.

ناهيك عن السقطات السياسية الفجة في تصريحاته حول سماح عبد الناصر بسيطرة الماركسيين والشيوعيين على المجتمع ، وتأثر الشباب بهم ! ، وهو ما يعكس من جديد عدم إدراك الرجل لحقائق تاريخية واضحة ، ليؤكد من جديد عدم تحمله عبء الإطلاع علي تاريخ مصر الحديث ، فخلال فترة حضانة الثورة من 23 يوليو 1952 حتى نهاية أزمة مارس 1954 ، اتخذ الشيوعيون المصريون موقفاً مضاداً لثورة 23 يوليو 1952 ، خاصة بعد محاكمة وإعدام العاملين خميس والبقرى بعد إضرابات مصانع كفر الدوار ، وخرج من مجلس قيادة الثورة الضابط الشيوعى يوسف صديق مبكراً جدا ، وفى أحداث أزمة مارس 1954 انحاز الضابط الشيوعى خالد محيى الدين أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى جناح اللواء محمد نجيب المطالب بإنهاء الثورة ، وحل مجلس قيادتها وإجراء انتخابات برلمانية فورية ، واستمر توتر العلاقة بين النظام والشيوعيين قائماً حتى تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس فى 26 يوليو 1956 .

و فى فبراير 1958 تمت الوحدة المصرية السورية ، واندمج البلدبن فى دولة واحدة تحت أسم “الجمهورية العربية المتحدة” ، وقد عارض الاتحاد السوفيتى قيام دولة الوحدة ، وتبعه فى موقفه غالبية الشيوعيين فى مصر وسورية.

و فى 14 يوليو 1958 اندلعت الثورة فى العراق لتطيح بالحكم الملكى وتبيد الأسرة المالكة العراقية ، وقادها عبد الكريم قاسم ذو الميول الشيوعية ، وعبد السلام عارف القومى الميال للناصرية ، اتضح الانقسام السياسي بين زعيمى الثورة العراقية ، وسرعان ما تخلص قاسم من عارف وألقاه فى السجن ، متهماً إياه بالعمالة لعبد الناصر ، والسعى لضم العراق للجمهورية العربية المتحدة ، وبدأت حرب إعلامية ضروس بين نظام قاسم الذى سيطر عليه الشيوعيون فى العراق ، فى مواجهة نظام عبد الناصر القومى العربي ، و بدأ قاسم التنكيل بالقوميين العرب والناصريين فى العراق عبر سجنهم واغتيالهم بوحشية مفرطة ، وللأسف فى خطوة تتسم بالغباء السياسي ، تورطت معظم التنظيمات الشيوعية فى مصر وفى سورية ، فى مساندة وتأييد نظام قاسم ، ومهاجمة النظام المصري ، مما أدخل تلك التنظيمات فى أتون المعركة بين النظامين ، و لعب قاسم دور مهم فى الانقلاب ضد الوحدة فى 28 سبتمبر 1961 بمساهمته فى تمويل الانقلاب عبر الضابطين عبد الكريم النحلاوى وموفق عصاصه .

في كتاب (فلسفة الثورة) لجمال عبد الناصر _ الذي يبدو أن الإمام الأكبر لم يقرأه قبل أن يقرر الهجوم علي كاتبه _ والصادر عام 1954، تناول عبد الناصر خلاله الدوائر التى ستتحرك فيها السياسة المصرية ومنها الدائرة الإسلامية التى تتداخل مع الدائرة العربية والدائرة الأفريقية وتعد مصر جزء فاعل فيها ، وهو ما ترجمه عبد الناصر فعليا عبر تضاعف عدد المعاهد الأزهرية والدينية في مصر 5 مرات ، و افتتاح فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية ، ومساندته لكل الدول العربية والإسلامية في كفاحها ضد الاستعمار ، كما تمت طباعة كل كتب التراث الإسلامى في مطابع الدولة طبعات شعبية لتكون في متناول الجميع، فيما تم تسجيل المصحف المرتل لأول مرة بأصوات كبار المقرئين وتم توزيعه على أوسع نطاق في كل أنحاء العالم ، و فى عهد عبد الناصر تم وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامى والتى ضمت كل علوم وفقه الدين الحنيف في عشرات المجلدات وتم توزيعها في العالم كله ، ناهيك عن دعم الدائرة الإسلامية موسعة في عهده ببناء المساجد ، و إنشاء إذاعة القرآن الكريم التى تذيع القرآن على مدار اليوم ، و ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم ، و تنظيم مسابقات تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية، والعالم العربى، والعالم الإسلامى، وكان الرئيس عبد الناصر يوزع بنفسه الجوائز على حفظة القرآن .

فهل يعلم شيخ الأزهر أنه فى يوم وفاة الرئيس عبد الناصر كان الأستاذ هيكل وزيراً للإعلام ، والدكتور ثروت عكاشة وزيراً للثقافة ، والمهندس مصطفى خليل رئيساً لاتحاد الإذاعة والتليفزيون ، والثلاثة ليسوا من الماركسيين الذين يري شيخ الأزهر سيطرتهم علي المجتمع في حقبة عبد الناصر ؟!!

هؤلاء من كانوا يسيطرون ويديرون الثقافة والإعلام فى الزمن الناصرى يا فضيلة الإمام ، ولن تجد من بينهم إسما واحدا ممن اتهمت عبد الناصر بالعمل علي تمكينهم ، كان الأستاذ هيكل يرأس مؤسسة الأهرام ، وكان فكرى أباظه وأحمد بهاء الدين مشرفين على دار الهلال ، وكان حلمى سلام وكمال الحناوى وفتحى غانم مشرفين على دار التحرير التى تصدر جريدة الجمهورية ، وكان إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين وكامل زهيرى مشرفين على روز اليوسف ، وكان كمال رفعت وإحسان عبد القدوس مشرفين على مؤسسة أخبار اليوم ، وكان أحمد حسن الزيات مسئولا عن هيئة الاستعلامات ، وعبد القادر حاتم مسئولا عن وزارة الاعلام معظم عهد عبد الناصر ، وثروت عكاشه مسئولا عن الثقافة ، وكل هؤلاء ليسوا ماركسيين بل ان أغلبهم لديهم أفكار شديدة العداء للماركسية ، ولك أن تطلع علي رؤيتهم وما قدموه للمجتمع في تلك الفترة التي تتهمها بما ليس فيها .

من المؤسف أن يتحول شيخ الأزهر المسئول الأول عن المؤسسة الأعظم عربيا وإسلاميا إلي بوقاً لكلمات وعبارات جماعة الإخوان المسلمين التي تسللت للأزهر عقب وفاة عبد الناصر ، وصنعت تيارات متطرفة بداخله ، ظهرت في الاعتصامات المسلحة التي نظمتها الجماعه ، وأسهمت بدورها في تحريف رسالة الأزهر وغياب دوره وتقزيمه واستسلامه في الوقت الذي يجب فيه أن يكون منارة النور ضد كل الأفكار الظلامية والمتطرفة التي تضرب عقول شبابنا ومجتمعنا ، بدلا من الهجوم علي العلامات المضيئة في تاريخنا .

عفوا فضيلة الإمام .. فاتكم الكثير بتاريخ مصر الحضاري والثقافي المشرف يجب أن تطلع عليه ، وأرجو ألا يفوتكم القطار بضرورة الإعتذار عن تلك السقطات الفجة !