(1)

منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 سارت مصر في طريق صعود، ودور ريادي لا يمكن إنكاره، فبنهضة اقتصادية صناعية وزراعية وبمشاريع تنموية وبإصلاحات اجتماعية وبدور سياسي ريادي عربي ودولي حجزت مصر مكانًا لها كقوة كبرى في المنطقة والعالم، حتى صحت في يوم الخامس من يونيو 1976 على هزيمة عسكرية أثقلتها بالمتاعب والانكسارات وأوقفت المسيرة لمراجعة أخطائها.

أدرك عبد الناصر، ضمن ما أدرك، أن تجربة يوليو وقعت في أخطاء كان أحدها متعلقًا ببناء الجيش المصري، فبدأ إجراءات إعادة هيكلة قياداته وإعادة بناء القوات المسلحة، ككل، على أسس علمية تحقق الكفاءة.

غير أنه أحد أهم دروس هزيمة يونيو بجانب محاولات تصحيح الأخطاء هو إدراك أن الهزيمة ليست نهاية المطاف، وأن النصر ممكن بشرط استمرار المحاولة والتعلم من التجارب.

(2)

في بداية 2011، استيقظ العالم على مشهد مهيب من بطولة الشعب المصري، مقدمًا حدثًا فريدًا ملهمًا في ثورة يناير بكل ما حملته من دروس ومعانٍ. وفي منتصف 2012 سرعان ما تكسرت كل الأحلام والطموحات حينما خرجت الثورة صفر اليدين، وضاعت أصواتها بين أكثر من مرشح، وفشلت في حسم طريقها إلى الحكم لتنفيذ أهدافها وبرنامجها وصيانة مبادئها، ثم بعدما حاولت استجماع بعض قواها لإسقاط نظام الإخوان الذي التف على مبادئ الثورة وأهدافها، وجدوا أنفسهم أمام استبداد جديد يعاديها بوضوح.

(3)

لتجربة يوليو أخطائها التي كان لابد من العمل على تصحيحها عقب هزيمة 67 حتى نتمكن من الوصول لنصر 73، كذلك فإن لتجربة يناير أخطائها التي لابد من مراجعتها حتى نعبر مما نحن فيه الآن.

شجاعة الاعتراف والاعتذار:
كان اعتراف عبدالناصر بمسؤوليته عن هزيمة يونيو وأسبابها أولى الخطوات نحو إعادة البناء والتنظيم، فتحديد المسؤولية يفضي لتحديد الأسباب والعمل على التصحيح، غير أن أحد ما تعاني منه الحركة الوطنية الآن هو أن الكثير من أبناءها أخطأوا في تجربة يناير وما تلاها حتى الآن، لكن دون أن يبادروا بالمصارحة والمكاشفة والاعتذار وتحمل المسؤولية والاعتراف بها كخطوة نحو تصحيح مسار التجربة.

التوافق الوطني:
أهم دروس انتخابات 2012 تعلقت بأهمية توحد القوى المدنية الثورية خلف مرشح واحد لتجميع أصواتها ومواجهة أعدائها، حيث توزعت أصوات الثورة في 2012 على أكثر من مرشح فأدى تفتيت الأصوات إلى فشل الثورة في الوصول حتى إلى مرحلة الإعادة، التي انحسرت بين أحمد شفيق عن نظام مبارك ومحمد مرسي عن جماعة الإخوان، وهو ما تحاول القوى الديمقراطية في 2018 تفاديه عبر التوافق الوطني حول مرشح رئاسي واحد ببرنامج موحد يعبر عن الأهداف المشتركة لتلك القوى، وبفريق عمل واحد محدد، وبحملة انتخابية تجمع شمل كل تلك القوى.

خوض المعارك والتطور الديمقراطي وانتزاع المساحات:
أهم دروس انتخابات 2014 تعلقت بأهمية إيمان كافة القوى المدنية الثورية بأهمية خوض المعارك الانتخابية وانتزاع الضمانات كحقوق، بدلًا من انتظارها كهبات، وأهمية الاشتراك في الانتخابات لتحقيق التطور الديمقراطي والمنافسة الجادة، وهو ما لم يتحقق في 2014 ،عندما ترك العديد من أبناء الثورة حمدين صباحي يخوض المعركة بمفرده في مواجهة النظام القديم والجماعة القديمة بأحزابهم وتكتلاتهم، بدلًا من دعمه، حيث لم تسهم مقاطعة انتخابات 2014 سوى في تمكين النظام بشكل أكبر.
أما في 2018 فإن القوى الديمقراطية، بحكم النضج الذي يتولد عن التجارب، باتت تدرك أهمية خوض المعارك الانتخابية وانتزاع الضمانات والمنافسة، وإدراك أن مواجهة اعتقال شباب الحملات والأحزاب السياسية يكون بالاستمرار في المعركة وليس ترك الساحة فارغة للنظام ومرشحه، فالقوى المدنية تبدو مصرة على خوض الانتخابات، مهما كانت المضايقات الأمنية، لانتزاع الضمانات والحقوق والمساحات الديمقراطية والمساهمة في نضج وتطور المسار الديمقراطي.

الاستنزاف واستمرار الحراك:
لعل من أبرز ملامح هزيمة يونيو 1967 هو رد الفعل المصري بعدها، الذي لخصه المخرج يوسف شاهين في صرخة بهية “هنحارب”، في فيلم “العصفور”، فكانت معركة رأس العش وحرب الاستنزاف التي وجهت ضربات عديدة للعدو تستنزف قواه وتعلن عن استمرار المعركة وعدم الركون للاستسلام.
هو نفس الدرس، الاستنزاف وعدم الاستسلام وخوض لمعارك الديمقراطية عبر انتخابات النقابات ومساحات المجتمع المدني وإطلاق المنصات الإعلامية والمواقع الالكترونية لانتزاع مساحات جديدة للحريات ولأصوات المعارضة، حتى تطل علينا معركة تيران وصنافير، لتجد المعارضة تعيد ترتيب أوراقها وتخوض جولة جديدة من أهم وأشرس معاركها، فلا تركن للاستسلام، بل تخوض المعركة على كافة الأصعدة الشعبية والاحتجاجية والقانونية والبرلمانية.
استمرار المعركة، والشد والجذب، وعدم الاستسلام، ومواصلة المحاولة وخوض المعارك التمهيدية أحد الدروس المشتركة التي حتما تمهد للنصر.

إعادة البناء:
إذا كانت دروس هزيمة يونيو 1967 تعلقت بأهمية التوقف وإعادة البناء على أسس علمية تحقق الكفاءة، خاصة في القوات المسلحة، فإن ما تعرضت له ثورة يناير من هزائم يمكن أن ترشدنا لوجود خلل في البنية التنظيمية لها ولأحزابها والكيانات المحسوبة عليها تستوجب التوقف والتفكير في إعادة البناء.

الوحدة التنظيمية بين حزبي الكرامة والتيار الشعبي خطوة على الطريق، تدرك أهمية إعادة البناء والتنظيم، كذلك فإن تشكيل التيار الديمقراطي ليجمع عدة أحزاب في تيار جبهوي واحد له ملامح مشتركة، وأيضًا سعي حزب العيش والحرية لاستكمال توكيلات تأسيسه، لينتقل لدور أكثر فعالية في الحياة الحزبية المصرية، كما تمثل الحملة الشعبية للدفاع عن الأرض “مصر مش للبيع” أحد الجهود الناجحة في تنظيم جهود الحركة الوطنية في قضية تيران وصنافير لتعبر عن أهمية العمل الجبهوي والبحث عن مساحات الاتفاق.
بناء أحزاب قوية مرتبطة بالشارع وجبهة وطنية تضم القوى والأحزاب التي تجمعها رؤى متقاربة مشتركة، وتأسيس شبكة متشبعة مع المؤسسات والنقابات والمجتمع المدني والمجتمع ككل بمكوناته، كما طرح وكيل مؤسسي تيار الكرامة والمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي أحد أهم الأهداف التي يجب على القوى الديمقراطية السعي إليها والسير في خطوات جادة لانجازها لتحقيق إعادة بناء تنظيمات الثورة التي تحقق لها الغلبة والانتشار والنصر.
فإذا كان إعادة بناء القوات المسلحة في 1967 أحد أهم طرق النصر فإن إعادة بناء تنظيم الثورة الآن هو الفريضة الغائبة.

(4)

الطريق من انكسار الهزيمة لنشوة الانتصار ليس بعيدًا، إنما هو المسافة بين إدراك أخطاء التجربة والسعي لتصحيح المسار.