بأحد فنادق القاهرة أحتفل السفير عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق وأمين عام جامعة الدول العربية الأسبق بإصدار الجزء الأول من مذكراته التي حملت اسم”كتابيه”.
الكثيرون من المنشغلين بالعمل السياسي في مصر كانوا مأخوذين بهذا الحدث، ليس بسبب الكتاب الذي يمكن أن يحتوي على أشياء مهمة نظرًا لحساسية مناصب كاتبه، إنما لمشهد الحفل والذي وصفوه بأنه جمع الطيف السياسي المصري من اليمين إلى اليسار، ولتقييم أكثر موضوعية للحدث ولتلك الملاحظة ينبغي تحليلها أولًا والإجابة عن تساؤل: لماذا حضر هؤلاء جميعا حفل توقيع كتاب عمرو موسى؟

أولى الأسباب تتعلق بشخصية عمرو موسى:

فالشخصية الدبلوماسية للسفير عمرو موسى تجعله منفتحًا على كافة ألأطياف السياسية المصرية من يمينها إلى يسارها، وهنا لابد أن نقول أن الطبيعة الدبلوماسية لشخصية عمرو موسى مفيدة جدًا على المستوى الإنساني فهي تمكنه من بسط وتوسيع دائرة صداقاته ومعارفه، وقد يمكن أن تكون مفيدة في التنسيق السياسي الغير مبرمج أو مؤدلج أو بمعنى ادق الائتلافات السياسية التي تهدف إلى هدف معين محدد لا يحتمل اجتهادات وتنوعات فكرية مثل جبهة الانقاذ التي كانت ترمي إلى اسقاط نظام جماعة الاخوان وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وبالتالي فهو هدف يمكمن أن يجمع من يختلفون في كيفية بناء وتسيير الانظمة وتحديد توجهاتها، إلا أن تلك الشخصية الدبلوماسية قد لا تكون مفيدة في التحالفات السياسية العادية والتي تقوم على تقارب الفكر والرؤى في السياسة والاقتصاد والثقافة، بل أنه رغم أن وجود تلك الشخصيات على المستوى الانساني يعرف بالانفتاح على كل التيارات لكن على المستوى السياسي فإن أفعالها في أحيان كثيرة توصف بالميوعة، وهنا نريد ان نفرق بين صلاحية الأشخاص في العلاقات الإنسانية أو حتى التنسيق السياسي في لحظات معينة تسمح بذلك وبين إمكانية أن يكون لتلك الشخصية دور في لحظات أخرى قد لا تسمح بذلك، فالسيد عمرو موسى يمكن ان يتزعم جبهة لحماية الدستور لكن هل يمكن أن يتزعم جبهة للدفاع عن جزيرتي تيران وصنافير أو مواجهة الاجراءات الاقتصادية أو مواجهة الاجراءات الأمنية تجاه المعارضة أو فتح ملف كامب ديفيد أو خوض انتخابات رئاسة الجمهورية أو غير ذلك من تلك القضايا، كل تلك القضايا الخلافية أو الشائكة من الصعب على تلك الشخصية تحملها فكما ذكرنا هي ليست كالقضايا السابقة التي تحتاج للشخصية الدبلوماسية بل تحتاج للحسم والتحديد والوضوح حتى لا تتصف بالميوعة.

ثانيا: التاريخ السياسي لعمرو موسى:
مما يتميز به الوزير عمرو موسى هو عدم تلوث تاريخه السياسي بقضايا كبرى تجعل من الذهاب لحفل كتابه وصمة عار أو ما يجعل الذاهبين إليه يترددون في فعل ذلك، فالوزير موسى لم يتهم في قضايا الفساد الكبرى أو القتل، وهو بقدر أنه ليس من المتورطين في تلك القضايا لكنه ليس من ثوار يناير فهو بالتشبيه الذي اشتهر إبان انتخابات 2012 “نصف نظام مبارك ونصف ثورة”وهذا التاريخ السياسي لعمرو موسى كدبلوماسي بعيد عن تعقيدات السياسة الداخلية يجعل منه شخص يمكن الذهاب إليه والحديث معه دون تخوفات من عدسات الكاميرت أو المزايدات بعكس شخصيات أخرى.

كما أن المناصب السابقة لعمرو موسى جعلته ينجح في دعوة ساسة ودبلوماسيين مصريين وعرب ارتبطوا بالسفير عمرو موسى وليس السياسي عمرو موسى.

ثالث الأسباب تعطش النخبة السياسية المصرية للمناخ السياسي:
فحد التطورات التي ميزت السلطة الحالية أن القمع والتضييق السياسي قد طال النخبة السياسية المصرية والتي كانت من قبل تترك لتعمل في إطار ما حتى أن وصل بنا الأمر إلى أن نرى مرشح رئاسي سابق كالسيد حمدين صباحي تطاله ضربات وهجمات قوات الأمن مرتين خلال يومين متتاليين، ونحن هنا لسنا بصدد التمييز بين المواطنيين ولكننا بصدد رصد تطور نوعي في تعاطي السلطة المصرية وأجهزتها الأمنية مع النخب السياسية، فمع حالة من التحكم في الاعلام أدت إلى غياب تلك النخب عن المنابر الاعلامية وغياب مشاهد النقاشات السياسية التي تميزت بها بعض البرامج في السابق، وايضًا حالة التضيق الأمني فيما يخص الندوات والمؤتمرات والنقاشات، كل ذلك أدى إلى شعور النخب السياسية بحالة من الحصار وهي التي أعتادت ممارسة السياسة حتى حينما منع الباقين منها، فتلك النخب تشعر بحالة من “التعطش لأي جو سياسي” فكان حفل عمرو موسى فرصة جيدة جدا للقاء مع عدد كبير من المفكرين والفاعليين السياسيين ولو حتى للتحاور والنقاش أو فقط لاستحضار “الجو السياسي” الذي افتقدوه

والذي حدث هو أن الحديث في الوسط السياسي خلال اليومين السابقين انتقل من الاعجاب بقدرة السيد عمرو موسى على دعوة كل هؤلاء النخب السياسية المختلفة وتواجدهم في مكان واحد لحضور حفل إصدار كتابه الجديد إلى الحديث عن انتخابات 2012 وإذا ما كان السيد عمرو موسى هو الخيار الأنسب والحديث عن الانتخابات المقبلة وإمكانية جمعه لأكبر عدد من القوى المدنية في تلك الانتخابات رغم أنه أعلن موقفه بعدم الترشح فيها.

من العجيب أن يتم الخلط بين قدرة أحد الشخصيات على الحشد لحضور مناسبة شخصية وبين قدرته على الحشد لرؤية وبرنامج وانتخابات، ومن الغريب أيضًا ترجمة حضور شخصيات مختلفة لمناسبة شخصية على أنه يمكن حضورهم في دعم مشروع سياسي معين طالما أن صاحب الحفل هو من يتبناه، فهذه الشخصيات العامة في المناسبات الشخصية والعلاقات الانساية تحكمها المجاملات طالما لا تثير الشبهات بينما في العمل السياسي تحكمها الرؤى والبرامج والتوجهات والأهداف وبعضها يحكمها المصالح بالطبع.
إذا كانت المسألة تتعلق بالحفل في حد ذاته ومن حضروه فإن الأمر يحتاج إلى تحليل موضوعي لأسباب نجاح السيد عمرو موسى في دعوة هؤلاء وحضورهم بعيدًا عن أحاديث الانبهار المبالغ فيها أما إذا كان الأمر يتعلق بالبحث عن مرشح رئاسي قادم أو الندم على عدم ترشيح عمرو موسى في انتخابات 2012 -فقبل الحديث عن السيد عمرو موسى ومواقفه السياسية وتقييمه كمرشح رئاسي- فإن الأمر يحتاج إلى تفصيل ونقاش أوسع حول: هل فشلت وعقمت الثورة عن طرح مرشح وبرنامج وفريق عمل من أبنائها؟ وهل نبحث عن مرشح من خارج معسكر الثورة يستطيع التفاهم مع بعض أجهزة ومؤسسات الدولة حتى وإن كان محسوبا على النظام القديم بداية من حسام بدراوي وعمرو موسى إلى أحمد شفيق وغيرهم؟ وهل إذا توافقت القوى المدنية على مرشح من تلك النوعية فهل تستطيع إلزامه بأجندة عمل وبرنامج ورؤية توافقية قبل وبعد الانتخابات؟ وما هي مواصفات المرشح الرئاسي الذي تدعمه القوى المدنية وما هي مواقفه الواجبه من القضايا المطروحة على الساحة السياسية منذ سنوات وخاصة تلك التي ظهرت خلال فترة الرئيس السيسي؟
تلك الأسئلة العامة وغيرها تستحق ان تناقش بوضوح وصياغة موقف عام منها دون التفاف، فصياغة اللأفكار والمبادئ العامة الحاكمة للتحركات السياسية ينبغي أن تسبق الحديث عن أشخاص بعينها حتى يكون هناك قدر من الوضوح.