“في الصباح قال لي أبي، من الأفضل ألا تذهب للمدرسة، سوف تصبح شوارع المدينة خطرة. و دوت صفارة الوردية فاتسعت حدقتا أمي من العرب، لم يتوقف أبي وانصرف سريعاً، جلست أمي فى ركن ساهمة يلؤها الرعب، لمست كتفها، وقلت في خوف:

ـ ماذا حدث؟

ـ لا أحد يعلم غير الله، لقد قرر عمال المصنع الإضراب اليوم”

هي قصص عادية، نضال يخرج من البيوت التي تسكنها العيون الخائفة كما وصفها الروائي أين مدينة المحلة الكبرى “محمد المنسي قنديل” في روايته “انكسار الروح” التي انطلقت أولى صفحاتها مع دوي صفارة الوردية الأولي بمصنع غزل المحلة منتصف الستينات بينما قرر الآلاف من عماله الإضراب من أجل رفع أجور عمال التراحيل والحصول على العلاوات المتأخرة، هذا المشهد الذي انتهى يومها باقتحام سور المصنع وفض الإضراب بالقوة وذهاب والده الى السجن”.

لكن، لم يتوقف شيئاً، بل دارت الدائرة و اكتملت دائماً، بل أصبحت الحاجة الى النضال أكثر شدة مع وصول الحقوق إلى أوضاع أكثر بؤساً، وهكذا في حر أغسطس 2017 يعود عمال “غزل المحلة” للإضراب، يجتمعون من جديد مع دوي صفارة الوردية الأولي خلف أسوار مصنعهم التاريخي، بهذه المدينة التي طالما حملت خصوصية خاصة تشبه خيوط الغزل حين تتشابك فتتشابك بها مشاعر النضال والخوف والذكريات على ما كانت عليه تلك الصناعة يوماً وما آلت إليه، و دائماً وسط الخيوط المتشابكة هناك خيط واحد مشدود هو خيط مشروعية الحقوق التي يناضل من أجلها عمال غزل المحلة دوماً وتشبه غيرها من الحقوق المهدرة فى آلاف أماكن العمل.

فاليوم يدخل إلإضراب الكلي للعمال (ما ييقارب الـ 6 الآاف عامل) يومه الرابع على التوالي منذ أن بدأ مساء يوم الأحد الماضي للمطالبة بالعلاوة المقرة قانونًا والحوافز التي تحاول الإدارة التملُّص من صرفها للعمال بينما تحاصر قوات أمن مكثفة مداخل المصنع من كافة النواحي خوفاً من خروجهم الى شوارع المحلة.

وقد رفع عمال المحلة عدد من المطالب لدى الإدارة بعدما طالبتهم بالعودة إلى العمل والتوقف عن الإضراب، تضمنت تلك المطالب « العلاوة الاجتماعية المقرة قانونًا، وعلاوة غلاء المعيشة، وضم حافز الـ220 جنيه المتجنب للأساسي، وزيادة بدل الغداء إلى 300 جنيه، بالإضافة إلى عمل لجنة الترقيات وتسوية المؤهلات».

فيما طالبت الإدارة من العمال إنهاء إضرابهم والوعود بالبحث في مطالبهم الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل العمال، وجاء على أثر هذا الرفض تهديدات من إدارة الشركة بإعداد قوائم بـ”المحرِضين” على الإضراب.

عمال المحلة تاريخ من النضال:

ليست المرة الأولى التي يجد الأمن نفسه دون إنذار محاصراص إضراب بهذا الحجم لا يعرف إلى أين يمكن أين يمتد بالزمان والمكان.

فلا زالت مشاهد 2008 حاضرة حين فشلت أجهزة الأمن في السيطرة عل موجة الإضراب التي امتدت بقوة من داخل أسوار المصنع الى خارجه لتكون المرة الأولى يالتي تتمزق فيها صورة “محمد حسني مبارك” على مرأى و مسمع من الجميع، واستمرت الهتافات تطالب بحقوق بسيطة يبدو من الوهلة الأولى انها لا تستحق من مانعيها كل هذا التعنت الذي يستدعي كل هذا النضال، و لكنه الدرس المستمر.

استسلمت الحكومة لمطالب العمال وقاموا بتنفيذها وأصبحت ملحمة إضراب المحلة التي كانت أحد المسمامير الهامة في نعش حكم المخلوع محمد حسني مبارك وذلك عام 2008.

في” 6 إبريل ” عام 2008 تحولت الدعوة من إضراب عمال المحلة إلى إضراب مدني بمصر “اعتراضا على الغلاء والفساد وتضامنا مع إضراب لعمال شركة المحلة”، و تحول الإضراب إلى إشتباكات دامية بين العمال وقوات الأمن بمدينة المحلة الكبرى ومن هنا تأسست حركة ” 6 إبريل ” .

لكن هذا الإضراب لم يكن الأول من نوعه في عهد حسني مبارك فقد دخل عمال غزل المحلة في إضراب تجاوز الأسبوع في شهر رمضان عام 2007، مطالبين بتحسين الأجور، وأوضاع العمل، وإقالة الإدارة الفاسدة للشركة المملوكة للدولة، والذي انتهى بطرد أعضاء النقابة الرسمية من الشركة.

وفي عام 2006 أضرب عمال المحلة لمدة 3أيام واضطرت الحكومة إلى التفاوض مع العمال، وتنفيذ مطالبهم، بصرف مكافأة سنوية بواقع أجر شهرين تحت بند الأرباح وكان هذا أول إضراب عمال لعمال المحلة.

وفي أكتوبر 2010، أضرب 1500 عامل، بسبب تخفيض أجورهم، مطالبين بإقالة مدير المصنع، وفي عام 2011 وهو عام ثورة يناير التي شاركت فيها عمال مصر دخل 24 ألف عامل، في شركة غزل المحلة في إضراب، مطالبين بإقالة رئيس الشركة القابضة محسن جيلاني آنذاك، وعدد من قيادات الشركة، بالإضافة إلى مطالب ضم مدة التجنيد إلى مدد عملهم، والتسوية للعمال الذين حصلوا على مؤهلات عليا، وتعيين غير المثبتين، وزيادة الحوافز الشهرية إلى %300.

وفي العام التالي من عام الثورة دخل عمال غزل المحلة في إضراب من جديد لمدة 5 أيام، نتج عنه استجابة لبعض مطالب العمال، من صرف الرواتب وزيادة الحوافز، والحد من صلاحيات رئيس القطاع القانوني، وفي 2014أضرب عمال غزل المحلة لمدة 12 يومًا، حتى تحققت مطالبهم بتشكيل لجنة لها صلاحيات مجلس إدارة موازي، والالتزام بوضع حد أدنى للأجور 1200 جنيه، وتثبيت موعد صرف المكافئة السنوية.

أما في يونيو 2014 دخل العمال في إضراب بهدف إعادة القيادية العمالية، وداد الدمرداش، التي كان لها دورًا بارزا في إضراب المحلة عام 2008 للعمل، بعد أن تم فصلها بشكل تعسفي دون الرجوع للشؤون القانونية.

وفي عام 2015 أضرب عمال غزل المحلة لمدة إستمرت 10 أيام ببمطالبة بإقرار علاوة 10% المقرة.

الإضراب مشروع ضد الفقر والجوع:

فيه يونيو الماضي أصدرت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة حكما قضائيا نهائيا أرست فيه مبدأ هامًا وهو أن الإضراب السلمي حق لا يجوز العقاب علي استعماله، حتى ولو لم ينظمه المشرع، فيما أصدرت المحكمة حكما ببراءة سبعة عشر موظفا بهيئة البريد بمكتب بريد أشمون، من تهمة الإضراب عن العمل خلال الفترة من 23 حتى 27 من شهر فبراير لعام 2014.

وقد نصت المادة 15 من دستور سنة 2014 على أن الإضراب السلمى حق ينظمه القانون و يلجأ إليه العامل للتعبير عن حقوقه ومطالبه المشروعة ، وذلك بتوقفه عن العمل ، دون التأثير على سير وانتظام العمل داخل المرفق أو مكان العمل ، ودون اللجوء إلى العنف بأى شكل من الأشكال ، سواء بالقول أو بالفعل.

إضرابات عمالية أخرى:

إضراب عمال غزل المحلة ليس الأول من نوعه فقد تزايدت الإضرابات العنالية بالرغم من تزايد القبضة الأمنية، فقد أعلنت نشرة «مؤشر الديمقراطية» في تقريرها الصادر بعيد العمال، عن وصول عدد الاحتجاجات العمالية خلال الربع الأول من سنة 2017 إلى 365 احتجاجًا بمتوسط 122 احتجاجًا شهريًّا و4 احتجاجات يوميًّا، واحتجاج كل 6 ساعات، من أجل تحسين الأوضاع المهنية والتثبيت وتحسين الرواتب، في ظل عرقلة النظام لوجود نقابة عمالية حقيقية، وعدم وجود قانون ينظم إنشاء النقابات العمالية.

كما قفضت قوات الأمن 17 احتجاجًا بالقوة، والقبض على 190 مشاركًا في الاحتجاجات، بمتوسط 63 معتَقَلًا شهريًّا، وتو الحكم بالسجن على عدد من العمال الذين احتجوا إثر فصلهم من عملهم وعدم تلقيهم أجورهم ومستحقاتهم.

وقد كشف مؤشر الديمقراطية ايضًا في تقريره عن وضع العمال عام 2016، إن غلق المصانع وما ترتب عليه ساهم في تشريد للملايين من العمال وأسرهم، فضلاً عن السياسات الفاشلة المتبعة، وما يترتب عليها من كوارث، في رفع منسوب الاحتجاجات المطالبة بحقوق العمال، حيث رصد المؤشر نحو 744 احتجاجًا عماليًا شهدتها محافظات مصر خلال تلك الفترة.

المؤشر أوضح أن من بين الـ744 احتجاجًا نحو 244 للمطالبة بزيادة الأجور والحصول على المستحقات المالية، مما ترتب عليه محاكمة 186 عاملًا وفصل وإيقاف ألفين و691 بسبب مطالبهم المعلنة والتي تم التعبير عنها عبر صور الاحتجاجات المختلفة.

وعن طبيعة تلك الاحتجاجات، أوضح التقرير أن 708 احتجاجات بنسبة 95% من الاحتجاجات العمالية هذا العام، جاءت بصورة سلمية تصدرتها الوقفات الاحتجاجية، فيما جاءت الاحتجاجات العنيفة، على حد وصف التقرير، في صورة عنف ضد النفس في 13 محاولة انتحار منها حالتا انتحار فعلي، و11 حالة لقطع الطريق و9 حالات إغلاق شركات ومنع دخول موظفين و3 حالات اعتداء على منشآت ومسؤولين.