كتب : محمود السقا

لكل نصيب من قدره، وقد كان لصورة الشهيد “احمد المنسي” و لإسم الكتيبة 103 صاعقة نصيب وافر، لم يقل الخبر أكثر من أن تمركز أمني تم استهدافه، لم يكن فى مهمة هجومية ما، ولم يتم التأكد من صحة التسريب المنسوب للعقيد المنسي باعتباره آخر ما قال من أرض القتال، لا نعرف حقيقة ما دار، ورغم هذا وعلى مدار أسابيع، ومع اقتراب “أربعين” الشهداء احتلت صورهم وأسماءهم الكثير من التدوينات الإنسانية.

كتب مجندون سابقون ذكرياتهم داخل تلك الكتيبة، سجل ضباط متقاعدون عن ايامهم داخلها، توقف المصريون عند كلمة “صاعقة” ولمسوا فجيعة ما فقدوا وتبادلوا التساؤلات ـ التي يراها النظام محرمة ـ عن دور تلك الكتائب الهامة داخل سيناء، ولماذا جاءهم الموت داخل نقاط ارتكاز ثابتة و لم يأتهم خلال الاشتباك، وعن أمنياتهم للقادم؟

باليوم الأربعين على رحيلهم نحتفي بهم ونتوقف مع الحكايات من المجند محمد طه إلي المجند محمد أيمن ، ومن القائد البطل إبراهيم الرفاعي إلي أحمد المنسي.

من هو “الطاووس” المنسي ؟

من خارج البذات العسكرية، حكى جاره وصديقه “طارق قطب” عنه، فقال: “الشهيد أحمد المنسي “الطاووس” كما يلقبه زملاءه ، والقائد كما يلقبه القادة الأعلي منه رتبة نظرا لكفاءته العالية ، من مواليد عام 1978 من محافظة الشرقية، ووالد الشهيد كان طبيباً وهو الدكتور صابر المنسى يشهد له الجميع من أهالي ” قرية بنى قريش بمركز منيا القمح محافظة الشرقية” بأنه كان يعالج الناس بملاليم لأنه مؤمن بأن الطب خلق لعلاج الناس ، وليس للربح منهم ، وظلت قيمة الكشف عنده 5 جنيهات حتي توفاه الله في 2013 ، وأقر الجميع أن والده كان مثله الأعلى ،وشاء النصيب أنه يبقى أول شخص يدفن بجانبه في قبره .

والتحق بالصاعقة المصرية في أواخر التسعينيات، بعد تخرجه من الكلية الحربية، وكان من الضباط المميزين في سلاح الصاعقة، وتولى قيادة كتيبة 103 صاعقة منذ العام تقريبًا، وترك 3 أطفال “حمزة” 9 سنوات و”علياء” 6 سنوات و”علي” عامين.

أكمل: “تم تكريم البطل الشهيد أحمد المنسي في سلاح الصاعقة خلال شهر رمضان الماضي، على كفاءته وتميزه في أداء عمله وانضباطه العسكري، حيث سبق و أصيب بشظية فى يده منذ فترة ، ولا زالت موجودة فى يده ولم يستطع الأطباء إخراجها.، ورفض الراحة وعاد لصفوف الكتيبة ورفض إخذ راحة للعلاج ، وأخر أجازة أخذها لقضائها مع عائلته كانت في عيد الفطر” .

كان منسى نائب ملحق الدفاع فى باكستان، وهذه بعثة للقوات المسلحة ووجوده في باكستان كان بناء علي رغبته، حسب أصدقاؤه فقد رفض التمديد بعد انتهاء مدة عامين وفضل العودة لمصر، برر ذلك لهم قائلاٍ: “أنا عايز أٍسيب المكان لحد غيرى، أنا خدت رزقى خلاص ييجى حد تانى ياخد رزقه” .

ويذكر نفس الصديق أنه كان شاعر وصاحب وجهة نظر وكان مع ثورة يناير ، وثورة 30 يونيو ، وضد جماعة الإخوان ولكن دون الحديث عن تفاصيل .

وحينما رجع من باكستان عمل في سيناء لمدة ثلاث سنوات ، وحينما تركها العام الماضي ظل يحاول الرجوع لها مرة أخري اإلي أن استشهد قائد الكتيبة 103 صاعقة العقيد رامي حسنين فى أكتوبر الماضي وحينما طلبت منه القيادة الرجوع كان رده ” حالا يافندم ” وطلب أن يكون أخيه الأخر وهو ضابط بالصاعقة أيضا أن يتواجد بالقاهرة حتي يكون هناك شخص منهم يطمئن علي العائلة باستمرار ، ويروي أحد الأصدقاء أن قرار الشهيد المنسي وقتها أنه إذا لم ينال الشهادة في سيناء سينتظر حتي يأخذ رتبة العقيد ويطلب الإحالة للمعاش وأن رجوعه للقاهره مسألة وقت ولن تتعدي الـ”6أشهر ” .

أسئلة لحظات الأخيرة .. ماذا جرى؟

يقول العميد خالد عكاشة المحلل الاستراتيجي ، أن الهجوم الإرهابى المسلح الذى وقع بقرية «البرث» جنوب رفح، يصنف بكونه عملية إرهابية نوعية، بالنظر إلى أعداد الإرهابيين المنفذين، وقدراتهم التسليحية المستخدمة فى العملية، بجانب المهارة والتدريب على إدارة التنسيق بين تلك الأسلحة واستخدامها بالطريقة الأمثل، التى تستهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر فى صفوف قوات التأمين. يسبق تلك المعطيات، كى يتسق وصف «النوعية» على هذا الهجوم، أنه جاء بغرض الاستيلاء على نقطة عسكرية؛ ليُعد هذا الاستيلاء (المرحلة الأولى) للعملية، حيث كان ملحقاً بها مرحلة تالية أظنها هى الأخطر، وهى التى ستتكفل بالإجابة عن أسئلة المرحلة الأولى للهجوم.

والسؤال هنا ، من قدّم دعماً لوجيستياً ، كى يتمكن هذا العدد الضخم من الوصول للنقاط العسكرية المستهدفة؟

أكمل: أن العمل العسكرى والأمنى وصل في سيناء لمحطة نجاح ظاهرة لم تخف عن أعين الجميع، لكن المشهد «تعكّر» فجأة من دون مناسبة عندما تم الإعلان عن مشاركة القبائل فى مكافحة الإرهاب. حيث جاء هذا الإعلان على خلفية حوادث مسلحة جرت ما بين التنظيم الإرهابى ومجموعة من «قبيلة الترابين»، تلك الحوادث عكست حينها خلافاً حول عوائد التهريب إلى قطاع غزة، واقتصار المشهد علي “قبيلة الترابين ” ربما لم ينتج شيئاً ملموساً على الأرض، سوى مزيد من الاحتقانات القبلية المكتومة والتعقيدات التى لم تكن مبررة بالمطلق حيث يطرح هذا الاحتمالات عن تورط بعض من الأهالي في مساعدة الارهابيين ويزج بأسماء القبائل بالقضية و يحدث أزمات بينها وبين الجيش بين بعضها البعض.

من أين جاءت الكتيبة 103 صاعقة ؟

الكتيبة التي شهدت الكثير من البطولات والتضحيات ليست حديثة العهد وليس هؤلاء الشهداء هم الأوائل بل أن ودعهم قبل أكثر من 9 أشهر ، العقيد رامي حسنين، القائد الأسبق للكتيبة 103 صاعقة ،وليس هذا فقط بل أنها تعود إلي ما قبل حرب أكتوبر وحرب الإستنزاف .

وبدأت المجموعة في البداية بالاستعانة ببعض العناصر لمعونة «الشهيد المقدم إبراهيم الرفاعي» في القيام بالعمليات المكلف بها وخاصة من الصاعقة البحرية حتى تم تشكيل المجموعة كوحدة مقاتلة مستقلة تابعة لقيادة المخابرات ورئيس الجمهورية.

المجموعة، التي عرف عنها أنها كانت مصدرا للرعب والدمار بالنسبة للعدو الإسرائيلي، قدمت تضحية كبيرة في بداية نشأتها باستشهاد قائدها «الرفاعي» خلال حرب أكتوبر، يوم الجمعة 19 أكتوبر 1973.

من المجند طه إلى المجند أيمن .. كلهم أبناء الرفاعي

تضحيات الكتيبة 103صاعقة في حرب أكتوبر لم تتوقف عند استشهاد قائدها، إذ لحق به المجند محمد طه الذي اشتبك مع ٦ عناصر من جنود العدو في أراضي سيناء من أجل فداء المدرعة التي يحتمي بها أصدقاؤه في حرب أكتوبر 1973، ليسطر اسمه بطلًا شهيدًا أيضًا من أبطال الكتيبة 103 صاعقة، إلى جانب 29 جنديًا من جنود الصاعقة المصرية في الكتيبة 103 الذين ضحوا بأنفسهم في حرب أكتوبر.

ولم تكتفي هذه الكتيبة بهؤلاء فقط فعلي الرغم من مرور الكثير من الأعوام علي حرب أكتوبر إلا أن الكتيبة ما زالت مستمرة في تقديم أبطال وشهداء جدد ، فمن الشهيد محمد طه الذي ضحي بنفسه في حرب أكتوبر إلي الشهيد المجند محمد أيمن، الذي أنقذ 8 من زملائه: ضابطان، و4 جنود، واثنان من السائقين، من الحزام الناسف الذي كان يحمله أحد العناصر التكفيرية لتفجير الموقع الذي كان تتم مهاجمته في قرية المساعيد بمدينة العريش.

وفي تصريح خاص لـ “مدد” حدثنا أحد مؤسسي هذه الكتيبة وهو اللواء محي نوح فقال : هذه الكتيبة” 103 صاعقة ” شكلت من الصاعقة المصرية بين عامي 63 ،64 ، وكنت وقتها مدرس في مدرسة الصاعقة وبعد تأسيسها ذهبت إلي اليمن وظلت هناك لمدة عامين واستشهد هناك اثنين من مؤسسيها وهم ملازم يوسف حلمي، والملازم محمد إبراهيم ، وعادت مرة أخري إلي مصر ثم شاركت في معركة رأس العش واستشهد وقتها ثلاثة من مؤسسيها وهم الملازم عبد الوهاب الزهيري والملازم نبيل عجاج والملازم رفعت الزعفراني ، ثم أختيرت بعض العناصر واشتركت مع الكتيبة 43 وطلبت منا القيادة الذهاب إلي القاهرة والانضمام إلي فرع العمليات الخاصة وكان يقودها وقتها المقدم إبراهيم الرفاعي ، وطلب مني أن أختار أفضل العناصر والمعروفين بقدراتهم القتالية العالية من هذه الكتيبة لتبقي معنا وباقي العناصر التي لن يتم اختيار سوف ترجع إلي مدرسة الصاعقة مرة أخري ،وكانت معنا عناصر من الصاعقة البحرية .وبدأنا العمل مع المقدم إبراهيم الرفاعي ، ودخلنا في أكثر من عملية كللوا جميعا بالنجاح ، إلي أن وصل عدد العمليات إلي 39 عملية ،وبتتطور العمليات تطورت المجموعة إلي سرية ، التي يصل عددها إلى نحو 90 فردًا ما بين ضابط وصف وجندي، فإقترحنا أن يكون هناك عمل إداري لهذه العمليات ، وبالفعل قمنا بعمل إداري لهذه المجموعة مكون من الصاعقة البحرية والصاعقة البرية ، والعمليات الخاصة ،وأطلقنا عليه إسم ” المجموعة 39 قتال ” .