كنت مازلت أحتفظ بتلك النشوة الرائعة التى أحدثتها قراءة رواية ( بليغ ) لطلال فيصل . هذه النشوة التى تحدثها الكتب الجميلة وهذه بالظبط هى الحالة التى أحًدث فيها كل من حولى عن الكتاب الذى كنت أقرأه .

أرسلت لصديقى القاص محمود أمين أن يقرأ بليغ . فأرسل لى بدوره .. بليغ ؟ ! إشمعنا ؟ !! . فلم أجد مايمكننى الرد به فسكت ربما لأن النشوة لا يمكن شرحها، وكذلك بليغ لايمكن شرحه . بعدها بساعات وجدت صديقى يرسل رسالة اعتذار طويلة قائلا فى نهايتها . لقد اكتشفت ياصديقى أن أجمل الألحان التى سمعتها فى حياتى كانت لبليغ .

وأن جميع الجمل الموسيقية العبقرية التى مازات تتردد فى داخلى رغما عنى و التى تقذفنى الى النوستالجيا بقسوة ورعونة صنعها بليغ .

وأن قصة حبى الاول المبتسر والحزين لم تعرف نشوة البدايات ولوعة النهايات الا مع ألحان بليغ .. اعتذر صديقى لأنه لم يهتم قط أن يعرف من هو صاحب اللحن طالما كان يعرف المطرب الذى يغنيه .

ارتبط صديقى وجدانيا بعبد الحليم حافظ ووردة وعفاف راضى ومحمد رشدى وأم كلثوم ولكنه لم يعرف قط أن عبقرية بليغ تقف وراء كل هذا النغم المتدفق الشجى . هذه الجمل اللحنية الإستثنائية التى كانت تأتى من حقول نغمية بالغة الثراء والتفرد فتنثر عطرها على العالمين .

عندما قام صديقى بالبحث عن بليغ حمدى فى جوجول وجد طفولته وصباه وشبابه قد انتصبت أمامه كاملة تهتز بالطرب الشجى والحنين الجارف .

من أين نبدأ يا بليغ وكيف ننتهى ؟ كيف يمكننا الإحاطة بكل هذا الفيض الباذخ من النغم الذى يملأ حياتنا . كيف يمكننا أن ننتقى فنترك هذا وندع هذا ؟ دعنا اذن نبدأ وننتهى بالعيون السود . ربما لأنها اللحن الذى أعاد له قلبه الذى فارقه الى الجزائر فى رحلة بدت أبدية .

وربما لأنه اللحن الذى أراه على كثرة ماأبدع بليغ وإستقطر الألحان من حدائق النغم يظل هو اللحن الذى لاأمل تكراره أو سماعه رغم كل هذه الروائع التى ابدعها لأم كلثوم وعبد الحليم وغيرهما، تظل العيون السود هى علامة بليغ الفارقة وماركته اللحنية المسجلة .

.. هذا الإستهلال الهادر الناعم بمجموعة الكمنجات التى أمسكت بتلابيب العجم ثم أنها تفسح الطريق بنعومة للنهاوند .. للايقاعات التى سرعان ما تمهد لحوار شجى وأسيان بين الأورج والكمنجات . حوار تتجلى فيه الندية والجسارة، يتبادلون فيه الأدوار فى تكرار تلك الجملة شديدة العذوبة التى يتقادفونها بخفة ورشاقة تنقلنا فى ومضات خاطفة بين أجناس الرست والحجاز .

أخضع بليغ الأورج للحالة الشرقية تماما . طوعه للشجن والحوار الرقيق مع الآلات الشرقية فأصبح الأورج مصريا عربيا خالصا يمكنه منافشة الأكورديون الذى يؤدى نفس الجملة بحسه الشعبى الحزين .

قبل أن يصمت الجميع لنعود لنقطة البداية والكمنجات تهدر من جديد ثم يخف ايقاعها تدريجيا كى ينساب صوت وردة بالسؤال الهائم . وعملت ايه فينا السنين؟ تقولها بينما لازالت تأبى مغادرة النهاوند . تمسك بأهداب القفلة الشجية التى صنعتها الكمنجات ..

فرقتنا لا ! . غيرتنا لا ! ولا دوبت فينا الحنين … السنين

.. تعلن تحديها للزمان والمكان كى تخفض الكمنجات أجنحتها فى جمله تبدو كوسادة ناعمة قبل أن تنطلق ورده محلقة فى آفاق الكرد .. وبحبك . والله بحبك والله والله والله بحبك قد العيون السود بحبك . . وتبدو حالة التحليق فى الكرد وكأنها لن تنتهى .

قد أغانى الصبر بحبك .

وأنت عارف قلنا ايه فيها كل ليلة

وقال معانا الناى فى سهرنا ياحبيبى .. وينتهى استرسالها فى فيض المحبة وهى ترتفع مع الكمنجات الى ذروة عالية تؤطرها الايقاعات التى يبدو أن الجنون قد أصابها .. وشوف قد ايه بحبك

ثم بشرع بليغ فى نسج موسيقاه التى تفصله وتمهد لله للدخول فى حالة وجدانية يحكى فيها عن تلك السنين التى لم تفلح فى الفرقة والوقيعة

اللى كان . هو اللى كان . قدر يغيره فينا الزمان . وكأن الكرد قد استنفذ طاقته فى بث رسائل الهيام فترك للبياتى أن يحكى القصة من البداية . لاالزمان ولا المكان قدروا يخلوا حبنا .

. دا يبقى كان.

نحن نتأرجح هنا بين الكرد والبياتى فى جمله غير مسبوقة فى تاريخ النغم الشرقى بأكملة

كل ليلة من ليالى البعد عدت عليا

وانت مش جنبى يا روحى

يا نور عينيا يا نور عينيا

وهنا يعبر برشاقة الى مقام الحجاز كى يعلن أنه . قد كل الليالى دية واكتر شوية بحبك

وقد عمرى ونور عينيا يا نور عينيا بحبك.

إختار الحجاز كى يردد هذا النداء الأسيان الملحK

ثم يعادوده الحنين الى نهاوند البداية .

وشوف قد ايه بحبك

يصنع موسيقاه من جديد ليبلغ بنا شاطئ المحيط أخيرا

كل غنوة

عالفرح كانت

عالجرح كانت

عالصبر كانت

عالحب كانت

كتبها وقلتها

كانت عشانك

كل دمعه دمعه دمعه

عالخد سالت

عالرمش نامت

فى عيون ما نامت

من الدنيا عانت

جرح الهوى . مالوش دوا . إلا فى حنانك

يالله .. كيف تفوح كل هذه الزهور فى وقت واحد وكأن بليغ كان يدخر لنا الرست فى النهاية كى يحلق بنا فى أقصى نقطة من سماوات النغم المستعصية . بليغ يفعل بنا الأفاعيل هنا .. يترك لنا تلك الجملة العبقرية كى يرددها المحبون من بعده كلما عصف بهم الوجد أو استبدت بهم اللوعة . يتذكرون فى فيض نغمها تلك الذكريات التى تغمر قصص العاشقين وتتركهم فى النهاية لايملكون الا النغم واللوعة . وكما بدأ بالنهاوند يعود كى يحكم قفلته الشجية . وشوف قد ايه بحبك

سؤال أخير ياأستاذ بليغ . لماذا كنت تبدو وكأنك تحمل حزن الدنيا بداخلك هكذا دائما حتى وأنت تصنع موسيقى السعادة ؟ . لماذ اكتسى وجهك دائما بكل هذا الأسى الذى لم يعرف راحة ؟. أعتقد أن الوقت قد فات كى تجيبنا

.