في العام 1960 كانت الجمعية العمومية الأكثر زخماً وتأثيراً في تاريخ الأمم المتحدة والتي جاءت بعد سلسة من إعلان الاستقلال الوطني لعدد كبير من الدول الأفريقية والأسيوية وانضمامها رسمياً في عهدها الجديد الى الأمم المتحدة.

لم تكن مصر حديثة العضوية لكن حديثة الهوية بما قدمه عبد الناصر منذ العام 1956 وحتى 1960 من نموذج سواء على المستوى الداخلي وقرارته الإشتراكية وعلى رأسها خطوة تأميم قناة السويس التي أدت إلى حرب السويس عام 1956 أو على المستوى الدولي واتخاذه خطوات واسعة نحو الدول حديثة الاستقلال وتكوين تجمع “دول عدم الانحياز” التي ضمت أسماء كبرى فى تاريخ زعماء التحرر الوطني على مستوى العالم مثل نبيكروما ولوممبا ونهرو وتيتو بينما جاءت القضية الفلسطينية والدعم القومي العربي لها على رأس ملامح هذه الهوية وهو ما اتضح من الخطبة المطولة التي تستحق التأمل والتوقف عندها من كل من أتفق او اختلف مع سياسات “جمال عبد الناصر” إذا ما قورنت وما جاء على لسان الرئيس المصري الحالي “عبد الفتاح السيسي” في خطبته الأخيرة هذا الشهر فى نيويورك أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
57 عاماً تفصل بين الخطبتين وتكشف الفروق عن ملامح ما مرت به مصر والمنطقة العربية بل والعالم كله من تغيرات وما أفرزته السياسات.

إلى نص الكلمة:

سيادة الرئيس..

السادة أعضاء وفود الدول إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة:

إنه لشرف عظيم أقدره حق قدره أن تتاح لى الفرصة للاشتراك فى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويضاعف من تقديرى لهذا الشرف أن تتاح لى هذه الفرصة فى هذه الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وذلك لعدة أسباب.. أولها، أن المشاركة العالمية فى أعمال الأمم المتحدة قد اتسع نطاقها بشكل بارز وبعيد الأثر فى هذه الدورة بالذات؛ وذلك بانضمام ثلاث عشرة من الدول الإفريقية، وكذلك جمهورية قبرص، إلى الأمم المتحدة، بعد أن استطاعت شعوبها بكفاحها وصمودها أن تحصل على استقلالها السياسى.

وثانيها، أننا نشعر أنه فى الوقت الذى يتسع فيه نطاق الأمم المتحدة ويمتد، فإن هناك أخطاراً تهدد الأساس الذى تقوم عليه الأمم المتحدة؛ مما يفرض على جميع الذين يؤمنون بهذه المنظمة، وبالمبادئ التى انبثق منها ميثاقها أن يتجمعوا الآن للدفاع عنها باعتبارها أولى الوسائل التى يستطيع بها مجتمعنا الدولى أن يواصل تطوره السلمى إلى مثله العليا.

وثالثها، أن هذه الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة قد بدأت فى وقت اشتدت فيه حدة التوتر الدولى؛ حتى وصلت الحرب الباردة إلى ذروة خطيرة لم تصل إلى مثلها منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها؛ مما حمل معه تهديداً خطيراً للجنس البشرى ولكل ما استطاع عبر عصور ممتدة إلى أعماق الماضى أن يتبعه من حضارات؛ الأمر الذى يجعل العمل من أجل إنقاذ السلام وتوطيد إمكانياته واجباً محتماً وحيوياً على جميع الذين يؤمنون بالإنسانية وبمستقبلها.

هكذا – يا سيادة الرئيس – فإنه من دواعى سعادتى أن أضم صوتى إلى أصوات الذين تقدموا بالتهنئة إلى الدول التى انضمت مع مطلع هذه الدورة إلى الأمم المتحدة وأن أمد إليهم يد الترحيب؛ زملاء فى الحرية، رفاقاً فى الدفاع عن السلام، شركاء فى مسئولية التطور العالمى. وإذا كان لنا من كلمة نضيفها إلى هذه التهنئة وهذا الترحيب؛ فإنها كلمة الأمل فى مزيد من المشاركة العالمية فى الأمم المتحدة؛ بحيث تكون أبوابها مفتوحة أمام جميع الشعوب دون تحزب أو تعصب، ودون عوائق أو عقبات، بحيث يكون منبرها العالمى هو الصدى الحقيقى لأمانى هذه الشعوب، والميزان الدقيق لإحساسها بمسئوليتها كأعضاء فى المجتمع الدولى.

هكذا.. فإنى أنتهز هذه الفرصة لأكرر مطالبة الجمهورية العربية المتحدة بضرورة فتح باب الأمم المتحدة أمام الصين الشعبية، وإن شعبنا لا يرى ولا يتصور أن يبقى هذا الباب موصداً أمام ربع سكان الكرة الأرضية. وإننا لنعتبر أنه إذا كان توسيع نطاق الأمم المتحدة أمراً هاماً، فإن صيانة الأساس الذى تقوم عليه الأمم المتحدة أمر أشد أهمية؛ فإن الأمم المتحدة التى نؤمن بها ليست هذه القاعات الرائعة التى نجلس فيها الآن، وإنما هى مبادئ الميثاق وأحكامه التى جمعت طريقنا إلى هنا. وإنى لأستأذنك – يا سيادة الرئيس – فى مواجهة هذه المشكلة الحساسة فى صراحة، ذلك أننى أومن أن مستقبل الأمم المتحدة كله، ومن ثم مستقبل التطور السلمى يواجه هذه اللحظات امتحاناً قاسياً، وإن الأمم المتحدة الآن على مفرق الطرق، وعلينا تجاه التاريخ وتجاه المستقبل مسئولية أن نتدبر موقع خطانا حتى لا نضل عن الطريق.

وقبل أن ندخل إلى صميم هذا الموضوع فإننى أسمح لنفسى توكيداً لإيمان شعبنا بمبادئ الأمم المتحدة أن أعلن هنا أمامكم أنه ليست هناك مشكلة تتعلق بوطننا؛ الجمهورية العربية المتحدة، أو تتعلق بأمتنا العربية أو تتعلق بالقارتين اللتين تمتد بينهما حدودنا؛ إفريقيا وآسيا، أو تتعلق بما هو خارج ذلك من القضايا العالمية إلا ونحن على استعداد كامل لأن نقبل فيها ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، وقرارات الأمم المتحدة وأحكامها قضاء عادلاً فيها، برضى طيب، ونية حسنة. من هذا الإيمان بالأمم المتحدة، ومن هذا الاستعداد المتناهى للتعاون فى إطارها؛ نشعر بحقنا المطلق فى مواجهة الظروف التىأحاطت أخيراً بعمل الأمم المتحدة، بصراحة تنبع من الغيرة عليها والحرص على سلامتها. لقد شهدت القارة الإفريقية نهاية صورة من صور الاستعمار منذ أربعة أعوام، وتشهد القارة الإفريقية اليوم بداية صورة جديدة من صور هذا الاستعمار.

كانت السويس نهاية الاستعمار السافر المسلح ومقبرته، واليوم نجد أن الكونجو بداية الاستعمار المقنع؛ الذى لا يتورع حتى عن محاولة استغلال الأمم المتحدة ذاتها ستاراً يخفى وراءه مطامعه، ويقوم من خلف ظهره بمناوراته لتحقيق أغراضه. ولقد كان المعنى الحقيقى للسويس بالنسبة للحركات التحريرية فى آسيا وإفريقيا أنه قد مضى ذلك العهد الذى كانت القوى الاستعمارية تملك أن تحشد الجيوش فيه وتوجه الأساطيل إلى ضرب حركات التحرير. لقد أثبتت حرب السويس أن الحرية لها أسلحتها، وأن الحرية لها أصدقاؤها فى كل مكان، ولقد كنتم أنتم هنا فى هذا المكان – فى هذه القاعة بالذات – من أسلحة الحرية وأصدقائها، وبفضلكم وبفضل جهودكم التى مثلت قمة الإيمان العالمى بالحرية؛ استطاع شعبنا أن يصمد ضد العدوان، وما لبث المد الاستعمارى أن انحسر عن شواطئنا واندحر، وكان انحساره واندحاره نهاية عهد المطامع المسلحة. ولقد كان محتماً بعدها أن يبحث الاستعمار عن أداة أخرى لمطامعه. ولقد شهدنا بعد السويس ما يمكن أن نسميه فترة التردد الاستعمارى، فترة كان الاستعمار فيها حائراً بين دوافعه ومطامعه، وبين المراكز القوية التى استطاعت حركة التحرير أن تحصن بها نفسها.

هكذا رأينا الاستعمار متردداً بين الإقدام والإحجام، تناديه المطامع أن يضرب وأن يبطش ثم تشده حقائق الحياة عن المضى إلى تنفيذ هواه. ولقد تجلت فترة التردد الاستعمارى بأوضح صوره أيام ثورة شعب العراق، فحين هب هذا الشعب العربى المجيد يحرر بلاده من التبعية لمناطق النفوذ؛ رأينا الاستعمار بثورة الغضب المشتعلة يحشد الجيوش ويحرك الأساطيل، فإذا ما جاءت الساعة الثانية بعد ثورة الغضب الأولى؛ وجدنا الاستعمار يفيق للواقع فإذا هو لا يدرى ماذا يفعل بالجيوش التى حشدها، ولا بالأساطيل التى حركها، حتى جاءت أحداث الكونجو الأخيرة فأظهرت أمامنا كيف حاول الاستعمار أن يستفيد من درس السويس، وكيف حاول أن يجد لنفسه مخرجاً من حيرته.

هكذا رأينا الاستعمار البلجيكى فى الكونجو لا يواجه تيار التحرر الإفريقى بالقوة، ولا رأينا هذا الاستعمار يواجه هذا التيار التحررى بالانتظار أو التردد، وإنما وجدنا الاستعمار البلجيكى يتراجع بسرعة؛ أو بمعنى أصح يتظاهر بالتراجع، ذلك أن هذا التراجع الاستعمارى الظاهر لم يكن كما خامرتنا الشكوك وقتها يمثل نواياه الحقيقية، وإنما – وكما أثبتت الحوادث – كان هذا الاستسلام السريع للحرية مناورة للتحايل عليها، ومحاولة لضربها من ظهرها.

ولقد تصور الاستعمار أن تيار الحرية ثورة عاطفية؛ يترك شعلتها إلى مداها حتى يفرغ وقودها فإذا هى تنطفئ، وكانت التجربة التى واجهها شعب الكونجو الحر – وإننا لنسانده فيها ونناصره – أن يثبت للاستعمار أنه إذا كانت الحرية بسلاحها وأصدقائها قادرة على الدفاع عن نفسها ضد العدوان المسلح – كما حدث فى السويس – فإن للحرية فكرها ووعيها، وبهما تقدر على أن تكشف وجه الاستعمار من وراء الأقنعة التى يتستر بها ويتوارى وراءها. على أن الخطر الأكبر الذى واجهه شعب الكونجو وواجهناه معه؛ هو أن الاستعمار يحاول اليوم أن يتخذ من الأمم المتحدة أحد أقنعته.. هكذا وجدنا للمحاولة الاستعمارية فى الكونجو ضحيتين؛ شعب الكونجو والأمم المتحدة.

ومن أجلهما الآن وهما يواجهان نفس الخطر نناشد الذين يؤمنون بالحرية وبالأمم المتحدة طريقاً إلى تطوير المجتمع الإنسانى؛ أن يقفوا صفاً واحداً للدفاع عنهما معاً. ولقد ذهبت الأمم المتحدة إلى الكونجو بدعوة من حكومة الكونجو الشرعية، وليدة يوم الاستقلال وثمرته؛ لتحقق هدفين: أولهما حماية استقلال الكونجو، وثانيهما صيانة وحدته الوطنية. وكانت حماية الاستقلال تستهدف إجلاء جنود الاستعمار، وكانت صيانة الوحدة الوطنية تستهدف إزالة الحواجز الصناعية التى حاول الاستعمار بواسطة أعوانه أن يمزق بها الوطن الواحد ويفرقه. ونسأل أنفسنا الآن ماذا حدث؟ نسأل أين هو الاستقلال فى الكونجو؟ والجواب: أن الاستعمار بجنوده وسلاحه مازال فى أجزاء من الكونجو.

ونسأل: وأين هى الوحدة الوطنية؟ والجواب: أنه من المفارقات المروعة أن حكومة الكونجو الشرعية الوطنية تواجه المصاعب، بينما جماعة التمرد التى يحركها الاستعمار هى وحدها المستقرة فى كاتنجا. وإنه لتدهور فى الموقف خطير، ولكن الخطر الأكبر أن ذلك كله حدث وعلم الأمم المتحدة يخفق فوق الكونجو، كيف حدث ذلك؟ ومن المسئول عنه؟ تلك أسئلة من حقنا هنا بل من واجبنا أن نجد الإجابة عنها، لا من أجل شعب الكونجو وحده، وإنما أيضاً من أجل الأمم المتحدة ومن أجل شرف علمها. ولسوف يبقى بعد ذلك كله سؤال: كيف نواجه الموقف؟ والجواب فى رأى الجمهورية العربية المتحدة أنه لابد أن تعود الأمور سيرتها الأولى، إن تصحيح الخطأ يقتضى الرجوع إلى ما قبل نقطة بدايته، وإذا ما جال فى تصور أى منا أن طريق الرجوع صعب المنال، وأن الأمر الواقع كما هو الآن يصلح ليكون أساساً لإصلاح الموقف؛ فإنى أسمح لنفسى من تجربتنا الخاصة، ومن آلام منطقتنا من العالم أن أرفع صوتى بالتنبيه والتحذير: إن السكوت على خطأ سوف يؤدى إلى سلسلة من الأخطاء، وإن بذور المشاكل وإن بدت صغيرة لو تركت فى الأرض الآن فإن مرور الزمان لن يدفع بها إلى النسيان، بل إن هذه البذور سوف تكبر مع كل يوم، ولن يزيدها مر السنين إلا تعقيداً وخطورة.

سيادة الرئيس:

فى منطقتنا من العالم فى الشرق العربى نسيت الأمم المتحدة ميثاقها، ونسيت مسئولياتها المتعلقة بحقوق شعب فلسطين، فهل أدى مر الأيام والسنين إلى حل للمشكلة؟ هل نسى شعب فلسطين وطنه وأرضه ودياره؟ هل نسيت شعوب الأمة العربية مأساة شعب منا تآمر الاستعمار الذى كان قائماً بالانتداب عليه بتكليف من عصبة الأمم، فإذا بهذا الاستعمار يقطع الوعد لآخرين بوطن يملكه غيرهم؟ ومنذ متى كانت أوطان الشعوب ملكاً للمستعمر ينزعها بكلمة منه من أصحابها ويعطيها لغيرهم وفق مشيئته؟ ولكن للاستعمار منطقه، وكان منطق الاستعمار فى جريمته من شعب فلسطين أن يمزق الوحدة الجغرافية للعالم العربى من ناحية، وأن يقيم لنفسه وسط العالم العربى من ناحية أخرى قاعدة يهدد منها الشعوب العربية، وما أظننا نملك دليلاً على ذلك أقوى من دليل التآمر الذى صاحب العدوان الثلاثى علينا سنة ١٩٥٦.

والآن، هل قبلت شعوب الأمة العربية الفرقة الجغرافية التى فرضها عليها الاستعمار؟ من المظاهر الجديرة بالتأمل أن تيار الوحدة العربية استمد من هذا العدوان قوته الكبرى، فإذا هو فى أعقابه يحقق قيام الجمهورية العربية المتحدة. وهل قبل شعب فلسطين ضياع وطنه؟ وهل قبلت الشعوب العربية هذا الضياع؟ من المؤكد أن تصميم الشعوب العربية على الحقوق العربية فى فلسطين أصبح بعد هذا العدوان من أكبر القوى المحركة للحوادث فى الشرق العربى. والحل.. الحل الوحيد فى فلسطين، كما هو الحل الوحيد فى الكونجو؛ أن تعود الأمور سيرتها الأولى، وأن ترجع إلى النقطة التى بدأ الخطأ عندها. فى الكونجو لابد أن تعود الأمور إلى الموقف كما كان حين قامت الحكومة الشرعية فى ليوبولد فيل بدعوة الأمم المتحدة إلى مساعدتها، وكما كان حين وافقت الأمم المتحدة على هذه الدعوة بهدف حماية استقلال الكونجو وصيانة وحدته الوطنية. وفى فلسطين لابد أن تتحمل الأمم المتحدة مسئولياتها تجاه فلسطين وشعبها العربى.. تلك أبسط حقوق ذلك الشعب الباسل الذى واجه فى القرن العشرين محنة لم يسمع بمثلها فى أظلم عصور التاريخ، وذلك هو الحل الوحيد لمشكلة اللاجئين من أبناء هذا الشعب. وإن الأمم المتحدة هنا تعلم من سوء أحوالهم ما يكفى لرسم صورة محزنة للظلام الذى يحيط بمليون من البشر؛ طردوا من أوطانهم وديارهم، وسلبوا كل ما كانوا يملكون، بل كل حياتهم.

ولست أريد هنا أن أستدر دموعاً على أحوال اللاجئين من شعب فلسطين، وإنما نريد لشعب فلسطين حقوقه كاملة، ولا نريد له الدموع. وإن التعلل بالأمر الواقع لخطيئة كبرى ترتكب فى حق المبادئ، ولو قبلنا هذا التعليل لما جاز مطاردة السارق لنسترد منه ما سرق، ولنقتص منه بحكم القانون ذنبه؛ ذلك أن سرقته تصبح بعد إتمامها أمراً واقعاً، إنما الأمر الواقع على غير أساس من العدل وحكم القانون اعوجاج ينبغى على المجتمع تقويمه وتلافيه.

سيادة الرئيس:

إنه من الأمور البالغة الأهمية ألا تنسى الأمم المتحدة نفسها.. لا تنسى ميثاقها ولا تنسى قراراتها؛ وإلا فإننا نشجع بذلك الذين يحاولون تناسى الأمم المتحدة وتجاهل وجودها، وإننا لنرى أمامنا المثال الصارخ الفاضح لهذا التجاهل فى سياسة فرنسا تجاه الجزائر؛ فلقد عرقلت الحكومة الفرنسية كل محاولة للأمم المتحدة تستهدف وضع حد للمجازر الاستعمارية فى الجزائر، وراحت هذه الحكومة تتصور أنها قادرة بالمدافع على أن تغير إرادة الله الذى جعل الجزائر قطعة من القارة الإفريقية، وجعل شعبها جزءًا من الأمة العربية، فإذا هى تحاول أن تجعل من أرضها امتداداً جغرافياً لفرنسا، ومن شعبها شعباً تابعاً مستعبداً.

وبرغم كل المحاولات التى بذلتها الحكومة الجزائرية الحرة؛ التى تعبر عن تصميم شعب الجزائر، وترمز لإصراره على الاستقلال، رغم كل المحاولات التى بذلتها هذه الحكومة الجزائرية من أجل الوصول إلى حل سلمى؛ فإن هذه المحاولات كلها لم تصل إلى نتيجة إيجابية، بل لقد حدث – يا سيادة الرئيس – فى مطلع سنة ١٩٥٦ أن وزير خارجية فرنسا فى ذلك الوقت مر بالقاهرة، وكان حديثنا بالطبع عن الحرب فى الجزائر، وكانت هذه الحرب قد سلخت حينذاك أقل من عام من عمرها، وطلبت منى الحكومة الفرنسية بلسان وزير خارجيتها أن أتوسط لإيجاد حل سلمى، وكان ردى أننى على استعداد للتوسط صيانة للحقوق وصيانة للدماء، وإنه ليس أحب إلينا من عقد سلم شريف يصون لكل صاحب حق حقه. وأبدت الحكومة الفرنسية فى ذلك الوقت رغبتها فى إرسال وفد إلى القاهرة ليتولى المفاوضات مع زعماء المقاومة فى الجزائر، ولقد أرسلت فعلاً إلى هؤلاء الزعماء أدعوهم إلى القاهرة ليلتقوا بالوفد الفرنسى حين يجئ؛ لعل المحاولة أن تسفر عن بارقة رجاء، ومن المؤسف أن الوفد الفرنسى وصل إلى القاهرة فعلاً والتقى بالوفد الجزائرى، ثم سافر هذا الوفد إلى فرنسا لإجراء مشاورات مع حكومته، وظل الوفد الجزائرى فى انتظاره فى القاهرة، ولكن الوفد الفرنسى لم يعد حتى هذه اللحظة إلى القاهرة، بل كان ما هو أكثر مدعاة للأسف؛ إذ ظلت فرنسا تتحين الفرص بهؤلاء الزعماء حتى استطاعت أن ترغم طائرة مدنية كانوا بين ركابها فوق البحر على النزول فى أحد المطارات الخاضعة لسيطرتها، ثم ألقت القبض على هؤلاء الزعماء.

ولو أن هذه الرغبة فى السلم القائم على العدل من الجانب الجزائرى العربى، بل ومن الإجماع العربى عموماً لقيت ما كانت تستحقه من نية حسنة، لما مضت الحرب بعد ذلك أربع سنوات كاملة. وإنه لمن دواعى الأسف أن الحكومة الفرنسية راحت تقيم معسكرات الاعتقال، وراحت تجرب كل ألوان التعذيب الوحشى ضد الأحرار من ثوار الجزائر؛ الأمر الذى ثار له الضمير العالمى حتى فى فرنسا ذاتها.

وإنه لمن المؤلم أن وفد الحكومة الجزائرية لم يجد حين ذهب أخيراً إلى ميلون فى فرنسا وراء الأمل الشاحب فى إيجاد حل؛ غير تلك المعاملة الفظة المتجبرة الراغبة فى إملاء شروطها، ولكن وفد الحكومة الجزائرية الحرة لم يذهب إلى ميلون للاستسلام؛ وإنما ذهب للسلام. وليس يخالجنا شك فى أن الحرب الدائرة فى الجزائر اليوم، والتى قدم لها الشعب الجزائرى طواعية أرواح مليون من أبنائه حتى الآن؛ لا يمكن أن تنتهى بغير انتصار الحرية، وإن الأمم المتحدة اليوم ليتعين عليها أن تقوم بواجبها، وما أظن أننا نغالى فى الطلب إذا تقدمنا الآن نطلب حق الشعب الجزائرى فى تقرير مصيره، على أساس استفتاء يتم تحت إشراف الأمم المتحدة وفى رقابتها وحماها.

سيادة الرئيس:

لابد للأمم المتحدة فى ذلك كله وفى غيره؛ وعلى الأخص فى مشكلة التمييز العنصرى المقيت، وفى أمر كفاح الشعب العربى فى عمان، والمحميات فى شبه الجزيرة العربية؛ أن تذكر وجودها حتى تفرض هذا الوجود باعتباره المفهوم الوحيد للسلام القائم على العدل، وهنا أستأذن الجمعية الموقرة فى الاستطراد إلى ملاحظتين تتعلقان بمظاهر وجود الأمم المتحدة..

الملاحظة الأولى: أننا نحس فى بعض الأحيان أن ثمة محاولة من بعض الدول الكبرى إلى اعتبار الأمم المتحدة أداة لها فى الحرب الباردة، وذلك – لو كان هذا الإحساس ينطبق على الواقع – وهم ينبغى العدول عنه. إن الأمم المتحدة لنا جميعاً، وبنا جميعاً، ومن أجلنا جميعاً.. لا هى لدولة دون دولة، ولا هى لكتلة ضد كتلة، ولا هى لحساب معسكر على حساب معسكر آخر، صوتها دائماً للحق؛ لأن الحق هو الحرية، والحرية هى الطريق إلى السلام، هذه ملاحظة.

والملاحظة الثانية: تتعلق بالجو الذى أحاط ببعض وفود الدول إلى هذا الاجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن بعض الوفود التى قدمت إلى هنا ولم يكن وفدنا بينها؛ ولذلك نبدى الملاحظة دون تحرج أو حساسية، لم تلق ما كان يجب أن تلقاه فى تقديرنا من روح الفهم والتسامح، وإننا لنؤمن أنه من حظ الأمم المتحدة أن تكون هنا فى ضيافة الشعب الأمريكى العظيم، ولكننا بنفس المقدار نؤمن أنه شرف للشعب الأمريكى أن تكون الأمم المتحدة فى ضيافته.

سيادة الرئيس:

لقد أحسست أنه من واجبى أن أقول كل هذا الذى قلته عن الأمم المتحدة، وعن ميثاقها، وعن أعمالها، وعن الظروف المحيطة بها، لا لأنى أقصد نقداً أو إحراجاً؛ ولكن حرصاً على الأمم المتحدة وغيرة على ميثاقها، وإيماناً مطلقاً بها منا نحن الذين عشنا خلال كفاحنا ضد الاستعمار وقتاله مع الأمم المتحدة فى أروع أيامها، نحن الذين نعتبر أن تعاون الأمم المتحدة معنا وتعاوننا معها، خلال تلك الظروف العصيبة التى مر بها وطننا؛ من أعظم بواعث الأمل فى مستقبل المجتمع الدولى، نحن الذين شهدنا الأمم المتحدة تحرز فى بلادنا أعظم انتصاراتها لمبادئها وميثاقها، نحن الذين برز معنى الأمم المتحدة فى بلادنا كحقيقة تعلو على مطامع الاستعمار وأهواء الدول الكبرى.

وأنتقل الآن إلى السبب الثالث من أسباب اهتمامنا بهذه الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وهو ازدياد حدة التوتر الدولى، واشتداد الحرب الباردة إلى حد لم يسبق له مثيل منذ انتهت الحرب العالمية الثانية. إن أعز أمانينا – يا سيادة الرئيس – أن تمضى هذه الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة فى التاريخ باعتبارها دورة السلام، وليس معنى ذلك أننا نتصور أن المشاكل الكبرى ذات الجذور المتشعبة المتشابكة التى تواجه الآن هى مما يسهل حله فى اجتماعات تعقد أو مناقشات تدور، خلال الفترة القصيرة من الزمان التى تستغرقها دورة الانعقاد الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنما كل الذى نطمع فى تحقيقه، ولسوف يكون رضانا كاملاً إذا استطعنا مع غيرنا أن نسهم فيه؛ هو خلق جو أفضل لا تشوبه الحدة أو التوتر، وتكون تلك هى الخطوة الأولى تمهيداً لعملية البحث عن حلول لما يعترضنا الآن من مشاكل، تكون تلك هى الخطوة الأولى لخلق ظروف تكون الغلبة فيها للعقل لا لمؤثرات العواطف، ولمقتضيات المستقبل لا لعقد الماضى ورواسبه.

وإنكم لتعلمون – أيها السادة – أن الجمهورية العربية المتحدة تؤمن بسياسة عدم الانحياز، وتتخذها أمامها ميزاناً لا يحيد ولا يهتز، وما أظننى فى حاجة إلى أن أعيد على مسامعكم قصة التضحيات التى بذلتها أمتنا العربية لتحافظ على عدم الانحياز؛ إيماناً منها بأن ذلك أدعى إلى ضمان استقلالها من ناحية، وأدعى إلى صيانة السلام الحقيقى من ناحية أخرى. ولقد رفضنا – رغم كل المؤثرات – أن نكون من أدوات الحرب الباردة، وكذلك جاهدنا، وما وسعنا الجهد وواتتنا الظروف لشرح هذه السياسة إدراكاً منا أن السلام لا يتوافر بانقسام العالم إلى أجزاء متخاصمة أو كتل متباعدة، لا صلة بينها غير الخنادق والأسلاك الشائكة، تربض وراءها، معدات العدوان وأسلحة القتل والتدمير، وإنما يتوافر السلام بأن تتسع جبهة اللقاء بين الشعوب، وأن يجرى بينها الاتصال المنتج والتفاعل الخلاق على أوسع نطاق ممكن.

ولقد كان مؤتمر باندونج الذى اجتمعت إليه الشعوب الإفريقية – الآسيوية ذروة من ذرى كفاحنا الوطنى فى الدعوة الإيجابية إلى مبادئنا؛ كذلك فإن هذه القاعة بالذات – قاعة الجمعية العامة – قد شهدت ذروة استعدادنا للدفاع عن هذه المبادئ؛ وذلك حينما وقفت الأمة العربية ترد العدوان المسلح على مصر فى شهرى أكتوبر ونوفمبر سنة ١٩٥٦. ولقد كان مما شرف كفاحنا ورفع من قدره أن المجتمع الدولى المتحضر؛ ممثلاً فى هذه الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد انتصر لدفاعنا عن مبادئنا، ووقف ضد محاولات العدوان عليها.

ذلك هو إيماننا بعدم الانحياز طريقاً إلى السلام، إيماننا به دعوة صادقة خالصة، وإيماننا به نضالاً إيجابياً مقاتلاً.. من هذا الإيمان بالحق وبالسلام المستند عليه تجئ الجمهورية العربية المتحدة إلى هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشارك فى أعمالها بكل طاقاتها وإمكانياتها. وإنى لأقول أمامكم هنا – باسم الجمهورية العربية المتحدة، وتعبيراً عن فكرها وضميرها – إننا نؤمن أن مشكلة السلام والحرب ملك جميع الشعوب؛ باعتبارها قدر شعوب الأرض جميعاً ومصيرها.

إن الدول الكبرى لا تملك وحدها كلمة السلام أو الحرب، وإنما الجنس البشرى كله؛ مستمداً الحق من تضحيات شعوبه على اختلافها؛ من أجل صنع الحضارة ودفع التطور، ومن تطلع شعوبه كلها إلى الأمن، هو الذى يملك الكلمة العليا. هكذا فإننا فيما يتعلق بالسلام ننحاز ولا نحايد، إننا ننحاز إلى جانب السلام وضد الحرب، وإذا كان لنا من تحفظ واحد على هذا الموقف القاطع الذى لا حياد فيه؛ فهو أن السلام الذى نريده هو السلام القائم على العدل، دون تفرقة ودون تمييز. بهذا الإيمان فى أعماق ضمائرنا، وبهذا الهدف أمام عيوننا جئنا إلى هذه الدورة مؤمنين أنه فى مجالها.. فى مجال الأمم المتحدة يكون العمل الفعال من أجل السلام، ومع أننا نؤمن بكل جهد يبذل من أجل السلام مهما كان مجاله؛ فإننا نؤمن فى نفس الوقت أن احتمالات النجاح أقوى فى نطاق الأمم المتحدة منها فى أى مجال آخر خارجها.

من هنا كان تأييدنا لمؤتمر القمة الذى كان مقرراً عقده فى باريس فى ١٨ مايو الماضى، ومن هنا كانت أمانينا الصادقة بأن يحقق ما كان مرجواً له أو بعضه على الأقل. ومع أننا نؤمن بأنه قد مضى ذلك العهد الذى كانت الدول الكبرى فيه تملك وحدها تشكيل صورة المستقبل؛ إلا أن ذلك لم يقلل من اهتمامنا بمؤتمر باريس، أو يضعف من تقديرنا للآمال المعلقة عليه؛ ذلك أنه فى مشكلة السلام يصبح كل جهد مهما كان مصدره، ومهما كان شكله باباً من أبواب الرجاء.

ولما انتهى مؤتمر باريس إلى نهايته المؤسفة التى صار إليها؛ بحكم ما سبقه وما أحاط به من ظروف، كان رأينا أنه لا ينبغى لنا بحال من الأحوال أن نترك هذه الصدمة تقتل الأمل فى السلام؛ لأننا وجدنا فى هذه الصدمة حافزاً جديداً لشحن العزائم نحو جهود أكبر وأوسع مدى، ولم نجد أمام العالم خياراً يعوضه عن ذلك إلا أن تترك البشرية نفسها للشكوك والمخاوف، وللتحفز والتربص والتجسس؛ الأمر الذى يدفع عالمنا إلى ظلام دامس لا يرى فيه مواقع قدميه.

ولقد كان ترحيبنا فائقاً بأن تكون الأمم المتحدة هى ميدان هذه الجهود، وأفقها الواسع؛ إيماناً بأن وحدة المصير العالمى إذا ما وقعت الحرب تفرض مشاركة واسعة فى تحمل المسئولية من أجل صيانة السلام، وليس هناك من تنظيم يمكن أن يجمع هذه المشاركة الواسعة فى تحمل مسئولية السلام خيراً من هذه المنظمة؛ التى هى فى حقيقتها تجسيد عملى لرغبة الشعوب فى هذا السلام، كما أنها الإطار الذى ارتضته الشعوب الحرة كلها تنظيماً لهذه الرغبة. على أن ضرورة مواجهتنا للموقف فى أمانة تحتم علينا أن نحدد بوضوح أن نصيب كل منا فى تحمل المسئولية إنما يرتبط بقوته وطاقته؛ وهكذا فإن الدول الكبرى تحمل من هذه المسئولية فى حدودها المادية أكثر مما تحمله غيرها من الدول. وإن كان التساوى بيننا جميعاً فى مسئولية الضمير، وإذا كنا جميعاً نملك بقدر متكافئ أمل السلام فإن الدول الكبرى تمسك أكبر المفاتيح لهذا الأمل؛ ذلك أن الأمل مهما سمت درجته لا يملك وحده أن يخفف حدة التوتر العالمى، ولا يملك أن يزيل الشكوك والمخاوف، ولا يملك أن يرفع القواعد العسكرية المتحفزة، ولا يملك أن يلقى فى المحيط بأدوات التدمير النووى المكدسة فى المخازن، أو المتأهبة على الصواريخ العابرة للقارات. وإذا كانت الشعوب المحبة للسلام تستطيع أن تكون نداء الضمير فى عالمنا؛ فإن الدول الكبرى هى أعصاب هذا العالم، وعلى سلامة هذه الأعصاب ترتكز سلامة الكيان كله.

على أننا بعد ذلك كله لا نتصور أن موقفنا هنا سيكون موقف التعلق بالأمل وحده؛ وإنما – وأظننى فى هذا لا أعبر عن الجمهورية العربية المتحدة وحدها – وإنما أنقل إلى مسامعكم أيضاً ما فهمناه وأحسسنا به من اجتماعات عريضة مع الشعوب الآسيوية والإفريقية، ومؤتمرات امتدت على الخط العريض من باندونج إلى دلهى إلى القاهرة إلى أكرا إلى كوناكرى؛ مؤتمرات أعلنت فيها شعوب هاتين القارتين العظيمتين، أنها بعد الأمل فى السلام على استعداد للعمل من أجله إلى أقصى المدى الذى تسمح به الظروف العملية التى تحكم عالمنا.

وعلى هذا الأساس فإننا نرى أن هناك مشكلتين عمليتين تواجهان عالمنا اليوم، وعندهما يمكن أن نجد التفسير الحقيقى لما يجرى أمامنا من الحوادث؛ المشكلة الأولى منهما هى مشكلة نزع السلاح، والمشكلة الثانية هى مشكلة الاندفاع العظيم نحو الحرية؛ سواء فى ناحيتها السياسية أو – وذلك أمر بالغ الأهمية – فى ناحيتها الاقتصادية. وفيما يتعلق بمشكلة نزع السلاح، فإننا نرى أن هناك مرحلة تمهيدية لابد منها قبل الوصول إلى تفاصيل الحلول لهذه المشكلة، تلك المرحلة الحتمية هى ضرورة وجود الرغبة فيها عملاً قبل إبداء هذه الرغبة قولاً، ولا يمكن أن توجد هذه الرغبة إلا بعد أن تزول أعراض الحمى المفاجئة التى ارتفعت بها حرارة الحوادث بعد أن تحطم مؤتمر باريس.

وإننا لنرى للدول غير المنحازة دوراً كبيراً فى هذه المرحلة، وإننا لنؤمن أن توسيع نطاق التشاور والاتصال هو فى حد ذاته مساهمة إيجابية فى مواجهة الحدة والتوتر؛ كذلك فإننا نرى أن إجراء هذه المشاورات والاتصالات فى نطاق الأمم المتحدة؛ هو بمثابة محاولة لوضع ضمان يمنع أياً منا أن يختط لنفسه بعيداً عن المجموعة الدولية طريقاً يشرد إليه، على أننا نعود فنكرر أن مواجهة المشكلة فى إطار الأمم المتحدة لا ينفى عن الدول الكبرى نصيبها الأكبر فى المسئولية؛ ذلك أن مشكلة نزع السلاح تتصل باعتبارات علمية وفنية بالغة التعقيد، وإن الدول الكبرى التى استطاعت بإمكانياتها أن تصل إلى التفوق العلمى والفنى الذى مكنها من صنع الأسلحة النووية لأقدر من غيرها – بحكم هذه الإمكانيات – على أن تجد الوسائل الفعالة لإزالة الخطر الذى يهدد العالم، وتحويل الطاقة النووية من مجال التدمير، لكى تصبح طاقة محركة للتقدم نحو الأفق غير المحدود؛ الذى شاء لنا الله أن نصل إليه حين فتح مغاليق الكون وأسراره أمام عيوننا.

هكذا فإننا – الدول غير المنحازة – نقدر على الدعوة من أجل السلام، ونقدر على أن نصل الأطراف المتباعدة وصولاً إلى التعايش السلمى بين الدول ذات العقائد الاجتماعية المختلفة، ونقدر على المساهمة فى خلق الجو الذى يساعد على تخفيف حدة التوتر ويشيع الطمأنينة فى النفوس، ثم لا نملك بعد ذلك إلا أن نشارك فى وضع القواعد العامة التى يمكن أن تصل بنا إلى النتائج المثمرة.. نملك أن ننادى بإزالة القواعد العسكرية، ونملك أن ننادى بوقف التجارب على الأسلحة النووية والتخلص من المخزون المكدس منها فى مخازن الدول الكبرى، ونملك أن ننادى بوضع نظام للرقابة يكفل الطمأنينة والأمن، ونملك أن ننادى بتخفيض مستمر ودائم فى ميزانيات التسليح، ثم يبقى الواجب المحتم على الدول الكبرى؛ وهو أن تجد الحلول العملية والفنية للمشاكل المترتبة على تفوقها العلمى والفنى، وأن يتم أداء هذا الواجب هنا فى الأمم المتحدة.

وما من شك لدينا فى أن وجود هذا العدد الكبير من أقطاب العالم وزعماء الشعوب هنا فى هذه القاعة الآن؛ فرصة يصعب أن تتكرر، ولابد لنا من توجيه هذه الفرصة لصالح السلام، وما أظن أن شعوبنا سوف تغفر لنا إذا تركنا هذه الفرصة تمر دون أن نعطيها من فكرنا ومن جهدنا ما يكفل حسن الفائدة منها. ولقد سمعتم هنا قول الرئيس “دوايت أيزنهاور” – رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية – بأن بلاده على استعداد للبدء فى مفاوضات من أجل نزع السلاح، كذلك سمعتم مثل هذا الاستعداد من الرئيس “نكيتا خروتشوف” – رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى – وإننى لأسأل: ما الذى ننتظره بعد أن أبدى كل من هذين الرئيسين، اللذين تكن لهما شعوبنا كل تقدير واحترام؛ هذه الرغبة من جانبه لكى نطلب منهما على الفور أن يبدءا من غير انتظار ما عرضاه أمامنا.

وإننا نقترح أن تصدر الجمعية العامة توجيهاً بضرورة أن يجتمع الزعيمان الكبيران تحت علم الأمم المتحدة إما وحدهما أو معهما من ترون من الحاضرين هنا لكى يضعوا تحت سمع الأمم المتحدة وبصرها قواعد بدء المحاولة من جديد فى اتجاه نزع السلاح.

سيادة الرئيس:

ثم تبقى مشكلة الاندفاع العظيم نحو الحرية.. والحرية الاقتصادية منها بوجه خاص، وإننا لنرى وترون معنا هذه الانطلاقات المجيدة الحرة فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وإنه ليكفى فى تقديرنا هذه الزيادة المشجعة فى عدد الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة، فلقد اشتركت فى الدورة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة ثمان وأربعون دولة، وها نحن نجد من حولنا الآن فى هذه القاعة ما يقرب من المائة دولة.

وليس يخالجنا شك – ونحن نرى فلول الاستعمار تتراجع فى كل مكان أمام زحف الشعوب المتطلعة إلى الحرية – فى أن نطاق الأمم المتحدة سوف يزداد اتساعاً وقوة، وأن السنوات القليلة القادمة سوف تحمل إلينا هنا أعلاماً جديدة تمثل انتصارات جديدة فى مجال الحرية السياسية. على أننا نقول من الآن أن هذا التطور العظيم المرتقب لن يحل مشكلة الاندفاع إلى الحرية، بل نكاد نقول إنه إذا لم يعالج الأمر بروح من التقدير الواعى؛ فإن مشكلة الاندفاع إلى الحرية سوف تزداد فيما تخلقه من أسباب للشد والجذب ومن دواع للصراع والصدام. ذلك أن الشعوب التى حصلت على حريتها السياسية أو تلك التى تتوقع أن تحصل عليها فى القريب العاجل تتطلع إلى الحرية الاقتصادية وتستعد لمعارك الكفاح من أجلها، بل إن هذه الشعوب حديثة الاستقلال لتؤمن إيماناً قاطعاً بأنها إذا لم تحصل على الحرية الاقتصادية؛ فإنها لن تجد الدعامة التى تستطيع بها حماية حريتها السياسية.

وإن الكثير مما يجرى اليوم فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وما قد تدهشنا مظاهره الحادة، إنما هو فى حقيقة أمره من بعض مظاهر الاندفاع نحو التحرر الاقتصادى. إن الشعوب الحديثة الاستقلال تؤمن أن حريتها الحقيقية هى فى إيجاد مستوى من المعيشة لائق بأبنائها.

ثم أن الشعوب الحديثة الاستقلال – ومن واجبى أن أقول ذلك هنا بصراحة – تتعجل الطريق إلى النمو الاقتصادى، وتشعر أنها لم تعد تملك الوقت لتضيعه بعد التخلف الطويل قياساً إلى غيرها. ولقد يكون هناك من يرى أن العجلة طريق إلى الخطأ، ولكننا إذا سلمنا بذلك نكون قد ارتكبنا خطئا أكبر هو نسيان طبيعة الظروف، إن طبيعة الظروف التى نعيش فى ظلالها الآن تجعل من الانتظار الطويل أمراً لا تحتمله الشعوب. ولعل التقدم العلمى أول هذه الظروف التى نعيش فى ظلالها، ذلك أن أى فلاح فى أقصى الجنوب من وطننا فى أسوان إلى أقصى الشمال من وطننا فى القامشلى مثلاً يملك بلمسة إصبع أن يدير أحد أجهزة الراديو أو يجرى بعينيه على سطور جريدة فإذا هو يسمع ويرى عن مستوى المعيشة الكريم الذى وصل إليه المواطن الأمريكى العادى، أو يسمع ويرى عن الأعمال الباهرة التى تقوم بها شعوب الاتحاد السوفيتى ثم إذا هذا المواطن يقارن بين حاله وبين ما وصل غيره إليه، ثم إذا الثورة تملك نفسه من غير حقد على غيره نزوعاً إلى رفع مستوى معيشته ومساواة بينه وبين غيره من البشر الأحرار.

ولقد يقال لشعوبنا إن الصبر ضرورة وإن شعوباً غيرنا قد تحملته، وإنما دعونى هنا أذكر بأن طاقة أى جيل على الصبر تقاس بظروف هذا الجيل لا بظروف غيره من الأجيال، والذين كانوا يقدرون على الصبر مثلاً حتى يقطعوا المحيط فى قارب يدفعه الريح، يختلفون تماماً عن الذين يقدرون على قطع المحيط فى بضع ساعات بطائرة نفاثة.

وليست هذه صورة من صور الكلام، وإنما هى صورة من صور الحقيقة ذاتها فى هذا الزمان الذى نعيشه، وإن شعوبنا لتشعر أنه قد فاتها عصر البخار، وفاتها عصر الكهرباء، ويوشك أن يفوتها عصر الذرة بإمكانياته الرائعة.

من هنا نرى تصميم الشعوب على تحقيق حريتها الاقتصادية، ومن هنا نرى اندفاعها العنيد فى ميادين التطوير الصناعى والزراعى وميادين المساواة الاجتماعية. وإذا كنا نرى للأمم المتحدة دوراً عظيماً فى دفع هذا التطور إلا أننا نجد من الأمانة علينا هنا أمامكم أن نقول إن الشعوب المتطلعة إلى الحرية الاقتصادية لن تنتظر، إنها ستقبل كل عون يقدم إليها عن طريق الأمم المتحدة، وإنها لن تتردد فى قبول كل عون غير مشروط يقدم إليها خارج الأمم المتحدة، إنها سوف تمد أقدامها لتخطو كل خطوة تقدر على خطوها، ولسوف تحارب مصممة ضد كل عائق يحول بينها وبين هدفها، كما أنها سوف تقدر شاكرة كل عون يقربها من هذا الهدف، وإنها لتؤمن مخلصة أن اقترابها منه هو طريقها إلى السلام، بل هو طريق غيرها إلى السلام أيضاً. ولسوف تجدون فى هذا الاندفاع التاريخى الحتمى تفسيراً أميناً لهذه الهزات العنيفة فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وعلى ضوئه وحده يبدو المعنى الأصيل للثورات العنيفة التى تعتمل فى مختلف أقطار هذه القارات.

ذلك هو التفسير الأمين للثورة من أجل التصنيع على أوسع مدى، ذلك هو التفسير للثورة على المظالم الاجتماعية التى ورثتها الشعوب من عهد الإقطاع، ذلك هو التفسير للثورة على سياسة مناطق النفوذ، ذلك هو التفسير للثورة على محاولات الاستغلال والاحتكار الاستعمارية ومحاولات التحكم فى أسعار المواد الخام الأمر الذى يبدو وكأنه محاولة متعمدة لعرقلة تطور الدول المنتجة لهذه المواد وإبقائها مجرد مخازن لها، وهو الأمر الذى تبدو معه جميع عروض المعونات البراقة وكأنها تحايل مكشوف، ذلك أن ما تخسره الدول المتخلفة من التحكم فى خاماتها واستغلال مواردها الطبيعية على نحو يجافى العدل لا يصل إلى نسبة ضئيلة من كل ما يعرض عليها من المعونات والقروض.

وما من جدال أننا نتمنى لو قدرت الأمم المتحدة على القيام بهذه الرسالة.. رسالة دفع الحرية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع الحرية السياسية. وإننا لنتصور أن الوصول إلى نزع السلاح يمكن أن يكون ثورة عميقة الجذور فى هذا الميدان إذا ما وجهت اعتمادات التسليح أو أجزاء منها نحو التطوير الصناعى والزراعى فى البلاد المتطلعة إلى حريتها الاقتصادية. كذلك فإنى أتمنى أن ندرك هنا أنه ليست هناك شعوب متخلفة وشعوب متقدمة، وإنما هناك شعوب واتتها الفرصة لتتعلم وشعوب أخرى حرمت هذه الفرصة بالقوة والضغط.. شعوب انطلقت إلى التجربة وتفاعلت معها، وشعوب حيل بينها وبين أن تجرب قدرتها أو تكتشف ملكاتها وأن تصمد فى امتحان الحياة. ولقد كان يقال لنا إنه ليس من حقنا أن نطالب باستعادة ملكية قناة السويس؛ لأن إدارة القناة من جميع النواحى مشكلة بالغة التعقيد، وأن شبابنا مهما بلغ من درجة علمه وتمكنه من فنه لن يقدر على تحمل مسئوليات إدارة قناة السويس قبل خمسين سنة. وإنكم لتعلمون الآن أن قناة السويس تحت الإدارة العربية تؤدى دورها فى خدمة الاقتصاد العالمى بأقدر وأكفأ مما كان حالها قبل أن نستعيدها للشعب الذى حفرها طريقاً لرخاء العالم ورخاء نفسه.

ولقد واجهنا تجربة تطورنا وتفاعلنا معها، وأثبتنا أنه برغم كل ما وجدنا من صعاب وبرغم كل ما واجهنا وما كان لابد أن نواجهه بالتجربة والخطأ، فإن الدخل السنوى للفرد فى الإقليم المصرى من الجمهورية العربية المتحدة قد زاد بعد الحرية بنسبة ٧٠% فى مدى ٧ سنوات.

سيادة الرئيس.. أيها السادة:

لقد بذلت جهدى حتى لا يطغى إحساسنا الخاص بقضايانا المحلية على الاحتمالات الخطيرة فى الموقف الدولى الآن، وإذا كنت قد أشرت دون دخول فى التفاصيل إلى بعض هذه القضايا – قضايانا – فلقد قصرت تعرضى لها على الناحية التى تربطها عموماً بالسلام وبالأمم المتحدة. ومن الواضح على أى حال أننا نؤمن بأن خدمة السلام فى مجاله العام هى فى نفس الوقت خدمة لقضايانا، كذلك فإننا نؤمن بأن سيادة الأمم المتحدة معناها سيادة المبادئ وغلبة القانون والعدل على أحلام الغزو والسيطرة، بل إننا نؤمن أن جو السلام القائم على العدل هو خير جو يستطيع وطننا فيه أن يباشر تطوره، وأن يفتح الطريق أمام آماله فى تغيير أوضاعه، وإعادة صنع مجتمعة على أساس جديد.

وإنكم لتعلمون أن تياراً ثورياً وطنياً يجتاح الآن بلادنا، بل إننا نقول إن وطننا الجمهورية العربية المتحدة يعيش الآن ثلاث ثورات فى وقت معاً.. ثورة سياسية عبرت عن نفسها بمقاومة الاستعمار فى جميع مراحله منذ كان سافراً على شكل قوات احتلال حتى تستر وراء الأحلاف العسكرية التى لم نرى فيها غير محاولة لإخضاعنا لسياسة مناطق النفوذ.

ثورة اجتماعية عبرت عن نفسها بمقاومة الإقطاع والإحتكار وبالعمل المتفانى من أجل زيادة الإنتاج رفعاً لمستوى المعيشة وتمكيناً لتكافؤ الفرص بين المواطنين تحقيقاً للعدل الاجتماعى. ولقد كانت خطة مضاعفة الدخل القومى فى عشر سنوات التى بدأ تنفيذها هذا العام فى إقليمى الجمهورية العربية المتحدة هى صورة هذا العمل المتفانى، والرمز الواضح لتصميم شعبنا على بناء وطنه.

ثم ثورة عربية عبرت عن نفسها بمقاومة الفرقة المصطنعة والحواجز المادية والمعنوية التى وضعها الذين أرادوا أن يحكموا وطننا بالفكرة “الميكيافيلية” المشهورة “فرق تسد”.

وإننا لنعلن أننا نؤمن بأمة عربية واحدة، لقد كانت للأمة العربية دائماً وحدة اللغة، ووحدة اللغة هى وحدة الفكر، وكانت الأمة العربية دائماً وحدة التاريخ، ووحدة التاريخ هى وحدة الضمير، ولسنا نرى أساساً قومياً أمتن من هذا الأساس ولا أثبت. وليس مجرد صدفة أن جميع الدول العربية التى حصلت على استقلالها لم تلبث فى دساتيرها بعد الاستقلال أن نصت على أن شعوبها إنما هى جزء من الأمة العربية، كذلك ليس مجرد عاطفة أن الشعوب العربية تؤمن مخلصة أن كل عدوان على شعب منها هو عدوان عليها كلها، وإنه ما من أزمة امتحنت بها الأمة العربية إلا وكانت صفاً واحداً أمام امتحان الحوادث، بل أن قيام الجمهورية العربية المتحدة لهو الرمز الأكبر لإيمان الشعوب العربية بعقيدة القومية العربية والوحدة العربية.

على أننا نقول أمامكم أيضاً إننا نؤمن بأن التطور الواعى القائم على الدعوة السلمية والمستندة على ضرب المثل عن طريق العمل الإيجابى الخلاق، هو طريقنا إلى هذه الوحدة التى نؤمن بها. وإذا كنتم تسمعون من أصداء الحوادث فى منطقتنا ما كان موضع التساؤل فى كثير من الأحيان، فإننا نسمح لأنفسنا أن نقول أمامكم إن هذا الصوت لا يصدر عن التيار المتدفق للقومية العربية، وإنما يصدر عن الذين يقاومون هذا التيار أو يحاولون تغيير مجراه.. إنه صوت الحواجز المصطنعة وهى تتمزق، وهو صوت الحدود الموهومة التى وضعها الاستعمار وهى تطوى وترفع، وهو صوت بقايا الرجعية والإقطاع والاستغلال تحاول بفلولها المهزومة أن تمنع التطور الحتمى.

هكذا فإن الذى تسمعونه ونسمعه معكم هو صوت التاريخ ذاته يباشر حركته ويضع تفاصيل أحداثه، ويصحح الأخطاء التى وقعت خلافاً لمنطق الأشياء ومجافاة للطبيعة وللحقيقة الخالدة.

هذه هى ثورات أمتنا الثلاث، وإنها لجميعها فى حقيقة أمرها ثورة واحدة تنزع إلى الحرية بكل صورة من صورها السياسية والاجتماعية والقومية، وتعتبر الوصول إليها هدفاً تهون فى سبيله جميع التضحيات.

سيادة الرئيس:

لقد حان الوقت لكى أغادر هذه المنصة تاركاً الفرصة لغيرى من الزملاء الأصدقاء كى يسهموا فى مناقشة المشاكل التى تواجهنا الآن بغية الوصول إلى حلول لها، وإذا جاز لى أن أتقدم أمامكم الآن بحلول لما يواجهنا من مشاكل فإننى أجد خير ما يمكن أن أقدمه لكم هو صورة من تفكيرنا عندما كنا تسعاً وعشرين دولة آسيوية – إفريقية اجتمعت فى باندونج، وناقشت مشاكل العالم وقتها، ومع الأسف إنها نفس المشاكل التى مازالت تواجهنا اليوم بعد خمس سنوات مع بعض الاختلاف فى التفاصيل.

فى القواعد الأساسية العامة التى ينبغى أن تحكم تطور مجتمعنا السلمى، أعلن هذا المؤتمر؛ مؤتمر باندونج، دعامتين:

أولاهما: التأييد الكامل للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان كما تضمنها ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان وأولها حق تقرير المصير.

وثانيهما: المساواة الكاملة بين الأجناس والألوان باعتبار أن التمييز العنصرى إنكار للقيم الأساسية للحضارة والكرامة الإنسانية.

بالنسبة لمشاكل الاستعمار أعلن مؤتمر باندونج أربع خطوات لابد من إتخاذها:

– أعلن أن الاستعمار فى جميع مظاهره شر يجب وضع نهاية عاجلة له.

– أعلن أن خضوع الشعوب للاستعباد والسيطرة والاستغلال الأجنبى إنكار لحقوق الإنسان الأساسية ومناقض لميثاق الأمم المتحدة ومعرقل لتنمية السلم الدولى والتعاون العالمى.

– أعلن ضرورة التأييد الكامل لقضايا الحرية والاستقلال لجميع تلك الشعوب.

– أعلن ضرورة دعوة الدول المعنية إلى وجوب منح الحرية والاستقلال لهذه الشعوب.

بالنسبة للسلام العالمى ودعمه أعلن مؤتمر باندونج أساسين بارزين للوصول إلى السلام: فتح باب الأمم المتحدة أمام جميع الدول، ثم ضرورة نزع السلاح وتحريم إنتاج الأسلحة الذرية والهيدروجينية وتجربتها.

وبالنسبة لتوكيد السلام ودعم التعاون العالمى وضع المؤتمر هذه الأسس الثلاثة:

– أن موضوع السلام هو موضوع الأمن الدولى، وأفضل الطرق لمواجهته أن يتم ذلك خلال الأمم المتحدة.

– أن الحاجة ماسة خصوصاً فى آسيا وإفريقيا إلى التقدم الاجتماعى وإلى مستويات أعلى للحياة، وأن الطاقة الذرية وتوجيهها إلى الأغراض السلمية يمكن أن يواجه مشاكل التنمية فى الدول المتطلعة إليها.

– أن استقرار السلام أو التحرر من الشك والخوف يفرض على الأمم أن تمارس التسامح وأن تعيش معاً فى سلام. ولرسم حدود هذا التعايش السلمى وضع المؤتمر صورة للقواعد الأخلاقية التى يمكن أن تربط العلاقات بين الدول.

سيادة الرئيس:

هذه المبادئ والقواعد التى أشرت إليها تحمل بالفعل موافقة تسعاً وعشرين دولة من الأمم المتحدة شاركت فى أعمال مؤتمر باندونج، وإننا نؤمن أن وراءها تأييداً أوسع وأبعد، وإننا نقدمها هنا طريقاً للسلام وطريقاً للحرية وطريقاً للرخاء للبشر كلهم على اختلاف أوطانهم وألوانهم وأديانهم، بلا تفرقة أو تمييز. ولعل خير ما فيها أن الذين وضعوها لم يفعلوا ذلك من مراكز القوة العسكرية، ولا من أحلام التحكم الاستعمارى، ولا استناداً إلى الأسلحة الذرية التى تملأ مخازنهم، وإنما من تجاربهم وحدها ومن آمالهم لأنفسهم وآمالهم لغيرهم.

من هذا كله كان الإلهام، ولو أن الجمعية العامة هنا أقرت هذه المبادئ والقواعد فجلعت منها الإجماع الشامل لإرادة شعوب العالم كلها، فليس يخالجنا شك فى أننا لن ننتظر خمس سنوات أخرى كما انتظرنا من باندونج إلى الآن.

لقد حان الآن الوقت الذى يجب أن تنتقل فيه أمانى الشعوب وحقوقها من عالم النظريات إلى عالم الواقع. إن الشعوب المناضلة كلها الآن مستعدة للحرية، مستعدة لتحمل مسئولياتها، مستعدة للتعاون على أوسع مدى فى سبيل دعم هذه الحرية وتمكينها. وإنه مما يضاعف من مسئوليتنا هنا أن الظرف الذى نواجهه خطير، والمشاكل التى تحكمه معقدة، والجو المحيط بنا جميعاً هو جو الشك والخوف والتربص، وإن خطأً واحداً فى الحساب من جانب أى من الأطراف قادر فى بضع دقائق على الإطاحة بأجمل وأعظم ما حصل عليه جنسنا البشرى خلال كفاح رائع طويل.

سيادة الرئيس.. أيها السادة..أشكركم.