المحطات التاريخية للعلاقات المصرية الكورية.. وصعوبة تغيير العادات القديمة

سارة الضويني

تعد العلاقات المصرية الكورية الشمالية أحد الملفات المثيرة للجدل، والنظام المصري ورغم الاهتمام لتوطيد العلاقات بكافة السبل دون اعتراضات واضحة مع الإدارة الأمريكية، ورفض الأخيرة تعاون أي دولة معها، إلا انه لازال متشبثاً بعلاقته الخاصة مع بيونغ يانغ.

وأكد عدد من المسؤولين الأمريكيين أن إدارات الولايات المتحدة المتعاقبة أثارت هذا الملف مع القاهرة، وعاقبت وزارة الخزانة الأمريكية عدداً من الشركات الكورية لإرسال عمال إلى مصر وبلدان إفريقية من أجل جلب دخل إلى بيونغ يانغ

.
العلاقات بين القيادة السياسية المصرية والكورية- بحسب محللون- “مميزة”، وهناك تنسيق دائم، وتعاون مستمر بينهما في جميع المحافل الدولية، فالروابط بين القاهرة وبيونغ يانغ شهدت تطوراً كبيراً خلال الأعوام العشرة الأخيرة من حكم جمال عبد الناصر، بفضل التوجهات الاشتراكية التي جمعت العاصمتين.

ومنذ عام 1963، سارعت مصر بالاعتراف بكوريا الشمالية كدولة مستقلة، بينما تطور علاقتها بجارتها الجنوبية كان بطيئاً، ولم ترتقِ إلى مستوى تبادل السفارات إلا في عام 1995.
علي الرغم من دعم مصر الدائم للموقف الكوري الشمالي في المحافل الدولية بخصوص الموضوعات وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بأوضاع حقوق الإنسان بها، وقيامها بالتصويت ضد مشاريع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن أوضاع حقوق الإنسان في بيونغ يانغ، إلا أنه في 5 أغسطس الماضي، صوتت القاهرة في مجلس الأمن لصالح فرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية في خطوة رآها الكثيرون نادرة من الجانب المصري.

“أسلحة سرية” والمشتري مصر

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً أول أمس عن ضلوع مصر بتجارة أسلحة مع كوريا الشمالية رغم قرار الحظر الذي يستهدف “كوريا”.

في أغسطس/ آب الماضي، تم نقل رسالة سرية من واشنطن إلى القاهرة تحذر من سفينة غامضة تبحر باتجاه قناة السويس. وقال التحذير إن السفينة التي تحمل اسم “جي شون” كانت ترفع علم كامبوديا، ولكنها أبحرت من كوريا الشمالية، كما أفاد التحذير أن السفينة التي تحمل طاقماً كورياً كان يحمل شحنة غير معروفة محاطة بالقطن الثقيل.

وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة لم تكن على علم بأن غاية السفينة الكورية التي تحمل 30 ألف قذيفة مضادة للمدرعات وضبطتها مصر، أن الشحنة كانت لمصر نفسها. وبغض النظر عن ذلك، كان موظفو الجمارك ينتظرون عندما دخلت السفينة المياه المصرية. وقاموا باستهداف السفينة، وكشفوا مخبأ للأسلحة تحت حاويات حديد، وتحوي أكثر من 30 ألف قنبلة صاروخية. وقد خلص تقرير للأمم المتحدة في وقت لاحق إلى أن ذلك يعد ” أكبر شحنة أسلحة في تاريخ جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية تصدر للخارج. ولكن إلى أين كانت السفينة متجهة؟”. اكتشف المحققون أن المشترين لم يكن سوى المصريين أنفسهم.
ونقلت عن مسؤولين أمريكيين ودبلوماسيين غربيين قولهم إن الكشف ربما كان وراء الشكاوي الخاصة والإجراءات التي اتخذها الامريكيون بشأن محاولات المصريين الحصول على أسلحة ممنوعة من بيونغ يانغ. كما وتلقي ضوءا على تجارة السلاح الدولية التي أصبحت شريان الحياة لكوريا الشمالية ونظام الرئيس كيم جونغ أون الذي يعاني من عقوبات اقتصادية بسبب العقوبات الإقتصادية المشددة التي فرضت عليه.

لولا واشنطن لوصلت الأسلحة

يقول المسؤولون الأمريكيون أنه لولا اكتشاف مؤسسات الإستخبارات في بلادهم للسفينة لما تم الكشف عنه الأسلحة غير المشروعة. وهو ما دفع المصريين لاتخاذ إجراءات. وبحسب مسؤولين اطلعوا على تحقيقات الأمم المتحدة وأمريكا فحادثة السفينة الكمبودية وعدد آخر من محاولات الحصول على السلاح بطريقة سرية كانت وراء قرار إدارة دونالد ترامب تجميد مساعدة عسكرية لمصر بقيمة 300 مليون دولار أمريكي.

وأشار بيان صادر عن السفارة المصرية في واشنطن إلى “شفافية” مصر والتعاون مع مسؤولي الأمم المتحدة في العثور على الأسلحة المهربة وتدميرها. وقال البيان إن “مصر ستواصل الالتزام بجميع قرارات مجلس الامن وستكون دائما متفقة مع هذه القرارات لانها تقيد عمليات الشراء العسكرية من كوريا الشمالية”.

حصار كوريا الشمالية

الحادثة تكشف عن الصعوبة في محاولات تغيير سلوك كوريا الشمالية، من خلال الضغوط الاقتصادية، وحتى في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها زيادة العقوبات، لا يزال “كيم” يجني بهدوء أرباحا من بيع الأسلحة التقليدية الرخيصة والمعدات العسكرية إلى قائمة العملاء والمستفيدين التي شملت أحيانا إيران وبورما وكوبا وسوريا وإريتريا وعلى نحو اقل المجموعات الإرهابية، بالإضافة إلى حلفاء أميركيين رئيسيين مثل مصر.
وقال ديفيد تومسون محلل مختص في الشؤون الكورية في مركز أبحاث الدفاع المتقدمة إن “المواد التي أخفيت فيها الأسلحة لا تهدف فقط إلى إخفاء الشحنة، لكنها تكشف عن الطريقة التي استخدمت فيها كوريا الشمالية تجارة مشروعة للتغطية على تجارة غير مشروعة”.

قاعدة عملاء في جميع أنحاء العالم

وقالت الصحيفة الأمريكيَّة إن تجارة الأسلحة غير المشروعة المزدهرة في كوريا الشمالية هي ثمرة لأعمال تجارية شرعية بدأت منذ عقود. ففي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، تم منح الاتحاد السوفييتي الأسلحة التقليدية – وفي بعض الحالات مصانع كاملة لإنتاجها – إلى البلدان النامية كوسيلة للفوز بالحلفاء وخلق أسواق للتكنولوجيا العسكرية السوفياتية.

استفادت كوريا الشمالية من حصولها على تراخيص لتصنيع نسخ مماثلة من الأسلحة السوفيتية والصينية، بدءا البنادق والمقذوفات الخاصة بالمدفعية والفرقاطات والدبابات، وانتشرت مصانع السلاح في كوريا الشمالية، فأنتجت في حقبة الستينيات من القرن الماضي ما يكفي للجيش وزيادة لبيعه والحصول على النقد، ومع نهاية الحرب الباردة توسعت الدول التي تستورد السلاح الكوري، وشملت جماعات متمردة.

وقالت أندريا بيرغر المحللة في معهد ميدلبرا للدراسات الدولية إن الطلب على السلاح الكوري الرخيص سيزداد حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وفرض العقوبات عليها، بسبب برامجها النووية. ومع زيادة الضغوط على كوريا الشمالية بشكل جعلها تهدد بإبعاد زبائن السلاح، غيرت الحكومة من وسائلها، حيث بدأت تغير تسجيل أسماء وأرقام الدبابات؛ حتى يتم بيعها في ظل أعلام أجنبية، ونشأت شركات واجهة في الصين وماليزيا؛ لمتابعة العقود دون وجود علاقة ظاهرة مع بيونغ يانغ.

صعوبة التخلي عن العادات القديمة

تستطرد بيرغر قائلة “إن مصر أوقفت تعاملها العسكري مع كوريا الشمالية، إلا أن حادثة سفينة “جي شون” تكشف أنه من الصعب التخلي عن العادات القديمة، فالجيش المصري لا يزال يملك أنظمة سلاح تعود إلى العصر السوفييتي السابق، منها ستة أسلحة مضادة للدبابات، بما فيها قاذفات “آر بي جي– 7″، التي تقدر بحوالي 180 ألفا.

كان رد المسؤولون المصريون هو الإنكار والتعتيم. وقالت الصحيفة الأمريكية إنه “في وقت الاكتشاف كانت مصر عضوا غير دائم في مجلس الأمن، ورفضت في البداية تضمين أي مواد تربطها بالشحنة في تقرير الأمم المتحدة”.

وتبين الصحيفة أن الدليل القاطع اكتشف في الصناديق، حيث تم تحديد كل منها باسم الشركة المصرية، إلا أن البعض حاول إخفاء الدليل، وأكد المسؤولون ضلوع شركة مصرية في الصفقة لكنهم رفضوا تأكيد اسمها، ولم يذكر اسمها في تقرير الأمم المتحدة، حيث قال: “أغلقت السلطات المصرية الشركة الخاصة، وألغت رخصتها”.
وعلي الرغم توقف المسؤولين الأمريكيين عن نقد مصر علنا، إلا أن الشحنة أسهمت في توتر العلاقات بين البلدين. ورغم مديح ترامب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام الكاميرات في أثناء زيارته للبيت الأبيض، لكن بيان البيت الأبيض أشار إلى أن هناك تحذيرات طرحت في لقاء خاص جمع الطرفين.

وجاء في بيان البيت الأبيض أن الرئيسين ناقشا تهديد كوريا الشمالية، وشدّد ترامب على ضرورة تطبيق جميع الدول لقرارات مجلس الأمن الدولي كاملة بشأن بيونغ يانغ، ووقف توفير منافع اقتصادية وعسكرية لها ووقف استضافة عمال كوريين.