“الصورة من فيلم كركون فى الشارع الذي تم انتاجه عام 1986 لتسليط الضوء على أمة السكن فى مصر”


كتبت : شيماء حمدي

” وسط دولة لا تعترف بالبسطاء ولا حقوقهم، كانت قصة هذا الزوجان، قصة تمتلك خصوصيتهما ثم تحمل كل ملامح التطابق مع مئات الآلاف ممن هم مثلهم اتخذوا قرار الزواج واعتبروه الأفضل رغم كل شىء، رغم كل ما يحيط بهم، والذى يبدء برحلة البحث عن “أربع جدران”

أحلام غير وردية

بعد عامٍ واحدٍ من الزواج فى الدور الثاني ببيت العائلة بتلك المنطقة الشعبية البسيطة التي بًنيت عشوائيًا على قطعة من أراضي الإستصلاح الزراعي، و مع وصول المولود الأول أصبح لا مفر من البحث عن حياة أفضل.

فبالتأكيد لا يمكن الاستمرار في منطقة سكنية تعج بعرات آلاف البشر قبل ثلاثين عام ورغم هذا لم تفكر الدولة حتى الآن في مدهم بالمرافق، لم تفكر في تقنين أوضاعهم وضمهم لكردون المباني، لم تفكر في توفير مساكن بديلة واستعادة الأرض الزراعية.

لا قرارات على الورق، و لا جديد على الأرض.

كان القرار الأول هو بيع وحدتهم السكنية الحالية، وفرحوا بالمبلغ الذي حصدوه بين يديهم ـــــ لكن سرعان ما تبددت تلك الفرحة و حل محلها واقع “الكعب الداير” حيث الزوج الذي لا يزيد عمره عن 28 عاماً يقضى ساعات طويلة من يومه فى البحث والتقصى ليعود بنهاية اليوم و يخبر زوجته بالحقيقة التي لم تعد خافية ـ حتى و إن قالها بتهكم ـ “احنا فعلا فقرا اوى”.

ارتفاع جنوني بأسعار العقارات بالأماكن المرخصة ذات المرافق الحكومية بشكل لا يتوافق أبدا مع رواتبهم المتدنية و لا عزاء لقيمة الفائدة البنكية عن هذا المبلغ الصغير الذي أودعوه بالبنك.

انتقلت الأحلام لامتلاك وحدة سكنية صغيرة فى منطقة شعبية بظروف أفضل ولو قليلاً مما كانوا يعيشون بها وتوفر لهم مزيد من الإقتراب من مقار عملهما.

و بعد شهرين من الكعب الدائر استطاعوا إعداد إحصائية ـ قد تحتاج لها الجهات المختصة بالدولة ـ تشير إلى أن سعر المتر بالمناطق الشعبية قد إرتفع إلى ما يقرب من 20000 جنيه ويتم تسليم الشقة على الطوب الأحمر ومع حسبتهم البسيطة وجدوا أن حلم تملكم شقة بمساحة معقولة وتشطيبها للعيش بها سيكلفهم أكثر من المبلغ الذي معهم بكثير وخصوصًا مغ إرتفاع مواد البناء والمواد الخاصة بتجهيز الشقق السكنية بشكل مبالغ فيه مع قرار تعويم الجنيه وإرتفاع سعر الدولار في الأونة الأخيرة.

تنازلات من اجل اللاشىء

ظلوا على هذا الحال لفترة من الوقت لم يمكن أمامهم سوى أن يحدد أولوياتهم في الشقة التي يريدونها وقرروا تقديم بعض التنازلات من حيث المساحة والموقع حتى يستطيعوا الحصول على شقة تجمع أسرتهم الصغيرة وتكون ( على قد الأيد) لكن مع الأسف مع كل تنازل تم تقديمه كان سلم الأسعار يأخذ فى الارتفاع وكأن القدر يعاندهم في الحصول على حلم الإستقرار .

فمع كل شمس يوم جديد يتأكد لهم بأن الوضع أصبح في غاية السوء وأن قرار العيشة في وطن لا يشعر بماسأة شبابه يلازمة معافرة ونحت في صخر مصاعب الحياة حتى اهتدوا لفكرة لا تبدو جيدة للبعض لكنها كانت الأفضل لظروفهم وهى “البعد عن المدينة”.

قرر الزوجان أن يبدأوا رحلة جديدة في البحث عن شقة سكنية من شقق الإسكان التي يتم بيعها بعد التملك ، شقة بمساحة صغيرة ومتوفر بها أبسط سبل الحياة دون اللجوء لشراء مواد باهظة لتجهيز الشقة ، تلك الشروط لم يجدوها سوا امتداد مدينة السادس من أكتوبر الي تبعد عن أعمالهم بعدد ساعات لا يقل عن الساعة والنصف بالذهاب و العودة بالإضافة الى أزمة المواصلات بتلك المنطقة وإزدحام الطرق في كل صباح .

مدينة السادس من أكتوبر والتي تعد أغلبها إسكان للشباب بلغ سعر المتر فيها الى ما يقل من 33 ألالاف جنيه لكن الميزة هنا هو تجهيزها بشكل بسيط بحيث يمكن العيش بها ولا تسلم على الطوب الأحمر كما الحال بالأماكن الأخرى .

وبالفعل تم توثيق عقد البيع لكن أزمة الذهاب للعمل التي تتطلب منهم أن يكونوا في ساعات مبكرة لكل يوم في أماكن عملهم التي تبعد عن سكنهم الجديد بما يقرب من الساعة والنصف إلى ساعتين ظل شبح يطاردنهم ، ومن هنا إهتدوا إلى قرار جديد وهو تأجير الشقة التى لم يسكنوها بعد وبدء رحلة البحث عن شقة قريبة نسبيًا إلى أماكن عملهم وهكذا بدأت رحلة البحث من جديد.

الراتب والإيجار.. الكبرت والنار

صدمة جديدة مع رحلة جديدة للحصول على شقة بالإيجار قريبة شيء ما من أعمالهم ، فقد وجدوا أن الإيجارات لم تقل عن الــ1000جنيه بالمناطق الشعبية وتبدأ بــ2000 جنيه في الأماكن الأفضل.

يتحدث مالكي العقارات عن سعر الإيجار وكأنها ملاليم على الرغم من أن تلك المبالغ تكاد تكون نصف رواتبهم حرفيًأ.

أشلاء سكن .. شبه وطن

و في مساء أرهقه يوميات “الكعب الداير” اجتمع الرفاق، الزوجان و صديق وصديقة يعيشان نفس قصتهما ويخوضان يومياً نفس الرحلة، و تبادلت الأسرتان الصغيرتان القرارت، قالت الأسرة الأولى انها لن تحتمل أن تقضى أغلب أيامها على الطريق حتى لو كان الثمن لذلك هو نصف الراتب وأكثر.

الأسرة الثانية قررت أنها لن تهدر نصف عائداتها دون ساتر يؤمن لها ما يأتي بعد ومن ثم فالحل هو البقاء في مدينة أخرى بعيدة على أطراف القاهرة هى “15 مايو” حتى لو كان الثمن هو مزيد من الاستنزاف الجسدى و الارهاق.

انتهت السهرة و عادت كل أسرة الى “أشلاء سكن” داخل دولة توالت عليها السياسات الخاطئة الوحدة تلو الأخرى و من ثم يوصفها رئيسها الآن بـ “أشلاء وطن” .

كيف سيكون حال هاتين الأسرتين بعد عشر أعوام، أيهما اتخذ القرار الصائب؟، أيهما سيدفع مزيد من الثمن؟