“ولد حيث ولد المسيح، بين طبرية والناصرة، في قرية الشجرة بالجليل الشمالي، أخرجوه من هناك بعد 10 سنوات، في 1948 إلى مخيم عين الحلوة في لبنان، يرسم، لا يكتب أحجبة، لا يحرق البخور، ولكنه يرسم، ريشته مبضع جراح، هو ليس مهرجاً، ولا شاعر قبيلة – أي قبيلة – متهم بالانحياز، وهي تهمة لم ينفيها، ليس محايداً، بل منحاز لمن هم “تحت” .. الذين يرزحون تحت نير الأكاذيب وأطنان التضليلات وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات، منحاز لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى، ولمن يخرجون من حواري الخرطوم ليمزقوا بأيديهم سلاسلهم ، ولمن يقضون لياليهم في لبنان شحذاً للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها، ولمن يقرأون كتاب الوطن في المخيمات” .. هو ناجي العلي كما عرف نفسه بكلماته.

حنظلة:

الشخصية الكاريكاتورية التي اقترنت بشخصية ناجي العلي هي شخصية “حنظلة” فهو صبي في العاشرة من عمره ( حسب قول ناجي ) ، وكان حنظلة يمثل توقيع على كل رسوماته ، وفي عام 1973 رسم ناجي حنظلة و قد أدار وجهه وعقد يديه خلف ظهره، ولم ير أحد وجه حنظلة من وقتها حتى يومنا هذا .

و قد أصبح حنظلة رمزا للهوية الفلسطينية والمقاومة خاصة بعد اغتيال ناجي العلي ، وكتب ناجي في تعريف حنظلة على لسان الأخير:

“عزيزي القارئ اسمح لي ان اقدم لك نفسي .. انا وأعوذ بالله من كلمة أنا .. اسمي : حنظلة ، اسم أبي مش ضروري ، امي .. اسمها نكبة وأختي الصغيرة فاطمة .. نمرة رجلي :ما بعرف لاني دايماً حافي .. تاريخ الولادة : ولدت في (5 حزيران 67)”.

ناجي وكنفاني:

ومن الجدير بالذكر أن ناجي العلي بدأ حياته الفنية عندما رأى الصحفي والأديب الفلسطيني “غسان كنفاني” رسوماته في زيارة له في مخيم عين الحلوة فنشر له أولى لوحاته وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوّح، ونشرت في مجلة “الحرية”في 25 سبتمبر 1961م، في سنة 1963م.

وعقب ذلك، سافر ناجي إلى الكويت ليعمل محررا ورساما ومخرجا صحفيا فعمل في “الطليعة” الكويتية، “السياسة” الكويتية، “السفير” اللبنانية، “القبس” الكويتية و”القبس” الدولية.

من كسر ريشة ناجي العلي:

منذ 30 عاما، وفي أحد شوارع العاصمة البريطانية لندن، وبالتحديد يوم 22 يوليو 1987، قام شخص بإطلاق رصاصة في رأس ناجي العلي، فسقط على الأرض وتبعثرت رسوماته، ثم تم نقله إلى المستشفى، ليدخل في حالة غيبوبة، ويفارق الحياة بعد 5 أسابيع، تحديدًا في 29 أغسطس 1987، عن عمر ناهز الخمسين عامًا .. ومنذ ذلك الحين ولا يزال الغموض هو من قاتل ناجي العلي؟

ياسر عرفات المتهم الرئيسي:

تولت الشرطة البريطانية التحقيق في اغتيال العلي، حتى تبين أن المتهم بإطلاق النار عليه هو شاب يدعى “بشار سمارة”، الذي كان منتسبا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعميلًا لدى جهاز الموساد الصهيوني، وتم توجيه الاتهام صراحة إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات – الذي وقع مع العدو الصهيوني معاهدة الإستسلام (أوسلو) -، إذ ذكر الكاتب الفلسطيني الدكتور باسم سرحان، في مقال له عام 2010 بعنوان “أمانة من ناجي العلي”، موضحا أن الرئيس الفلسطيني وراء اغتياله، وأوضح أن ناجي قال له عند باب منزله في لندن قبل اغتياله بأيام: “أحملك أمانة كائنا من كان قاتلي إن قاتلي هو ياسر عرفات”.

رشيدة مهران و  ياسر عرفات:

والسبب الذي جعل عرفات يغتال ناجي العلي هي هذه الرسمة التي ورد فيها اسم “رشيدة مهران”، وهي المستشارة الثقافية لياسر عرفات، والتي ألفت كتابًا بعنوان “عرفات إلهي”، وتداول صحفيون عنها في أنذاك أنها “عشيقة” الرئيس الفلسطيني، وجاء في الرسمة الحديث التالي: “تعرف رشيدة مهران؟ فيرد الآخر لا، فيسأله مجددا: بتسمع عنها، فيجيب: لا، فيرد السائل قائلا: ما بتعرف رشيدة مهران ولا سامع فيها لكان كيف صرت بالأمانة العامة للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، لكان مين داعمك بها المنظمة يا أخو الشليتة؟”.

ومن جانبه، أعلن رئيس تحرير جريدة “القبس” الكويتية، محمد الصقر، الذي كان مقربًا من ناجي، في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه قناة “بي بي سي” عن ملابسات اغتيال ناجي العلي وقال: “أرسل لي ناجي ذات يوم 3 رسومات، فاخترت واحدة منهم ووافق جميع العاملين معي على نشرها، وكانت تتناول شخصية تدعى رشيدة مهران، التي عرفت من هي فيما بعد، وبالفعل قمت بنشرها”.

تلقى ناجي العلي إثر تلك الرسمة تهديدات بالقتل، لكنه لم يكن يخشى أحدًا، فضلًا عن التهديديات التي سبق وأن تلقاها مرارًا، إلا أن الأخير قد أصاب الهدف، وبالفعل تعرض الرسام الفلسطيني لعملية اغتيال أثناء سيره في أحد شوارع لندن.

محمود درويش.. خيبتنا الأخيرة:

اتهم عدد كبير من الفلسطينيين الشاعر الفلسطيني محمود درويش بالتورط في اغتيال ناجي العلي، خاصة وأن العلي رسم كاريكاتير انتقد فيه درويش عندما دعا إلى مد الجسور مع اليسار الإسرائيلي.

وعقب ذلك، ورد لناجي اتصال هاتفي من محمود درويش نشرته مجلة الأزمنة العربية (عدد 170 /1986/ ص14) وجاء هذا الحوار:

درويش : شو بشوفك مستلمنا هاليومين يا ناجي… حاط دبساتك على طحيناتنا.. شو في

العلي : يا عمي ما تزعل مني.. هاي الشغلة مش ضدك شخصيًا.. أنا ما في بيني وبينك إلا كل خير ومحبة.. وانت عارف

درويش : لا .. أنا زعلان بجد.. ليش كل اللي رسمته وكتبته ما بخليني أزعل

العلي : يا محمود إنت إلك حق تزعل.. لو أني ما تعرضت إلك وأهملتك.. مثل ما بهمل دائمًا الساقطين.. أنا انتقدتك لأنك مهم لشعبك، وأنت لازم تفرح.. مش تزعل

درويش : (بغضب مكتوم): مش أنت اللي بصنفني مهم ولا لأ

وبعد حوار تأرجح بين الغضب والنقد

قال العلي: يا عمي انتو بتقولوا بمد الجسور مع اليسار الإسرائيلي.. مدو زي ما بدكوا… بركي الجسور بتقيدكم مستقبلاً.. أما أنا وجماعتي فلا.. إحنا يا عمي إلنا جسورنا..جسورنا إحنا مع الناس المشردة.. ممدودة بخط واحد ما في غيره.. من باب المخيم لباب الحرم.. مع أهلنا في الداخل.. هاي جسورنا وما بنعرف غيرها.. وإحنا بننتقد كل واحد بيحكي هالحكي

درويش (مهددًا): آه.. بس انت مش قدي يا ناجي

العلي (مستعبطًا): شو يعني .. مش فاهم.. الشغلة صارت شغلة قدود.. قدك وقد غيرك.. والله أنا لما برسم ما بحسب قد لحدا.. وأنت عارف يا محمود

ثم بعد وصلة حوار تهديد من درويش واستعباط من العلي

قال درويش: هلا مش وقت المزح.. بدي ياك تفهم يا ناجي منيح اليوم.. إني أنا محمود درويش.. إللي قادر يخرجك من لندن في أية لحظة

العلي: (ساخرًا بمرارة وحزن):أووف… والله هاي جديدة يا زلمة.. بالله عليك بتعملها يا محمود؟ وشو هالسطات اللي صارت عندك.. والله أبو رسول (الاسم الحركي لمدير المخابرات الأردنية الأسبق محمد رسول الكيلاني) بزمانه ما قال هالحكي.. ولا صلاح نصر قبله (..) على كل حال انتو يا عمي السلطة.. انتو الدولة والشيلة (..) هاي مش أول مرة بتصير ولا آخر مرة.. مش عملتوها قبل سنتين في الكويت وخرجتوني؟ وقبلها قال الختيار (الاسم الذي يطلق على ياسر عرفات من قبل أنصاره) قائدك وصديقك في ثانوية عبد الله السالم في الكويت في الـ 75 أنو راح يحط أصابعي في الأسيد إن ما سكت.. بعدين هالشغلة صارت مش فارقة معي هالخد صار معود عاللطم.

ملف الإغتيال لا يزال مفتوحا:

في صباح هذا اليوم، أطلقت الشرطة البريطانية نداء جديداً للحصول على معلومات بشأن اغتيال ناجي العلي، أملاً بأن يشعر شخص ما بقدرة أكبر على التحدث بحرية بعد ثلاثة عقود.

وهناك أطراف أخرى، إغتيال ناجي العلي يصب في مصلحتها وهذا لا ينفي أن أصابع الاتهام تشير إليهم، مثل الموساد الإسرائيلي، وذلك بسبب انتماء ناجي إلى حركة القوميين العرب الذي قام الاحتلال الصهيوني باغتيال بعض عناصرها، والمخابرات العراقية أو أنظمة عربية كـ السعودية، ولكن لا توجد دلائل ملموسة تؤكد تورط أيًا من هذة الجهات.

وفي الختام، نؤمن أيمانا قاطعا بأنه سيأتي اليوم الذي سيكشف فيه كل الغموض حول مقتل ناجي العلي أيقونة الثورة الفلطسنية المتنبأ الأول بإنتفاضة الحجارة .. وسوف نرى وجه حنظلة قبل أن يسدل الستار ليعلن النهاية.