كمسري: الناظر يتعامل معنا معاملة حيوانات المزرعة .. لازم نتحمل

سائق: أحيانا ما نكتشف مشكلات فنية بعد القيام ونبلغ بها ولا نتلقى إجابة حتى تنتهي الرحلة

كتبت: إيزيس صلاح

لم يكن المتابع للمشهد في الأيام الأخيرة، يعلم أن الإضراب الذي بدأه سائقو سكك حديد مصر ومعاونيهم في 16 أغسطس الماضي، لم يتولد فقط بسبب حادث راح ضحيته ما يزيد عن خمسين مصري، في قطار الإسكندرية الأخير، فالصورة الكارثية كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير المثقل منذ زمن بعيد، وأظهرت ما خفي من استغاثات لعمال وسائقين.

أضربوا، حفاظا على سمعتهم التي عمد المسئولون على تشويهها، متهمين إياهم بأنهم المحرك الرئيسي لكل حوادث القطارات في مصر، ورغم محاولات نجحت جزئيا للإضراب، إلا أن ضغوط مارستها الإدارة ووعود لم يتحقق منها أي شئ، أدت لإنهاء الإضراب الصامت سريعا مما استدعى تنظيم السائقين لأنفسهم، ليدرسوا إطلاق إضراب جديد في وقت لاحق.

مقاومة وليدة وإضراب لم يكتمل

“ازرع كل الأرض مقاومة، ترمي في كل الأرض جدور، إن كان ضلمة تمد النور، وإن كان سجن تهد السور”.. على أنغام هذه الكلمات تغنى العمال، مفترشين الأرض، عائدين بالذاكرة إلى عقود طويلة مضت وقت أن كان لهم كلمة، ولعملهم قيمة ومعنى، فبعد أن فاض بهم الكيل –حسب شهاداتهم-، لم يجدوا سوى كلمات فؤاد حداد، التي حفظوها عن ظهر قلب، لتعبر عن مقاومتهم هذه المرة والتي أُطلقت في صورة إضراب عن العمل استمر لأيام ثلاثة، حيث توقفت القطارات عن العمل، وخرج سائقو الهيئة القومية لسكك حديد مصر، ليعلنوا من على رصيف محطة مصر، إضرابا مفتوحًا حتى تتكشف الحقائق.

والحكاية تعود إلى يوم السادس عشر من أغسطس الماضي، حينما أعلن السائقون إضرابا عن العمل، ما أدى إلى توقف حركة القطارات بشكل أخجل الدكتور هشام عرفات، وزير النقل، والمهندس سيد سالم القائم بأعمال الهيئة القومية لسكك حديد مصر، فلم يجد كلا منهما سوى النفي، رغم ما رصدته العدسات وخبره المواطنون على أرض الواقع، فخرج المسئولون ينفون حدوث أي إضرابات على أرض محطة مصر، مبررين أنها ليست سوى أعطال بسيطة في بعض القطارات، وستحل المشكلة في أقرب وقت.

وفي اليوم المذكور، والذي تلا حادث تصادم قطاري الإسكندرية الأخير، ببضعة أيام قلائل، تفاجئ ركاب خط بنها، بتعطل في قطار رقم 1205 مطروح، بسبب “الجرار”، ما أدى لتعطل حركة القطارات لمدة 6 ساعات كاملة من الاتجاهين، ليثور الركاب ويعتدوا على مدير المحطة، فتتكسر أدوات مكتبه وربما أجزاء من جسده، نتيجة محاولة كبح جماح الغاضبين، ليعلن بعدها بساعات سائقو محطة مصر، الإضراب للمطالبة بضرورة تنفيذ عمليات الصيانة الشاملة للجرارات، قبل انطلاق القطار في رحلته.

على رصيف المحطة مع السائقين

قابلت “مدد” عددا من السائقين والعمال بالهيئة، لتقف بشكل مباشر على أسباب الغضب المتصاعد من مظاليم السكك الحديدية –حسبما أطلقوا على أنفسهم-، فأكد عادل عدلى، الأمين العام للنقابة المستقلة لسكك حديد مصر، ومدير إدارة المنطقة الأولى بهيئة سكك حديد مصر، أن السائقين ليسوا سوى كبش فداء، لكبار “حيتان الهيئة”، يحاسبون على أخطاء فنية ليس بيدهم إصلاحها، والمسؤولية فى حوادث القطار لا تقع على السائق، نظرًا لأنه آخر فرد بالمجموعة يمكن أن يتحمل المسؤولية، فالقطار يمر بمرحلة الاستعداد لمدة أربع ساعات قبيل الرحلة، وهي التي يُسأل فيها مهندسو السكة الحديد، وليس السائقين.

وفي عصبية زائدة، أردف: “أحيانا وبعد انطلاق القطار، يلاحظ السائق بعض الأعطال التي قد تقابله، فيبلغ بها، والنتيجة أن لا أحد يجيبه، يتركونه فقط على طريق الموت وحيدًا، ليقف في المنتصف متسائلا: هل من الممكن أن أقابل الموت مع ركابي، أم يعترضني حادث فأتحمل مسئوليته؟”.

هنا يتدخل أحد العاملين، أظهرت ملامحه حجم ما يكابده من عناء وشقاء، ويصيح الرجل بعد أن التقط طرف الكلام، ليعرفنا بأنه أحد “كمسارية” خطوط الموت، مضيفا أن الهيئة تعاملهم معاملة “حيوانات المزرعة”، فلا بد من التحمل، يمسك رئيس الهيئة بعصاه آمرًا: “كن فيكون” وإلا كانت الجزاءات والخصومات التأديبية، ثمنًا لعدم تنفيذ الأوامر، ويذكر أنهم يعانون كثيرا من الإجهاد بسبب نقص العناصر الفنية اللازمة، فعددهم قليل وهناك نقص كبير في أعداد قائدي القطارات والكمسارية، فقديما كان طاقة القطار يصل لعشرة أفراد، موزعين بين سائقين وكمسارية وأفراد تشغيل مساعدين، لينخفض العدد حاليًا إلى ثلاثة أو أربعة أفراد كحد أقصى، لتتضاعف عدد الرحلات لكل منهم “إجباريًا”.

وأضاف: “فى فئة رؤساء القطارات والكمسارية، لا نجد أى مساعدة أثناء الرحلة، ونواجه بلطجة عند تحصيل الإيرادات، والتى تفوق إيراد الشباك، ونحصلها من الركاب المخالفين، والذين يركبون “سرقة”، وأحيانًا نتعرض للضرب، ونحاول الاستعانة بأفراد الأمن من شرطة النقل والمواصلات بالقطار، لكن لا أحد يتعاون، كما أننا نشكو من ضعف الرواتب مقابل الجهد المبذول، فأعلى رواتبنا بالحوافز وصلت إلى خمسة آلاف جنيه، وذلك للسائق الذي تجاوز الثلاثين عامًا بالعمل”.

اتهامات على مقهي “محطة مصر”

خرجنا لنستنشق أنفاسنا بعيدًا عن زحام الرصيف، آملين العودة لرصد شهادات أكثر، وقتها اصطحبنا أحد السائقين إلى مقهى شعبي صغير، ملاصق لمحطة مصر، ليشير مؤكدًا صحة شهادته: “هؤلاء هم مهندسو صيانة القطارات، يحركون العمل من على المقاهي، بالهاتف وكوب الشاي”، ساخرًا من أن بعضهم افتقد رؤية مكونات القطار، وطالت غيبته حقًا عن الورش وأماكن الصيانة.

عايزين وزير من السكة الحديد

وعلى المقاعد المترامية، صادفنا مجموعة من السائقين، وقائدي القطارات، “مكرم.ع”، قائد قطار، صارحنا بأن فساد الهيئة لن ينتهي إلا بحلول المهندس محمد ماهر –رئيس الهيئة في فترة سابقة-، محل وزير النقل الحالي هشام عرفات، مبررًا أن “ماهر” الأقدر بتحمل المسئولية، فهو عليم بأمور السكة الحديد، كما أن وزير النقل لا بد وأن يكون من أبناء السكة الحديد، فلم يصادف وأن عُين وزيرا من وسطهم من قبل، وكشف كيف أنه جلس مع “عرفات” في جلسة واحدة، محذرا إياه من قضايا فساد بالهيئة، لكن جاء رد الوزير صادما وقتها، ليقول: “عارف”، فيصمت مكرم خجلًا من وزيره الجديد،حسب شهادته.

مفردات مرتب وبدلة كحلي

شريف هاشم، سائق قطار، أخرج لنا من جيب بذته الكحلية المميزة لسائقي القطارات، مفردات راتبه، وعرض علينا راتب لم يتجاوز الألفين جنيه، وهو أجر زهيد بالنسبة لسائق قطار، ويكمل: “ذهبت في وفد قبل ذلك، لأوروبا، لشراء ماكينات ومعدات جديدة، ولم أعرف إلى أي مدى يحترم الأوروبيون سائقي القطارات، إلا بعد أن تعرضت لموقف شخصي، وجدت بعدها معاملة خمس نجوم، واعتذار رسمي، بعد أن علموا أنني قائد قطار، وهي المعاملة التي لم أتلق نصفها في بلدي”.

وذكر “هاشم” أن الإضراب أججه الحادث الأخير، فالمسئولون لم يجدوا سوى شماعة السائقين وعاملي الإشارة، ليعلقوا عليها أخطاء هيئة كاملة وأطنان من الفساد تراكمت لسنوات، مضيفًا أن الظلم الذي يتعرضون له فاق الحدود، فالسائق يخرج حاملًا كفنه كل يوم، لأنه يعلم أن يقود قطارًا متهالكًا لا يصلح، لكنه لن يستطع سوى تنفيذ الأوامر خوفًا من العقاب، والنتيجة حوادث “بالجُملة”.

إضراب مشروط وخفوت

بعد مضي الأيام الثلاثة، تفاوض المسئولون مع السائقين، واعدين بحلول قريبة للمشكلات التي يتعرضوا لها، وبعد ضغوط قاموا بفض الإضراب، لتعود القطارات كما كانت، تعمل بشرطة، فالقطارات وفقًا لخطوط التشغيل قائمة، لكن المشكلات والأعطال مستمرة، بل زادت ساعات الأعطال الأخيرة بعد فض الإضراب.

“سمير.د”، سائق قطار، شرح لنا كيف أن المسئولين بالوزارة حاولوا نشر إشاعات مفادها أن السائقين يتعمدون تعطيل جهاز “آي تي سي” المسئول عن حركة القطارات، مضيفا أن ما تم نشره في عدد من المواقع، وما خرج من تصريحات تدين السائقين ما هو إلا خطة ممنهجة من أباطرة الفساد بالهيئة للتخلص من إضراب جديد تم التلويح به قبيل العيد، ومن المحتمل القيام به فعليًا، إذا تأزم الوضع أكثر، فالعمال لا يستطيعون تحمل مزيدًا من نزيف الدماء للمصريين، مؤكدًا أن مطالب السائقين سيتم رصدها قريبًا بشكل أوسع وأكثر تنظيما، وسترفع للمسئولين.

..

وما بين إضراب سابق لم يكتمل، وإضراب محتمل على وشك أن يبدأ، يبقى السائقون وطواقم التشغيل في حيرة من أمرهم، الكثير يحملهم مسئولية أي حادث على قضبان الموت، والبعض يتفهم ما يعانونه من سوء إدارة، ومعدات وقطارات بالية، بعضها لم يخرج من الخدمة منذ أن خرج الإنجليز من مصر، ليبقى السؤال الذي يطرحه كل من قابلناه: هل سيظل السائقون وعاملو الإشارة “مظاليم السكة الحديد” وكبش الفداء لكل مسئول سابق وقادم؟