اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، في 9/12/1987، بعد أن قررت جماهير الضفة والقطاع عدم التعويل على الفصائل الفلسطينية في الخارج، وقد تمكَّن منها التبعثُّر، وتعفَّنت النسبة الأكبر من أعضائها، وكوادرها، وقياداتها، بعيدًا عن الحدود مع الوطن المغتصب، وقد استبدت بهم ظاهرتا المال السايب، والفراغ المقيت؛ بينما صبَّ تدهور النظام السياسي العربي الزيت على النار الفلسطينية، فضلاً عن تغوُّل الاحتلال، وقطعان المستوطنين؛ ناهيك عن الكرامة الوطنية النازفة، بسبب الاحتلال الإسرائيلي، في حد ذاته.
خلال سني الانتفاضة، انهار “المعسكر الاشتراكي”، صديق العرب، في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، وانفرط عقد الاتحاد السوفياتي، بعد نحو سنتين، وهو السند الدولي القوي لقضايا العرب، وقبله تورَّط صدام حسين في حرب الخليج الثانية، صيف 1990، ما وفَّر لواشنطن، وركائزها في الوطن العربي ذريعة كافية لاجتياح العراق.
التقطت القيادة الفلسطينية المتنفذة أسباب التراجع هذه، لتفريطها بالقضية الوطنية، بينما دأبت تلك القيادة على تقديم التنازلات المجانية، منذ خريف 1988، حين أعلنت تلك القيادة إدانتها للكفاح المسلح، باعتباره إرهابًا! في سبيل مجرد موافقة واشنطن على الحوار مع منظمة التحرير.
حين حاقت الهزيمة بالجيش العراقي، مطلع 1991، صممت دول الخليج على إسقاط عرفات من رأس كل من “فتح”، ومنظمة التحرير، عقابًا له على تأييده صدام حسين، في احتلاله للكويت. وقطعت دول الخليج كل مدد مالي لفتح والمنظمة، وحركَّت أزلامها في “فتح” ومنظمة التحرير ضد عرفات. هنا، آثر الأخير أن يدلف إلى نفق أوسلو، سيء الصيت، حتى يفلت من مقصلة دول الخليج، وهو لا يدري بأنه كان كالمستجير من الرمضاء بالنار، وباللهجة الفلسطينية العامية، خرج عرفات “من تحت الدلف، إلى تحت المزراب”. فبعد أن كان النظام السياسي العربي هو من يحدد ملامح الزعيم الفلسطيني، منذ تأسست “جامعة الدول العربية” (1945)، غدا العدو الصهيو-أمريكي من يحدد تلك الملامح، الأمر الذي احتاج عرفات إلى نحو ست سنوات، حتى يكتشفه، ولكن بعد فوات الأوان.
على أن ثمة دوافع أخرى، لعل في مقدمتها، الارتفاع المطرد في خط “حماس”، ما يهدد قيادة عرفات للحركة الوطنية الفلسطينية. كما فزع عرفات من احتمال توصُّل الوفد الفلسطيني، المفاوض في واشنطن بعد مدريد، إلى تسويةٍ ما، مع الوفد الإسرائيلي، مما يُسدل الستار على قيادة منظمة التحرير، وينقل زمام القيادة إلى قيادات الضفة والقطاع. أما الدافع الثالث، فتمثَّل في توجُّس عرفات من احتمال عودة الملك حسين إلى الضفة الغربية، خاصة بعد أن عاود حسين التلويح بمشروع “المملكة المتحدة”، بين الأردن وفلسطين، الذي كان طرحه، لأول مرة، ربيع العام 1974.
لهذا كله، تقدم عرفات إلى العدو الصهيوني، بأدنى سعر، في مناقصة التسوية، فرسَت عليه المناقصة.
نأتي إلى الكيان الصهيوني، الذي هدف من “اتفاق أوسلو” إلى إزاحة العائق الفلسطيني من طريق أنظمة عربية، تتلهف لإقامة علاقات مع ذاك الكيان. إلى محاولة التخفيف من بشاعة الوجه الصهيوني، التي تجلت في تكسير عظام أطفال الانتفاضة، وسياسة العقاب الجماعي.
ثم كان التوقيع على “اتفاق أوسلو”، في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، في 13/9/1993، بعد أن اعترف اللص الصهيوني بضحيته الفلسطينية، فحسب؛ وانفتح الباب لتحوُّل فلسطينيين من طليعة وطنية، إلى مجرد أداة لحماية أمن إسرائيل، والإسرائيليين، وغدت مناطق الحكم الذاتي شريط حدود جديد، واهتزت منظومة القيم القومية، والوطنية، وتهددت الطموحات الوطنية الفلسطينية، في الصميم، وتبعثَّر الصف الوطني الفلسطيني، أكثر فأكثر، وحُرم الشعب الفلسطيني من حق العودة، وتقرير المصير، ومن إقامة دولته المستقلة، ينما أُطلقت يد إسرائيل في مصادرة الأراضي، والسطو على المزيد من مياه الضفة والقطاع، والتوسُّع في بناء المستوطنات.
لكن سرعان ما انتفض الشعب في الضفة والقطاع، انتفاضتين عارمتين (1996، 2000). على أنهما أخفقتا، بسبب هشاشة الوحدة الوطنية، وغياب برنامج الإجماع الوطني. ودفع عرفات حياته ثمنًا (11/11/2004)، بمجرد أن خرج عن النص الصهيو-أمريكي، وازدادات أزمة القضية الوطنية استفحالاً، باطراد. ولا يزال الهبوط مستمرًا.