انقضى يوم صعب بشارع “ابو سعدة” في مدينة “الخصوص” بشبرا الخيمة “بعد ان أستيقظ أهاليه ليل أمس على أصوات مشاجرة شملت إطلاق رصاص وانتهت بمقتل فرد وإصابة ثلاثة، ولكن الخوف من أن تأتي نهارات أكثر صعوبة لا زال مطروحاً وذلك فى ظل الملابسات التي شهدتها تلك المشاجرة التي شملت طرفين مسلم ومسيحي.

انقضى اليوم بعد تواتر الروايات المتباينة لينتهى الجميع الى حقيقتين رئيسيتين، الأولى هى أن حادث القتل جاء إثر مشاجرة راح ضحيتها رجل كبير يسعى وراء لقمة عيشه من فوق “عربية كارو”، والثانية هى أن اليوم قد مر وسط تواجد أمني مكثف بالشارع وانخراط كل طرف فى مصيبته، فالأول يسع وراء ذويه فى قسم الشرطة حيث بواجهون اتهامات بالقتل، والثاني فى المستشفى و على باب المشرحة.

ولكنه لا زال الخوف كامناً والسبب هو سؤال محدد هو :”ماذا بعد أن يرحل الأمن؟” وهل سيبقى الأمر فى حدود واقعة جنائية يخضع المتهمون فيها للمساءلة أم أن هناك نار ما تحت الرماد تتعلق بالواقعة نفسها أو ما نتج عنها وترتبط بوقائع سابقة شهدتها تلك المدينة وتتعلق بالتركبية السكانة بها قد تنذر للأسف بنذير شؤم بالايام القادمة.

محاولة الإجابة عن تلك الأسئلة ونسج الاحتمالات تبدأ بالإجابة عن الأسئلة التالية:

ـ كيف بدأت القصة؟

استمع جميع أهالي شارع أبو سعدة بالتأكيد لصوت العراك والرصاص ومع تعالي صوت الصراخ و صفارة سيارة الإسعاف أصبحت الحقيقة واضحة “واقعة قتل”، أن تخرج تلك الواقعة من حيز مدينة الخصوص لتصل لكل بيت فى مصر فهذا يرجع بالتأكيد لهوية طرفي المشاجرة، فالطرف الأول بيت مسيحي “بيت بيشوي” والطرف الثاني هو بين مسلم “بيت عبدالله”.

في صباح اليوم صدر بيان رسمي عن مدير أمن القليوبية جاء فيه : “لقي عثمان بكري عثمان، 30 سنة، سروجي، مصرعه إثر طلقة طائشة خرجت من أحد أطراف مشاجرة بين «سنجر. م. ع» وشقيقه «عبدالله»، وبين «بيشوي. ر. ج» وشقيقه «جرجس»، بسبب خلاف على 250 جنيها، وأسفرت المشاجرة عن إصابة 3 وتمكنت الأجهزة الأمنية من السيطرة على الأفراد المتشاجرين من الطرفين، حيث تم ضبط بندقية آلي وفرد خرطوش محلي وفرد روسي بحوزة «بولا. ر. ج»، كما تم ضبط عدد من أطراف المشاجرة من الطرفين، وجارٍ عرضهم على النيابة والسيطرة على الموقف وعودة الهدوء للمنطقة تماما. وتم تعيين أفراد خدمة أمنية لملاحظة الحالة ومنع تجدد الاشتباكات”.

لكن الروايات غير الرسمية كانت قد صدرت قبل ذلك بساعات واستمرت على مدار اليوم وهى تحمل في بعض منها تناقض شدي دو فى البعض الآخر تكامل فيما بينها.

جاءت الرواية الأولى فى ساعة متأخرة من ليل أمس على لسان مجموعة من شباب المنطقة نقلها عنهم عدد من شباب “رابطة ماسبيرو” الناشطة فى مجال حقوق الانسان ووفقاً لهم فإن “بيشوى” كان يسير برفقة والدته فى الشارع قبل آذان المغرب مشعلاً سيجارة وهو ما تسبب فى مناقشة سريعا ما تحولت إلى مشادة بينه وبين “عبدالله” انتهت بسب بيشوي ووالدته مما دفعه فى ساعة متأخرة من الليل لأن يشتبك هو وأسرته مع أسرة “عبدالله” فأطلق شقيقه من مسدسه الخاص عدة طلقات فى الهواء أدت لمقتل أحد أفراد العائلة المسلمةوهو ما نتج عنه محاصرة منازل أقباط وبدء حرقها

رواية أنكرها الكثيرون مع صعود شمس اليوم  خاصة فيما يتعلق باندلاع أعمال عنف على إثر جادثة القتل وتوافقوا مع الرواية الرسمية لوزارة الداخلية أن الأمر هادىء وتحت السيطرة بينما ظلت التساؤلات حول تفاصيل ما جرى بتلك المشاحرة، ومن جانبه قال المحامي “سامح ميريت” عضو اللجنة النقابية للمحامين فى الخصوص أنه توجه بنفسه إلى قسم شرطة الخصوص وتأكد من المتهم “بيشوى” و شقيقه “جرجٍس” أن المشاجرة لم تكن بسبب ديني (تدخين السجائر بنهار رمضان) ولكن بسبب خلاف على مبلغ مالي بسيط اقترضه الأول من الثاني.

هذا بينما أكدت الكنيسة أن ليست لديها تفاصيل كاملة عن ما جرى فى “الخصوص”.

ـ فيما اختلفت واتفقت الروايات؟

الروايتان على اختلافهما أتفقا على سياق محدد وهو أن القتل جاء إثر مشاجرة بين عائلتين أى كان السبب بذلك وكونهما أسرة مسيحية وأخرى مسلمة سمح لتساؤلات مشروعة أن تطل برأسها.

لكن هل ذلك كل ما فى الأمر؟، .. غالباً لا.

البحث وراء الشهادات التي تم نشرها على الحسابات الخاصة بأهالي من منطقة الخصوص سواء مسلمين أو مسيحين اختلفت حول ترتيب ما جرى بحيث يكون القتل ولو بالخطا هو عمل هجومي أم هو ردة فعل ومحاولة للدفاع عن النفس.

فبين رواية أولى تقول أن المشاجرة بالفعل بسبب “سيجارة” وإزاء رفض “بيشوي” الإهانة اتجه الى منزل “عبدالله ” برفقه أخي وأمه ومع تكرر الإهانة بشكل واسع الى حد الاعتداء بالضرب وسب والدته أطلق أخيه الرصاص كنوع من ردة الفعل، و بين رواية ثانية تقول أن المشاجرة التي سببها مبلغ مالي لا يزيد عن 250 تسببت فى تجمهر أهالي أسرة “عبدالله ” أمام بيت “بيشوي” لاستكمال المشاجرة معه وقد حمل عدد منهم “المطاوي” و الأسلحة البيضاء وسبوا والدته ووالدته فما كان من أخيه أن خرج من نافذة المنزل و أطلق عدة رصاصات فى الهواء تسببت فى مقتل أحد المارة و سيدة فى نافذة مقابلة لهم و أحد أفراد أسرة “عبدالله”.

ـ اين يكمن الخطر؟

ما بين الغضب والإنفعال وما بين الدفاع عن النفس لا زالت الروايات متداخلة وغير أكيدة أما الحالة الأمنية فى الشارع مستتبة وسط انتشار أمني مكثف على مداخل ومخارج المنطقة و أمام الكنيسة وكذلك بعد تأمين منزل “القاتل” وإجلاء السيدات والاطفال منه غلى منازل أقارب لهم.

لكن يبقى السؤال ماذا بعد أن يرحل الأمن؟ هل ينتظر الجميع مجريات التحقيق والمحاكمة أم أن هناك قتيل معرضا ً للاشتعال، يقول الباحث بالشأن القبطي “سليمان شفيق” أن نسبة كبيرة من سكان الخصوص هم من أقباط الصعيد ممن جاءوا هرباً من الجماعات الإسلامية فى الثمانينات وأن أغلبهم يعملون ـ كما المسلمين ـ فى تجارة بيع وفرز الخردة مما يجعلها منطقة ملغمة بالسلاح الأبيض و المواد الخطرة التي سبق وإن ظهرت خطورتها فى أكثر من واقعة جنائية أو طائفية كان آخرها أحداث “إبريل 2013” لى أحداث عنف طائفي غاية في التعقيد، توفي على أثرها قرابة ال6 مسيحيين واُشعلت النيران في بعض منازل المسيحيين وكنيسة انجيلية.

في نفس الاتجاه عبًر الباحث “مينا ثابت” بشئون الأقليات بالمفوضية المصرية لحقوق الانسان عن رؤيته للموقفو وأكد صباح اليوم أن الروايات متضاربة فمن الأفضل عدم الإنجرار وراء أى منها خاصة فى ظل استباب الوضع الأمني والتاكد من عدم صحة ما تم تداوله عن حرق منازل مسيحيين بالخصوص.

غير أنه عاد قبل قليل و كتب شهادة جديدة بعد زيارته للمنطقة رجح فيها رواية “الدفاع عن النفس” لكن سرعان ما قام بحذفها وقال أن ذلك بناء على طلب الأسرة المسيحية، وفسر معلقون أن السبب فى ذلك هو “الحيطة” و”الخوف.

..

ماذا يمكن أن يفعل الخوف فى منطقة ليس بالضرورة أن تكون شهدت واقعة طائفية لكنها بالتأكيد محملة بالعديد من الأوجاع السابقة نتيجة أزمات طائفية أو بسبب أوضاع عامة تصنف “الخصوص” كغيرها كمنطقة عشوائية يعيش أغلب ساكنيها فى ظل ظروف اقتصادية واجتماعية شديدة الصعوبة و ينتشر بها “العنف”.