تزعم الرئيس المصري “ألسادات” طريق عقد اتفاقات الصلح مع الكيان الصهيوني والاعتراف بحق دولة إسرائيل فى الوجود على أرض فلسطين، وهو ما أقره مجلس الأمن بالأمم المتحدثة عام 1947 ونفذته العصابات الصهيونية على الأرض عام الـ 48 بالدم والقتل والتهجير للفلسطينين من مدنهم وقراهم فأصبحوا لاجئين.

طريق بدأه “السادات” متحصناً بخطاب الحكمة السياسية وخلع الشعارات الرنانة والقبول بما يفرضه الأمرالواقع وحقن الدماء وخلق سبل للتعايش، طريق على المستوى العملي لم يفض إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وعلى المستوى المبدأى والمعنوي ساهم ـ رغم المقاومة الشعبية الشديدة ـ لخلقل تيار جديد يتبني ها الفكر ويغذيه ليس فقط بين صفوف الحكام العرب ممن لهم مصالح مباشرة فى الارتكان لوجهة النظر المملاة أمريكياً ولكن للأسف وجد ايضاً طريقه الى عقول عربية فى مجالا شتى وبمختلف الأعمار إثر خطاب سياسي وإعلامي يدعم التوجه الرسمي .

عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 و عند التصديق عليها بمجلس الشعب المصري فى الـ 79 وجه المفكر القومي المحامي “عصمت سيف الدولة” رسالة للنواب بعنوان “هذه المعاهدة” سرد فيها الاسباب المبدأية والاستراتيجية والتكتيكية التي تجعل رفض تلك المعاهدة واجب وطني، تم التصديق والتهليل، عاود وأصدر رسالته فى كتاب وارفق بها مقدمة بعنوان “الصهيونية فى العقل العربي” حذر فيها مما ذكرناه أعلاه وهو بدء الترسيخ لثقافة جديدة تتبنى خطاب العدو، وتصبح ملكية أكثر من ملك، فتتسامح مذعنة مع من قتل ولا زال يقتل، ترضخ في ذل لمن نهب ولا زال ينهب ثم تدعي الحكمة والحنكة والدهاء.

وتزامناً مع إلقاء الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” لخطابه أول أمس امام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تحث فيها عن السلام الدافىء وأمن وسلامة المواطن الإسرائيلي بعد لقاء بشوش جمعه ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نعيد نشر تلك الدراسة الهامة .

….

ما الصهيونية ؟

فى البدء كانت الصهيونية نظرية أصبحت استراتيجية بالعناصر الثلاثة لكل استراتيجية : التنظيم ، الخطة، الهدف. ثم أصبحت الصهيونية مواقف وحركة ومعارك تكتيكية . ولا يعني قولنا إن الصهيونية كانت ثم أصبحت أنها انتقلت من مرحلة انقضت إلى مرحلة جديدة ، بل يعني أنها قد تمت وأضيف إلى مضمونها الفكري مضمون استراتيجى ثم مضامين تكتيكية . فهي نظرية على المستو ى الفكري ، وهى تنظيم ذو خطط وأهداف محددة على المستوى الاستراتيجى وهي حركة جزئية أو مرحلية . فكرية أو عملية ، فردية أو جماعية ، على المستوى التكتيكى ، وكلها صهيونية .

يكون من المفيد لنا ، نحن العرب، حين نتحدث عن الصهيونية أو نستمع إلى حديث عنها ، حين تواجهنا أو نواجهها أن نعرف ونحدد المستوى الصهيونى الذى يدور عليه الحديث أو تجرى عليه المواجهة . قلت مفيدا ، وأقول إنه حيوى . أعنى أن هذه المعرفة بمستويات الصهيونية، والاستفادة بها مسالة حياة أو موت بالنسبة إلينا نحن العرب . بحيث أن أى خلط أو خطأ ، أى جهل أو تجاهل ، لمستويات الصهيونية قد يؤدى ـ فى صراعنا معه ـ إلى هزيمتنا هزيمة لا نعرف كيف وقعت . وأفدح الهزائم وأكثرها تدميرا هى التى لا يعرف المهزوم كيف وقعت .

ترجع هذه الحيوية إلى سببين متكاملين :

السبب الأول: أن مستويات الصهيونية ، مثل مستويات أية حركة سياسية يحكم بعضها بعضا ويحدده .فالنظرية هي المبدأ والمقياس الثابت. فهى تحكم الاستراتيجية وتحددها . بمعنى أن الاستراتيجية ، مهما تعدلت خططها ، أو حتى تغيرت ، لا تستطيع أن تفلت من إطار النظرية . وستبقى غايتها دائما تحقيق الهدف الذى حددته تلك النظرية . ثم إن المواقف الفكرية أو الحركية ، الجزئية أو المرحلية ، الفردية أو الجماعية ، السلمية أو العنيفة ، التى تقع على مستوى التكتيك تكون محكومة بالاستراتيجية طبقا لهذا يكون من الحيوى بالنسبة إلينا ، حين نتحدث عن الصهيونية أو حين نواجهها ، أن نميز بين تلك المستويات الثلاثة ،ثم نتعرف أين يقع الحديث أو المواجهة منها . ثم أن نكتشف ، بالرغم من كل تمويه ، حقيقة الموقف التكتيكى برده إلى الخطة الاستراتيجية لنعرف على أى وجه يخدمها . ثم نراقب الاستراتيجية وننتبه إلى ما قد يصيبها من تغيرات لابد لها من أن تكون أكثر ملاءمة عند أصحابها ، لتحقيق الهدف . فإذا غم علينا الأمر رددناه إلى النظرية .. إذ هى المصدر الأول لكل حركة والمقياس الأخير لكل موقف .

السبب الثانى : أن مستويات الصهيونية ، مثل مستويات أية حركة سياسية أخرى ، تتراكم وتتراكم متجهة .من الفكر المجرد إلى الواقع العينى . من النظرية إلى الاستراتيجية إلى التكتيك حيث تدور المعارك الفعلية متنوعة المضمون متنوعة القوى متنوعة الاسلحة . ولكن خط ، الانتصار أو الهزيمة يتجه ـ بالعكس ـ من الواقع العينى إلى الفكر المجرد . يتم النصر أو الهزيمة على المستوى التكتيكى ، وبتراكمه تهزم الاستراتيجية أو تنتصر ، ولكن النصر النهائى، أو الهزيمة ، لاتتم الا بهزيمة النظرية ذاتها ، أى حين لا تجد احدا يقتنع بها وينطلق منها إلى استراتيجية جديدة ، أو بانتصار النظرية ذاتها حين يتمكن الطرف المنتصر تكتيكياواستراتيجيا من صياغة الواقع طبقا لنظريته . وبناء على هذا يكون من الاخطاء القاتلة لاى طرف ان يحسب النصر التكتيكى نصرا استراتيجيا أو يحسب النصر الا ستراتيجى حسما نهائيا للنزاع . وبالعكس ان يعتبر الهزيمة التكتيكية هزيمة استراتيجية أو يعتبر الهزيمة الا ستراتيجية حسما نهائيا للصراع .

فى عام 1967 ادرك جمال عبد الناصر مستوى الهزيمة بالرغم من جسامتها ، وقدم مثالا رائعا للقائد الذى يعرف طبيعة المعارك التى يخوضها ، فبعد شهرين فقط من الهزيمة الجسيمة رفع شعار ” مااخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة ” ، وشعار ” لامفاوضة ، لاصلح ، لا اعتراف ” . وفى العام ذاته سئل وزير خارجية الصهاينة ، ابا ايبان ، عما اذ اكانت الصهيونية ستفعل لو نجح العرب فى تدمير اسرائيل فقال: كنا سنبدأ من جديد لاقامة دولة اسرائيل . وكان كلاهما يعبران عن السمةالتكتيكية للنصر الصهيونى والهزيمة العربية عام 1967.

***

الصهيونية نظرية :

الصهيونية نظرية فى القومية . تقول : ان اليهود امة . ولابد ان ننتبه إلى هذا المفهوم الصهيونى للامة العربية ، أولا: لان معرفته معرفة واضحة هى الضابط النهائى للمواقف الصحيحة من الصراع العربى الصهيونى . وثانيا : لان مشكلة الامة والقومية مشكلة قائمة فى الوطن العربى على المستويين الفكرى والحركى . أى اننا ـ على وجه ـ نستعمل فى حديثنا عن الامة العربية ومستقبلها ذات الالفاظ التى يستعملها الصهاينة عن الامة اليهودية ومستقبلها . وقد يؤدى هذا إلى ان تختلط فى اذهاننا المفاهيم فنتصور ان لنا ولهم نظرية واحدة فى الامة القومية .

اليهودية دين كما نعلم . واليهود هم ممن يؤمنون بذلك الدين ، ولما كان الايمان بالدين ، أى دين، لايتوقف على الجنس أو اللون أو اللغة أوالانتماء الاجتماعى ، فهو انتماء مفتوح لكل من يؤمن ، فاننا نستطيع ان نتبين بسهولة ان اليهود ، لمجرد انهم يهود، لايكونون امة . والواقع انه لاتوجد فى التراث العالمى كله ، على كثرة مافيه من نظريات فى الامة والقو مية ، نظرية تقول ان اليهود امة الا النظرية الصهيونية .فالامة فى الصهيونية لاتحتاج فى تكوينها لتاريخى إلى وحدة الدم أو الجنس أو اللغة أو الارض أو الحياة الاقتصادية .. بل يكفى لتكوين الامة الانتماء الدينى ومايولده من قرابة روحية تميز بين اليهود وغيرهم من الامم .

وتختلف هذه النظرية اختلافا اساسيا عن مفهوم الامة والقومية فى الفكر العربى الحديث . حيث الامة ” مجتمع ذو حضارة متميزة من شعب معين مستقر على ارض معينة خاصة ومشتركة تكون نتيجة تطور تاريخى مشترك “. ويدخل فى هذا التعريف كل ماتعلمناه من مميزات الامة كاللغة أو الثقافة أو الدين فتلك عناصر التكوين الحضارى وهى تختلف من امة إلى امة تبعا لظروف لتطور التاريخى الذى كونها . اما عن المصالح الاقتصادية المشتركة فهى متوافرة فى كل مجتمع حتى لو لم يكن امة . واما الحالة النفسية المشتركة والولاء المشترك .. الخ . فتلك معبرات فى الافراد عن وعيهم الانتماء إلى أمة قائمة ، ولكن الوجود القومى ، الامة ، لايتوقف عليها على اى حال فان الفارق الاساسى بين النظرية الصهيونية والنظرية العربية فى الامة هو الاختصاص بالارض والتفاعل معها حضاريا .

***

الصهيونية استراتيجية :

للاستراتيجية عناصر ثلاثة : الاداة . الخطة . الهدف.

(1) اما الاداة الصهيونية ، فهى المنظمة الصهيونية ، وليس مؤسستها السياسية المسماة اسرائيل ، كما قد يتبادر إلى الذهن . الصهيونية منظمة هى التى جمعت الصهاينة وحشدت جهودهم من اجل هدفها . وهى التى بدات بالغزو السلمى قبل 1948 لارض فلسطين فى شكل الهجرة وشراء الاراضى ، وهى التى عبأت ودربت وسلحت قواها استعدا دا للغزو المسلح . وهى التى غزت ثم اقامت دولة اسرئيل على قطعة محدودة من الارض العربية . وهى التى تقف وراء اسرئيل وتستخدمها كقاعدةانطلاق إلى اسرئيل الكبرى التى تمثل الهدف النهائى .

وينبغى أن ندرك ، أن القول الفصل فى مصير الصراع العربى الصهيونى ليس ما تقوله و تفعله أو تقبله إسرئيل القائمة بل ما تقوله أو تفعله أو تقبله الصهيونية المنظمة على المستوى العا لمى . والواقع أن إسرئيل ليست إلا المشروع المصغر للهدف الصهيونى . وهى لا تمثل من بين أدوات الغزو الصهيونى أخطرها واقواها تاثيرا فيجاورها ووراءها واقوى منها اثرا تلك القوى العالمية التى عبأتها الصهيونية المنظمة من دول وجماعات وافراد وافكار واموال وأعلام لتدعم قوة اسرائيل ثم تمد لها الارض العربية حتى تتقدم عليها باقل خسائر ممكنة ..وقد تجنح حكومة في اسرائيل إلى السلام وقد تقبل التخلى عن التوسع ولكن هذ ا لن يكون عند المنظمة الصهيونية الا استسلاما أو خيانة من حكام الدولة القاعدة ولن تلبث الصهيونية ان تغير من تشكيل الحكم فى دولتها الصغرى لتستانف مسيرتها إلى دولتها الكبر ى.

(2) اما الخطة الاستراتيجية الصهيونية فتتميز اساسا بانها عدوانية . ذلك ، لانها ، بحكم الفرق بين منشأ القوة وهدفها ، لابد ان تكون هجومبة . وقد تقف اسرائيل موقفا دفاعيا . وقد تتقهقر ولكن هذا لن يكون الا موقفا تكتيكيا فى معركة تكتيكية فى نطاق استراتيجية هجومية عدوانية اصلا . وهو ما يعنى تماما انه بعد أى توقف أو تقهقر لا يملك الصهاينة ، واداتهم اسرائيل ، الا ان يعودوا إلى الهجوم إلى ان يتحقق هدفهم الاستراتيجى أو إلى ان تهزم الصهيونية نهائيا . فهى اذن استراتيجية هجومية عدوانية ، هجومية منسوبة إلى الصهاينة . عدوانية منسوبة الينا نحن العرب.

(3) اما الهدف ، فقد حددته النظرية على وجه لايستطيع أى صهيونى ان يحيد عنه أو يتوقف دونه ويبقى صهيونيا . وتمكن صياغته على الوجه الاتى: مادام اليهود امة فان من حقهم ان يفعلوا ما تفعل كل الامم ، وان يعاملوا كما تعامل الامم . ومن حق الامم ان تقرر مصيرها بنفسها مستقلة عن اية امم أو شعوب اخرى . وهو ما يعنى ان تكون لها دولتها القومية . والدولة لا تقوم الا من شعب معين على ارض معينة . اما الشعب فهو كل اليهود ايا كانوا من اطراف الارض. عليهم ان يجتمعوا على ارض دولتهم . اما عن الارض المعينة ، فهم يقرأون فى كتاب يسمونه التوراة ، وهو كتاب ظهر لأول مرة فى عهد الملك يوشا بعد وفاة موسى بن عمران بسبعة قرون كاملة ( سفر الملوك الثانى ـ اصحاح 22) . يقرأون ” لنسلك اعطى هذه الارض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات ” (سفر التكوين اصحاح 15 اية 18). الا انها ارضهم تاريخيا ؟ .. لا. يقرأون وعد ” يهوه” لاسرائيل بان سيقوده ” إلى مدن عظيمة لم تبنها ، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها ، وابار محفورة لم تحفرها ، وكروم زيتون لم تغرسها “( سفر التثنية ـ اصحاح 6 ـ اية 11) . وماذا عن سكانها واصحابها ؟.. يقرأون :” انى ادفع إلى ايديكم سكان الارض فتطردهم من امامك” ( سفر الخروج اصحاح 23 اية 22) .

وهكذا نعرف ما يعرفه الصهيونيون ، وهو ان هدفهم الاستراتيجى الاستيلاء على ارض عربية تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات ،واخلاؤها من سكانها ليقيم فيها يهود العالم كله دولتهم القومية .

***

الصهيونية تكتيكا :

لا يمكن حصر المواقف والاساليب والمراحل التكتيكية التى تترجم الخطط الاستراتيجية . ذلك لانه على المستوى التكتيكى تدور المعارك الفعلية ويلتحم المتصارعون وتتعدد الاطراف المشتركة بحيث لايستطيع أى طرف ان ينفرد باتخاذ موقف تكتيكى غير متاثر بالموقف المضاد ، ولا ان يستعمل سلاحا بعيدا عن قياس مضائه على مضاء الاسلحة التى يواجهها . باختصار يمثل المستوى التكتيكى الميدان المرن للمناورة فيه تتجلى كفاءة المقاتلين والقادة ، لا فى ميدان القتال فقط ، ولكن فى المقدرة على مواجهة المواقف الطارئة . والملاءمة بين حركاتهم وحركات القوى المضادة .. وتتوقف تلك المقدرة إلى حد كبير على الادراك الثابت للتناقض بين الخطط الاستراتيجية للمتصارعين حتى يستطيع كل مقاتل أو مشترك فى الصراع ان يطور من اساليبه التكتيكية باقصى قدر من المرونة ، ولكن بحيث لا تنتقل اساليبه من مجال خدمة استراتيجيته إلى مجال خدمة استراتيجية العدو . فيكون قد هزم نفسه .

ومع ذلك فلا باس من ان نقول ان حكماء صهيون قد اطلقوا حركة الصهيونية من اية قيود انسانية أو خلقية من أول القتل إلى الكذب وقالوا يوصون ابناء صهيون “: اضربوهم وهم يضحكون ، اسرقوهم وهم لاهون ، قيدوا ارجلهم وانتم راكعون ، ادخلوا بيوتهم واهدموها ،تسللوا إلى قلوبهم ومزقوها “.

***

الهزيمة والاستسلام :

طبقا للمقاييس التى ذكرناها تحقق الصهيونية هدفها باحدى طريقتين هزيمة العرب أو استسلامهم . اما بالاستيلاء على الارض العربية عنوة واخلائها من البشر واقامة دولة اسرائيل عليها ، واما تخلى العرب عن الارض وتركتها لهم خالية ليقيموا عليها دولتهم . ولا نقصد من قولنا خالية الا يوجد فيها عربى على الاطلاق ولكن نقصد ان لا يقيم فيها الا العربى الذى تقبل اسرائيل اقامته . ذلك لانه لا يخفى ان دولة اسرائيل ستكون فى حاجة إلى بشر من الدرجة الثالثة يعفون ابناءها من عبء العمل المرهق أو العمل القذر وكمذيعين على موجات البث باللغة العربية ، وجواسيس ايضا.

المهم انه نتيجة الخلط المضطرب فى المفاهيم فى المرحلة الحالية اصبح من اللازم التفرقة بين الهزيمة والاستسلام .

ان الهزيمة هى التخلى عنوة عن هدف تكتيكى أو استراتيجى . اما الاستسلام فهو قبول التخلى عن هدف تكتيكى أو استراتيجى بدون صراع . وقد يبدو الفارق بينهما دقيقا على المستوى التكتيكى . اذ قد يتم الانسحاب بدون قتال من موقع تكتيكى نتيجة لتقدير القيادة لموازين القوى ، وتجنب خسائر محققة . هذا ليس استسلاما ولكنه مناورة ، واحدة من فنون الصراع التى يجيدها الراسخون فى علم الصراع وفنونه . وقد تكون مناورة الانسحاب ، والتخلى عن الارض ، بل حرقها وتدميرها ، ابرع تكتيك يخدم الهدف الاستراتيجى . كما فعل الروس مرتين امام نابليون وهتلر . وفى صراعنا مع الصهاينة ، اعنى الصراع العسكرى ، هزمنا عام 1948 وعام 1956 وعام 1967 وهزمناهم عام 1973، وكانت كلها معارك تكتيكية . فى عام 1948و1967 تخلى كثيرون من الشعب العربى فى فلسطين عن الارض وغادروها وكان ذلك يبدو استسلاما، ولكن حين تحول الشعب العربى الفلسطينى خارج الا رض المحتلة إلى منظمات مقاتلة وبدا القتال اقتحاما اصبح من الممكن القول بان الهجرة تمثل انسحابا تكتيكيا وليس استسلاما .

وحين امر الرئيس عبد الناصر بسحب الجيش المصرى من سيناء عام 1956 حتى لا تطوقه القوات الانجليزية والفرنسية الهابطة خلف منطقة القتال كان انسحابا تكتيكيا وليس استسلاما .. وهكذا .

ولكن الفارق بين الهزيمة والاستسلام يبدو واضحا حين تقع الهزيمة على المستوى التكتيكى فيتم التراجع على المستوى الاستراتيجى ، أو حين تقع الهزيمة على المستوى الاستراتيجى فيتم قبول وتبنى نظرية المعتدين . وهو هنا استسلام لانه ليس النتيجة اللازمة للهزيمة . فليس من شان الهزيمة فى المعارك التكتيكية ، اعنى الجزئية أو المرحلية ، ان تحسم المعركة على مستواها الاستراتيجى ، وبالتالي يكون التراجع الاستراتيجى غير مبرر ، أى تراجعا بدون صراع أى استسلاما . كما ان الهزيمة حتى على المستوى الاستراتيجى لاتعنى ان الصراع قد حسم وانما يحسم فقط حين يتبنى المنهزمون نظرية المنتصرين. واروع مثال على كل هذا معارك العرب ضد الغزو الصليبى . انهزم العرب فى اكثر من موقعة تكتيكية ولكنهم لم يسلموا ابدا بحق الصليبيين فى احتلال الارض العربية ، لم يقبلوا ابدا ، ولم يتبنوا النظرية الصليبية ، فلم يلبثوا ، ولو بعد حين ، ان حرروا الارض وهزموا اعداءهم . ومثاله الاخر حركات التحرر الوطنى فى العالم كله . بذرة نموها التى لم يصبها العفن ابدا ، هو رفض النظرية الا ستعمارية ، نظرية تحضير العالم أوروبيا ، نظرية تفوق الرجل الابيض ورسالته الحضارية إلى البشر … ومن هذه البذرة ، وبعد قرون من العجز المادى عن المقاومة ، واتت الظروف فنبتت البذرة ثورات لم تلبث ان انتصرت .

أليس هذا واضحا ؟.

فما الذى يحدث الان فى العالم العربى ؟..

***

الاستسلام الوشيك :

هزمتنا الصهيونية عام 1948 واحتلت جزءا من فلسطين . وهزمتنا عام 1956 وخرجت من المعركة مستولية على مياهنا الاقليمية فى خليج العقبة . وهزمتنا عام 1967 واستولت على سيناء والضفة الغربية والمرتفعات السورية .وفى مقابل هذا كنا ندرك ان تلك هزائم تكتيكية ونعد العدة لاستئناف المعارك . تحول شباب اللاجئين إلى مقاتلين واقتحموا حدود وطنهم . وتقدم العرب إلى القائد الذى انهزم يعوضونه ماليا عن دخل القناة ، ويتعاهدون معه على ” الا مفاوضة ولاصلح ولااعتراف “. ومن مرحلة الاعتراف بالحطأ بدأت خطى التصحيح . وعبأت اكثر من دولة عربية كل قواها المادية والبشرية لاعادة انشاء الجيوش التى سحقتها الهزيمة ، واستؤنف القتال تحت اسم حرب الاستنزاف بعد اقل من ستة اشهر من الهزيمة علاقاتها الدولية على اساس ان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة .

وحين وجد القادة لم يخذلهم الشعب وجاءت لحظة الاختبار التاريخى حين واجه جنودنا جنود الصهاينة فى فرصة متكافئة وانهزم الصهاينة فى معركة تكتيكية ايضا .. ولكنها امدتنا باقوى اسلحة النصر النهائى : الثقة فى اننا نستطيع ان ننتصر .

بكل منطق قومى أو وطنى أو علمى أو حتى نفسى .. كان ذلك يعنى أولا : ان يدرك العرب ان نصر اكتوبر 1973 كان نصرا فى موقعة تكتيكية ، لم يحسم الصراع بين العرب والصهيونية على المستوى الاستراتيجى .ولكنه مهد لحسمه لصالح العرب .

ثانيا : الا يتركوا للعدو فرصة التقاط انفاسه وا سترداد قواه والتحول من الدفاع إلى الهجوم .

ثالثا : ان يحتفظ القادة بالثقة بالنصر التى قدمها اليهم الجنود بعد ان اشتروها بدمائهم الغالية .

رابعا : ان يكمل العرب ماينقصهم من عناصر القوة فيضيفوا إلى خططهم التكتيكية الجزئية المرحلية خطة استراتيجية شاملة بعيدة الامد ..

خامسا: ان يكتشف العرب من خلال عناصر النصر الذى تحقق فى اكتوبر 1973 اصوله المبدئية ، ان يكتشفوا من خلال ماحقق عنصر التنسيق العربى من نصر مدى ماتتضمنه الوحدة من انتصار ، ومدى مسئولية التجزئة عن مرحلة الهزائم .

بكل منطق كان يجب ان نوالى انتصاراتنا العربية التكتيكية ، لتحقيق النصر على المستوى الاستراتيجى ، لنصوغ الحياة على الارض العربية طبقا لنظريتنا القومية ، ونقنع الصهاينة بها ليبحث كل منهم عن ارضه التى جاء منها .

ضد كل هذا ،

ضد معطياته العينية ، المادية والبشرية والفكرية ، حدث مالم يحدث فى تاريخ الشعوب كلها بقدر مااعرف من تاريخ الشعوب . وفى ذات للحظة التى انتصرنا فيها فى معركة تكتيكية استسلمنا أونحن على وشك الاستسلام ، لا اقول على المستوى الاستراتيجى ، بل اقول على المستوى المبدئى . كان امامنا خيارات عدة تقع جميعها على مستوى المعركة التى انتصرنا فيها . كان ممكنا ان نواصل المعارك . كان فى امكاننا ان نتوقف مرحليا . كان فى مقدورنا حتى ان نتخلى عن المكاسب التى حققناها ، وهو اقصى ، واقسى ، مايمكن ان يختاره المقا تلون على ا لمستوى التكتيكى . وكان يمكن ان يكون لكل هذا مبررات ، من الظروف الدولية ، أو من الظروف العربية ، أو من الظروف المحلية ، سواء كانت ظروفا سياسية أو اقتصادية أو حتى ذاتية ، وسواء ‏كانت ظروفا صحيحة أو غير صحيحة .. وكنا ستلف فى هذه المبررات ، ولكن خلافاتنا ماكان لها ان تتجاوزمستواها التكتيكى ، أى ان اقصى ماكنا سنختلف فيه هو : ” كيف نواصل الصراع حتى نهزم الصهيونية على جميع مستوياتها .

ولكن شيئا من هذا لم يحدث ..

الذى حدث اننا بطريقة غريبة على التاريخ ، غريبة على الشعوب ، غريبة على تاريخ الشعب العربى بالذات ، انتقلنا ، نحن الذين انتقلنا . من نصر تكتيكى إلى استسلام مبدئى ، موفرين على عدونا عناء الصراع على المستوى الاستراتيجى .

ذلك لاننا سلمنا ببساطة بان من حق اليهود ان يقرروا مصيرهم ، أى انهم امة . ,ان من حق هذه الامة ان تكون لها دولة قومية وان تقوم تلك الدولة القومية ، الصهيونية ، على جزء من الارض العربية ، وان يكون هذا الجزء بالذات مااشارت اليه التوراة التى يقراها الصهاينة .لم يحدث ابدا ان ارغمنا الصهاينة على تبنى نظريتهم هذه . لانه لم يحدث ابدا ان هزمونا على المستوى الاستراتيجى ، ولم يحدث ابدا ان حققوا من الانتصارات مايحسم الصراع بالنسبة اليهم على المستوى التكتيكى، وقد كان اخر لقاء بيننا هزيمة لهم .. لهذا قلنا ونقول : اننا لم نهزم .. بل نستسلم أو نوشك ان نستسلم …

السنا مشغولين بوجود الشعب الفلسطينى ودولته ، السنا فرحين بان اعترف عدونا ، أو بعض اعداءنا بان هناك شعبا فلسطينيا ، وان من حقه ان يكون له موطنا، وليس حتى وطنا؟ السنا نتحاور ونتشاور ونجادل ونختلف حول صيغة وجود الدولة الفلسطينية ، هل تقوم مستقلة ام فى اتحاد فيدرالى أو كونفدرالى مع الاردن أو سورية . السنا نركض فى انحاء الارض جميعا ، فخورين بكرمنا وسماحتنا وسعة افقنا نعرض السلام مع الصهاينة وندفع ثمنه مقدما قبول الوجود الصهيونى على ارض فلسطين ؟ .. السنا نسعى إلى حد المذلة ، علنا وخفية … ، ملتمسين من الصهاينة ان يقبلوا جوارنا مؤكدين صدق نوايانا فى قبول جوارهم ، على الارض العربية .. اليس على الارض العربية فى جنوب لبنان ، جيش مقاتل ” صهيونى ـ عربى ” موحد الاسلحة والامدادات والتخطيط وقد يكون موحد القيادة ؟…. ايها الشباب الا نسمى الان ، وطننا العربى ، منطقة الشرق الأوسط ؟..

فما الذى بقى ؟..

يقولون :” انها خاتمة جولة وستاتى بعدها جولات ” .. غدا تسترد دولة الضفة والقطاع مابقى من اسرائيل ؟..غدا نقوى فنستانف الصراع ؟ .. غدا .. ياتى جيل يلغى مافعلناه والتاريخ طويل؟ .

لا يصدق من هذا القول الا القول الاخير . نعم ، غدا يأتى جيل عربى يلغى كل مافعلوه ، ولماذا غدا، انه قائم قادر لن يولد غدا ، بل سيضرب غدا وان غدا لناظره قريب ، ولكن لماذ ايطول تاريخ المعاناة ونحن قادرون على اختصاره ..؟ السنا جيلا فاشلا؟.. افلا يكفيه فشله فيخون جيلا ناشئا.

اما عن الجولة التى ستاتى بعدها جولة ، ودولة الضفة والقطاع التى ستحرر باقى فلسطين ، فلا اقول انه عناء . اقول انه احتيال . نصب . خديعة . اننا لم نحرر الضفة أو القطاع أو حتى جزءا منها ونقيم عليه دولتنا .ولو تم شئ من هذا ولو فى القطا ع وحده ، ولو فى مدينة واحدة من مدن الضفة لكان نصرا عظيما ، ولكننا مشغولون بقبول عرض مشروط .. مشغولون بدراسة صفقة دولة فلسطين فى مقابل دولة صهيونية . مع الاعتراف المتبادل والامن المتبادل .. ولن ينتهى الامر عند هذا الحد.. سيستانف الصهاينة مسيرتهم العدوانية إلى ان تتحقق لهم دولتهم بحدودها التى لاينكرونها.. فقط بلاسلوب الجديد .. اسلوب الاستسلام العربى …

وبعد ،

فلماذا استسلم العرب أو يوشكون على الاستسلام ؟ … اعتقد ان الصهيونية وحلفاءها ، بعد ان انهزموا عسكريا فى جبهة القتال فى اكتوبر 1973 ، فتحوا من جباهنا ثغرات ، وغزوا عقولنا . اختصروا الطريق إلى النصر النهائى ، فبدلا من احتلال ارضنا جزءا جزءا بدأوا فى احتلال رؤوسنا فكرة فكرة . بدلا من الاستيلاء على الوطن يحاولون الاستيلاء على البشر ليكون الوطن لهم بعد ذلك بدون حاجة إلى القهر ..

جردونا من نظريتنا العربية ودسوا فى رؤوسنا نظريتهم الصهيونية .

رفعوا من فكرنا القومية العربية ووضعوا بدلا منها القومية اليهودية ، ولما انمحت من ذاكرتنا دولة الوحدة قامت بدلا منها دولة اسرائيل . وكان لهم منذ البداية حلفاء جاهزون . أولئك هم الاقليميون الذين انكروا امتهم ، فتنكروا لقوميتهم ، فمنحوا ولاءهم للتجزئة فيما بينهم . والتجزئة لاتمس بل تتدعم اذا مااعطيت الصهيونية جزءا مغتصبا من الوطن العربى مقابل ان تسكت عن اغتصاب الاقليمين باقى اجزائه..

ولما انكر الاقليميون امتهم ، وفقدوا قوميتهم ، تجردوا من نظريتهم ، فلم يستطيعوا ، وما استطاع الاقليميون قط ، ولن يستطيعوا قط ، ان تكون لهم استراتيجية موحدة فى مواجهة الصهيونية . ماكان ولن يكون للاقليمين اداة نضال عربية واحدة . ماكان ولن يكون للاقليمين خطة مواجهة واحدة . لم يلتق الاقليميون ولن يلتقوا قط على تحرير فلسطين …. وليس هذا قولا جديدا …