يجلس «هادي»، البالغ من العمر 25 عامًا، بجانب أمه في صالون منزل عروسته، التي اختارتها له الأم، يكاد لا ينطق، لاهو ولا عروسته، في حين لا تكف أمه عن الكلام.

بهذا المشهد يبدأ فيلم «نحبك هادي» للمخرج التونسي محمد بن عطية. عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان برلين عام 2016، وحصل على جائزتي أحسن فيلم عمل أول وأحسن ممثل، وهو إنجاز للسينما العربية علينا جميعا أن نحتفي به.

عُرض الفيلم في القاهرة للمرة الأولى كفيلم افتتاح «أيام القاهرة السينمائية» التي تنظمه «زاوية». زاوية لمن لا يعرف هي مجموعة من دور العرض يديرها شباب تقوم بعرض أفلام أوروبية وعربية ومستقلة عادة ما تكون قد حققت نجاحًا ملموسًا على الساحة الدولية.

يتناول الفيلم قصة «هادي» الذي ينصاع للصورة التي رسمتها له والدته ويتركها تدير شئونه وترتيبات عرسه، نراه طوال الوقت لامبالايًا صامتًا مستسلمًا، سواء في بيته أو عمله، وقبل العرس بأيام قليلة يضطر «هادي»، الذي يعيش في تونس العاصمة، إلى الذهاب للمهدية في مهمة عمل وهناك يتعرف على «ريم» التي تعمل مدربة رياضية في الفندق الذي يقيم فيه «هادي».

يقع «هادي» في حب ريم. وأخيرًا يجد ما يجعله يبالي ويكترث. يحرره الحب ويزيل الرماد الذي كان يغطي شخصيته الحقيقية، فيترك كل شىء خلفه ويغرق حتى الثمالة في قصة عشقه مع ريم، يبدأ بالاهتمام بموهبته الحقيقية وهي الرسم، يهمل عمله الذي لم يكن يحبه، يتمرد على والدته دون أن يخشى عواقب ذلك.

نتابع قصة حب «هادي» و«ريم» في تونس ما بعد الثورة، بسلاسة ومهارة يمر الفيلم على أوجاع تونس، المتشابهة مع أوجاعنا العربية بشكل عام، والآمال الكبيرة التي اصطدمت بواقع ما بعد الثورة، فيلمس وجدان المشاهد بما للسينما من سحر وبما لهذا الفيلم من خصوصية. وعن هذا يقول المخرج: «كما حال العشاق يرون كل شىء في الدنيا ممكنًا في التو واللحظة، كان حالنا بعد الثورة، إذ تصورنا أنه برحيل بن على ستنتهي كل مشاكلنا في اليوم التالي وسيصبح كل شىء على ما يرام، ولكننا اكتشفنا أن الأمر يحتاج إلى جهد ووقت».

اسم الفيلم يحمل معنى مزدوج فهو «نحبك هادي» كما تقولها الأم والمجتمع، نحبك أن تبقى هادئًا، وعلى الجانب الآخر «نحبك هادي» أي «أحبك يا هادي» كما تقولها «ريم» حبيبته، وبين مايريده المجتمع وما يمليه الحب، يعلن «هادي» ثورته ويلملم ذاته ويبحث عنها.

مخرج الفيلم محمد بن عطية نخرج تونسي، يعيش في تونس وليس خارجها، استطاع بفيلمه الأول أن يحكي قصة أبطاله في سياق قصة الوطن الذي يعيشون فيه بطريقة شديدة البساطة والعمق جعلت الفيلم يتعدى نطاق بلده ومنطقته ويصل للعالمية، رغم أنه مستغرق تمامًا في واقعه التونسي، وهي المعادلة الصعبة التي نجح فيها المخرج بامتياز.