كتب ـ أحمد عبد العزيز

تشهد المملكة العربية السعودية هذه الأيام، أحداث فريدة من نوعها، ربما لم تصادفها منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يد عبدالعزيز آل سعود قبل ما يزيد على 80 عاما.

وتتمحور الأحداث التي تمر على السعودية حاليا، حول نقطتين: الأولى هي عملية انتقال السلطة من الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز، إلى نجله محمد بن سلمان ولي العهد، الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وسط معارضة واسعة له داخل الأسرة الحاكمة، خاصة من أعمامه الذين يرون أنهم أحق بالملك منه.

والنقطة الثانية، هي أزمة الخلاف مع قطر والذي تقوده كل من السعودية والإمارات بالإضافة إلى مشاركة مصر والبحرين.

تنحي متوقع

يتوقع السعوديون بين ليلة وأخرى، أن يتم الإعلان عن تنحي الملك سلمان، وإعلان نجله محمد “خادما جديدا للحرمين الشريفين”، وسبق أن نقلت صحف ووكالات أنباء عالمية قبل أشهر، أنه تم تسجيل الإعلان بالفيديو للملك الوالد لإذاعته في الوقت المناسب، فيما رحجت العديد من المصادر الإعلامية أن إعلان التنحي سيكون في سبتمبر الجاري.

ويعرف عن الملك سلمان البالغ من العمر 82 عاما، أنه يعاني من عدة أمراض أخطرها بالنسبة لمنصبه، هو معاناته من “الخرف” وهو ما يتسبب في عدم قدرته على إدارة شؤون البلاد، ما جعل نجله محمد بن سلمان بطبيعة الحال، هو المتحكم في كل شيء فعليا داخل المملكة، وصاحب القرار الرئيسي.

إلا أن الطريق أمام محمد بن سلمان إلى عرش السعودية، لم يكن ممهدا، ولن يكن، فالرجل احتاج إلى نقلات دراماتيكية عدة داخل السلطة حتى استطاع أن يصل إلى منصب ولي العهد، كان أهم هذه النقلات وأخطرها، هي الإطاحة بغريمه الذي كان يسد عليه الطريق، ولي العهد السابق وولد عمه، الأمير محمد بن نايف.

حيث أطيح به بشكل غير لائق ومفاجئ، سبق كل التوقعات التي كانت ترى أن الإطاحة به أمر حتمي، وأزاحه عن كل مناصبه بلا استثناء ووضعه قيد الإقامة الجبرية داخل قصره في جدة، وأشاع أن سبب الإطاحة به هو إدمان بن نايف على العقاقير المهدئة التي اعتاد تناولها منذ تعرضه لمحاولة اغتيال نجا منها قبل سنوات، وهو ما زاد من وتيرة الرفض الداخلي في الأسرة لابن سلمان، الذي بدا لهم أنه لا يتمتع بأي أخلاق أو أعراف قد تمنعه من التنكيل بأبناء عمومته في سبيل الوصول إلى العرش.

وفي ظل هذا الرفض لوجود هذا الشاب على رأس السلطة السعودية، يظهر عدد من المنافسين الآخرين له، أهمهم على الإطلاق، هما عمه أحمد بن عبدالعزيز وزير الداخلية الأسبق، والذي يتمتع بشعبية كبيرة داخل الأسرة وبين العديد من القبائل السعودية، بالإضافة إلى الأمير متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني، ونجل الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، حيث يوجد داخل الأسرة عدة أفرع كل منها يؤيد طرفا على حساب الآخر، والجميع ينتظرون اللحظة الحاسمة للانقضاض على ابن سلمان، الذي بدا مرتبكا ومترددا ومتهورا الفترة الأخيرة.

عبدالعزيز بن فهد

وأمام هذه المعارضة الشرسة، ربما أراد محمد بن سلمان، أن يبعث برسالة إلى الجميع داخل الأسرة، مفادها أنه لن يتردد في اعتقال أي شخص يعترض طريقه إلى العرش حتى ولو كان من كبار رجال الأسرة، مثل عبدالعزيز بن فهد، نجل الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز.

فالأخير عرف عنه أنه يغرد دائما خارج السرب، عبر حسابه الشخصي على تويتر، وكثيرا ما كان يطلق تغريدات لا تعجب الجالسين داخل قصر الحكم في العاصمة الرياض، لذا أشاع الدوائر القريبة من السلطة، أن عبدالعزيز بن فهد، يعاني من مرض عقلي ينتابه بين الحين والآخر، وهو السبب وراء تغريداته، التي كان بعضها غريب بالفعل ومثير للدهشة.

وقبل أيام، وبعدما أدى عبدالعزيز بن فهد فريضة الحج ونشر صور له مع الملك سلمان في مكة، نشر تغريدة غير مفهومه، يقول فيها إنه قد يتعرض للتصفية في أي لحظة، وأن دمه في رقبة شخص “يعلمه الجميع”، قبل أن تتسرب معلومات عدة أن الرجل ألقي القبض عليه واقتيد إلى مكان مجهول، ورغم انتشار هذه الأنباء بكثافة، إلا أن أحدا لم يخرج لينفي صحتها، لا من السلطات ولا من أسرة عبدالعزيز نفسه.

مع العلم أن هناك مزاعم، بأن بن سلمان، سبق واعتقل مجموعة من كبار ضباط في الجيش وبعض الجهات الأمنية، بالإضافة إلى عدد من صغار الأمراء، بسبب معارضتهم له عقب توليه منصب ولي العهد، أو بسبب ولائهم لابن نايف، ووضعهم جميعا في سجن خاص جنوب الرياض.

حراك 15 سبتمبر

وبالتزامن مع الاشتعال الداخلي بين أفراد الأسرة والصراع حول العرش، قرر المواطن السعودي الذي عرف عنه ابتعاده تماما عن المشاكل السياسية التي تضرب المملكة بين الحين والآخر، ألا يقف موقف المتفرج، وبدأت تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي داخل السعودية، دعوات للخروج والتظاهر رفضا لسوء الأوضاع المعيشية، واعتراضا على السياسات العامة للحكم التي أفضت إلى انتشار كم غير مسبوق من المشاكل الاجتماعية داخل المملكة.

وكان من أبرز هذه الدعوات، هي دعوة “حراك 15 سبتمبر” التي أطلقها مجهولون، وتدعو للتظاهر اليوم  أمام المساجد عقب صلاة الجمعة القادمة، للمطالبة بإصلاحات اجتماعية لتخفيض أعداد البطالة ورفع المرتبات وخفض الأسعار وتمكين المرأة والإفراج عن المعتقلين ومحاربة الفساد المالي والإداري بجهاز الدولة.

وبالرغم من أن الحركة كانت صريحة في تحميل مسؤولية تردي الأوضاع داخل السعودية، لولي العهد محمد بن سلمان، إلا أنها في الوقت نفسه لم تناد صراحة بإسقاط النظام في السعودية ولم تنتقد نظام الحكم الملكي أو أسرة آل سعود في المجمل.

افتعال أزمة

وفي خضم هذه الأزمة الداخلية، برزت النقطة الثانية، وهي الخلاف مع قطر، وهي الأزمة التي بدا للكثيرين أنها “مفتعلة”، خاصة أن السبب الرئيسي للأزمة، وهو التصريحات التي نشرت على وكالة الأنباء القطرية منسوبة للشيخ تميم بن حمد، تم نفيها رسميا من قبل قطر وتأكيد أن الموقع قد اخترق، إلا أن رد فعل الإعلام في كل من الإمارات والسعودية كان سريعا للغاية وملفتا، وكأنه معد سلفا وكأن الرياض وأبوظبي كانا على علم بما سينشر في وكالة الأنباء القطرية قبل القطريين أنفسهم!

المهم أن الأزمة كادت أن تصل إلى حل وشيك قبل أيام، بتدخل من الرئيس الأمريكي وأمير الكويت، وبعدما أجرى أمير قطر اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي، وهو الاتصال الذي احتفت به وسائل الإعلام السعودية، والتأكيد على أنه جاء لبدء حوار مباشر بين الأطراف بهدف الوصول إلى حل نهائي للأزمة، إلا أن تمرير الحل وكأنها جاء عن طريق محمد بن سلمان، أغضب الإماراتيين بشدة، وكان نتيجة لهذا الغضب، أن تراجعت السعودية، وافتعلت أزمة جديدة مع قطر لتبرر تراجعها عن الحل.

وإرضاءا للإمارات، وحتى يثبت ابن سلمان أنه لا يسعى لحل منفرد بعيدا عن أبوظبي، سعت السلطات السعودية لإجبار كافة الشخصيات العامة داخل المملكة للهجوم على قطر والتغريد ضد سياساتها وحكامها، والتنكيل بكل من يرفض هذا الهجوم، أو يلتزم الصمت! فكانت حملة اعتقالات واسعة بين عدد من الدعاة.

اعتقال الدعاة

قبل أن تمر 24 ساعة على المكالمة الهاتفية بين بن سلمان وأمير قطر، بدأت حملة اعتقالات شملت عدد من الدعاة السعودين، إما بتهمة رفض الهجوم على قطر والتزام الصمت، أو بتهمة الدعاء لله بالصلح بين الطرفين!

الحملة -التي يتوقع أن تشمل أسماء أكثر الساعات القادمة- شملت اعتقال كل من سلمان العودة، عوض القرني، علي العمري، عبدالعزيز العبداللطيف، محمد موسى الشريف، فهد السنيدي، الشاعر زياد بن نحيت، يوسف الأحمد، إبراهيم الناصر، إبراهيم الفارس، محمد الهبدان، غرم البيشي، إبراهيم الحارثي، محمد بن عبدالعزيز الخضيري، والذين تم اقتيادهم إلى سجون المباحث في مختلف مناطق السعودية.

ونتيجة لهذه الخطوة غير المحسوبة، ارتفعت وتيرة الهجوم على بن سلمان في مواقع التواصل الاجتماعي داخل المملكة، حيث اعتبر الكثيرون أن الشاب المتهور كشف عن نواياه مبكرا وهو لا يزال في منصب ولي العهد، فما الذي سيحدث إذا ما وصل إلى سدة الحكم وأصبح هو الملك رسميا؟! وهو ما عظم من جبهة المعارضة الشعبية لابن سلمان بين السعوديين.

حتى أنه تم إطلاق كتابة عريضة إلكترونية للمطالبة بالإفراج عن المشايخ المعتقلين، والتوقيع عليها، وتوجيهها إلى المنظمات الدولية، للتدخل عند السلطات السعودية وتنبيهها إلى خطورة الخطوة التي أقدمت عليها.

وقف خاشقجي عن الكتابة

الكاتب السعودي جمال خاشقجي، اعتبر أن مسألة اعتقال الدعاة أمر غير مسبوق في المملكة التي لم تشهد مثله من قبل، فغرد عبر حسابه على تويتر قائلا إنه لا يصدق أنه جرى اعتقال عوض القرني وسلمان العودة، وأن السعودية ورجالها لا يستحقون ذلك ولا تعرف المملكة “أجواء الاعتقال والتخويف”، مرجحا أن هناك سوء فهم وراء هذه الخطوة.

وبعد دقائق من كتابة التغريدة، صدر أمر من ناشر صحيفة الحياة اللندنية، الأمير خالد بن سلطان، بمنع خاشقجي من الكتابة في صحيفته، وهو ما أكده الكاتب نفسه، معلنا أنه تحدث مع الأمير واتفقا في مكالمة بينهما على رفض نشر ثقافة الكراهية، ولكنهما اختلفا حول الإخوان، معلنا أنه قد يعود إلى الكتابة عبر منصات أخرى قريبا.

خلية استخباراتية

وفي خضم هذه الأزمة، خرجت السلطات السعودية ببيان رسمي صادر عن “رئاسة أمن الدولة” -وهو كيان أمني أنشيء مؤخرا لذات الغرض الذي أنشئ من أجله الكيان الشبيه في مصر والذي كان يحمل نفس الاسم- يقول إنها تمكنت خلال الفترة الماضية من رصد أنشطة استخباراتية لمجموعة من الأشخاص، لصالح جهات خارجية -لم تسمها- ضد أمن السعودية ومصالحها ومنهجها ومقدراتها وسلمها الاجتماعي، بهدف إثارة الفتنة والمساس باللحمة الوطنية!

وأضاف البيان أنه تم تحييد خطر هؤلاء والقبض عليهم بشكل متزامن، وهم سعوديون وأجانب، وجاري التحقيق معهم للوقوف على كامل التفاصيل.

وبالرغم من أن البيان لم يذكر صراحة أسماء من تم القبض عليهم، إلا أن السعوديين جميعا اعتبروا أن المقصود بهذا البيان هم “الدعاة المعتقلين”، ما يعني أن السلطات تنوي الزج بهم في السجون لسنوات قادمة، وقد يصل الأمر لأكبر من ذلك!

إلى أين تتجه السعودية؟

لا أحد يعلم ما الذي يمكن أن يحدث بعد ساعة في السعودية! لا أحد يمكن له أن يتوقع تطور الأحداث المتلاحقة! فكل شيء بات ورادا، بن سلمان قد يصل في أي لحظة إلى عرش السعودية، ولكن من الوارد أن تتكتل ضده الأسرة وتعترضه وتدعم شخص ما في مواجهته، من الوارد أن يتم الصلح مع قطر في أي لحظة، وقد تتفجر الأمور بشكل أكبر خلال الأيام القادمة وتصبح القطيعة بين الطرفين نهائية، قد يتم إطلاق سراح الدعاة نتيجة الضغط الشعبي والدولي، وقد تتمسك السلطات بموقفها وتلقي بالدعاة في السجون لسنوات دون محاكمة معلنة، قد لا يحدث أي شيء اليوم  15 سبتمبر، وقد يحدث ما لم يكن يتوقعه أحد!