عباس كهلٌ يعيش في بلدتنا, معروف بعرجته التي يمشي بها في شوارعنا الطيبة ليأمر وينهي, ويعتدي على كل من اعتقد انه يسخر من عرجته, حتى وإن لم يفعل.

تجنبت كثيرا الحديث عن عباس خوفا من أن يسمع عني خبرا فتطالني يده الطرشاء, فبالرغم من عرجته التي تجعله ركوبة لكل من هب ودب ممن يكافئه في السن, إلا أن لديه ذراع كالمطرقة يستخدمها لضرب الضعفاء والأطفال,

وبلدتنا ليس بها إلا هم, وكل من قد يصل إلى سن عباس تُسحب روحه إلى السماء بسبب لعنة وصمت بلدتنا منذ قديم الأزل..

فالأسطورة تقول أن في زمنٍ ماضٍ هجمت على ديارنا قبائل من الصحراء معروفة بالسحر والأعمال, ومن ذعر الناس منهم اختبئوا كما الفئران, إلا أجداد عباس, خرجوا ليحموا الحدود, حاربوا الأعداء, وزرعوا البصل في نواحي البلاد, واستخدموا الأنصال والأوتاد, فانتهى الحال بفرار قبائل الصحراء بعدما ألقت سحرها فأصاب كل هارب وفار, فلم ينجُ منه إلا جد عباس ونسله.

أما عن السحر فنزل بلعنة ألا يعيش فيها رجل أو شاب, ويبقى فقط الأطفال والبنات والنساء, فإذا ما صار الطفل فتيا مات.

حكت إمرأة عجوز مرة أن تلك اللعنة مجرد هراء, وأن عباس يخترعها حتى لا يكون له مكافئ أو مقارع, فينفرد بالأمر والنهي, وأنه يعرف أنه لو شبَّ فتى عن الطوق لهزم عرجته وتولى الأمر مكانه, لذا فعندما تتضخم أوردة الأطفال ويخط الشعر منهم الوجوه وما تحت الإبط والعانات, يقتلونهم بماء الزرنيخ, أو ينفوهم خارج البلاد لتنقطع أخبارهم خلف البحار والمحيطات, وأن عندما هاجمت قبائل الصحراء البلدة لم يجبن أحد من مواجهتهم, وأن جد عباس هو السبب في أن يُقتَل بعض الرجال, وأنه ادعى غير ذلك بعدما استقر الحال.

لم نسمع تلك القصة مرة ثانية من تلك المرأة, إذ ساورتها أحلام اليقظة في الصباح, وأصبحت لا تستطيع التفرقة بين الحديث والنباح, وتم إيداعها مشفى المجانين.

ويقولون أن هناك ثمة امرأة قابلتها خلسة في تلك المشفى, فدلتها على رسالة مخبوئة في بئر ناءٍ عن الناس, فاجتهدت حتى وصلت لقعره الفارغ, فوجدت رسالة من ابن المرأة المجذوبة أرسلها لها عن طريق فتاة أحبها وأحبته قبل أن يضمها عباس لحاشيته, فاستطاعت عرفانا بعسل الأيام الخوالي أن تُهرب رسالة منه لأمه قبل أن يُرسَل إلى أعالي البحار, ليدَّعون بعد ذلك أنَّ روحه صعدت للسماء وتبخر جسده في الهواء!

وعندما حكت تلك المرأة عن الرسالة لجارتها, وأذاعت جارتها الخبر ليرى الناس الرسالة, هلك بعض الناس في الليل, يقولون أن ثمة بعوضة تحمل مرضا نادرا عضتهم فماتوا في التو واللحظة.

أما الأطفال الذين تتجنبهم اللعنة, فيشبّوا ويصيروا رجالا, فهم أولاد رستم الأعور.

رستم اعترف ببطولة عباس, وكتب أشعارا في عرجته, وأخرج من الكتب القديمة ما يعزز أسطورته, وفتل فتائل مصابيح الجاز وادعى أنها تشتعل من نار تقاه وحكمته, وفسَّر الكتاب وخطب في العباد ونظَّم الحديث ليستدل بكلام الدين على وجوب طاعته.

رستم أعورا, وتقول الأسطورة أن عواره جعل اللعنة تتخطاه أيضا, فلم تعرف اللعنة أن رستم إنسان وحسبته حيوان له عينٌ واحدة بينما للناس عينان.

وكل نسل رستم جاءوا مثله عورا, فإن لعبت الطفرات الجينية لعبتها فأنجب الأعور طفلا سليما, قفزت اللعنة من سباتها من جديد فأصابته فمات قبل الأوان.. يا ستار!

اشتغل رستم وأولاده في كل شيء, فهو قاضٍ يرى الناس بعينٍ واحدة ويصدر الأحكام, وكاتبٍ يرى انجازات عباس بعينٍ واحدة ويكتب عنها مئات الصفحات, ونمَّام يسير بين الناس فيلعن المرأة العجوز الخرفة, ويلعن الرسالة المجهولة التي جاءت بنحس البعوضة السامة المسمومة, واشتغل أيضا كرجل دين يحل بعينه المفتوحة ما يحله عباس ويُحرِّم ما يحرمه, ويغض الطرف بعينه المستغماة عن أي شيء سواه.

وفي يومٍ من الأيام وتحت إلهام أهازيج الأجداد التي يتغنى بها الأطفال في سمر الليل, انفجر الناس وانقلب الحال على عباس, واصبح للأطفال صراخ وللنساء أيدٍ لا تقل في قوة ضربتها عن ضربة مطرقة عباس.

وبدأت اللعنة المزعومة تسقط, وسبحان الله رأينا الأشناب في كل مكان..!

ثم اختلفت الأشناب, فظهر أولاد رستم الأعور بينهم ليدعون بدينهم, فتفرَّق الناس وضربوا أخماسا في أسداس, فعاد متسللا عباس بعرجته ومن جديد أحكم قبضته..

وهكذا عاد الناس يروون عرجة عباس نهارا ويسمعون كلام رستم الأعور مساءً, وعادت اللعنة, وقُطعت رؤوس من لم يجز شنبه ولحيته, أو يغطي عينا سليمة ليرى بعين رستم.

بلدتنا الطيبة, بلدة عباس