فعلياً، ناقشت اليوم لجنة الشئون التشريعية والدستورية بمجلس النواب =، اتفاقية تيران وصنافير، لن يسموها كما نسميها نحن، “تيران وصنافير”، بل سيعتمدوا على التسمية الرسمية “اتفاقية ترسيم الحدود المصرية – السعودية”، أملا في التخلص من مسئولية مناقشة اتفاقية أبطلها القضاء بحكم نهائي بات، سيطلقون عليها هذا المسمى خوفا من عار سيلاحقهم إلى الأبد، عار الإصرار على التخلي عن أرض مصرية خالصة، بالتاريخ والجغرافيا والوثائق، وبالقضاء كذلك. يرفضون تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، يتلاعبون بالمسميات، ورغم ذلك ستبقى صورة الخيانة تلاحقهم إينما ذهبوا.

ورغم كل محاولاتهم ستظل المسميات الشعبية هي الأبقى، فكل المسميات الرسمية والدبلوماسية لاتفاقية السلام مع اسرائيل لم تمحو مسماها الأساسي بأنها “اتفاقية العار”، ورغم الترحيب والموافقة الحكومية والبرلمانية لهذه الاتفاقية، إلا أن الموقف الشعبي لازال كما هو رافضا للتطبيع مع الصهاينة، بل ورافضا تسميتها بغير مسماها الطبيعي.
هكذا يمكن النظر إلى اتفاقية “تيران وصنافير” الحكومة والبرلمان في واد، والحس الشعبي في واد آخر، وتقول الحكمة الأزلية إن الأنظمة مهما كانت قوتها وسطوتها فهي إلى زوال والشعوب مهما كان ضعفها هي الباقية.

على أي حال موعدنا الأحد، هذا اليوم الذي كرهناه قبل أن يأتي، سنرى فيه واحدة من عجائب هذا العصر، وكأننا جيل كتب عليه أن يعيش نكسة جديدة، نكسة أسوأ بمراحل من تلك التي شهدها السابقون في الستينيات، على الأقل كانت هناك سلطة اعترفت بأن الأرض التي احتلت سيأتي يوم لنحررها، أما السلطة الحالية فهي التي تتنازل عن الأرض.
سيأتي الأحد، والاختيارات لن تخرج عن ثلاثة، فإما أن تطرح الاتفاقية للمناقشة فيحتشد النواب لوقف هذه “المهزلة” احتراما للقضاء والدستور، وبالتالي يبقى الوضع كما هو عليه، ويستمر حكم المحكمة مطبقا بمصرية الجزيرتين.

والاحتمال الثاني أن يتم تأجيل نظر الاتفاقية حتى تفصل المحكمة الدستورية في القضية المرفوعة أمامها بخصوص هذه الاتفاقية. (واحتمالين ضعيفيين للغاية، فكل المؤشرات والتصريحات من أعضاء البرلمان تؤكد أن الأوامر صدرت بمناقشة الاتفاقية والموافقة عليها).

لذا فالاحتمال الثالث، والأقرب إلى التنفيذ، هو البدء فعليا في مناقشة الاتفاقية، وهناك سنكون أيضا أمام احتمالين أولها أن يرفض النواب الاتفاقية، وكل البراهين لا تشير إلى ذلك للأسف كما قلنا، والاحتمال الثاني أن يوافق البرلمان كما هي عادته، ويبصم بالموافقة على الاتفاقية، وهي النتيجة المتوقعة، فمن اختارهم قد أمر.
وسط هذه العتمة، هناك من يرى بصيص نور في نواب (25 -30)، لكن ماذا يفعل هؤلاء النواب وهم أقلية لا تمثل أي ضغط عددي على المجلس، ولا تستطيع تعطيل أي تصويت، وغيابهم عن الجلسات لا يعطل انعقاد الجلسة؟ هم في النهاية مجرد أصوات رافضه للاتفاقية، وتأثيرها عدديا ضعيف.

اتجاهان لا ثالث طرحا للنقاش خلال الأيام الماضية، الأول يرى ضرورة الإسراع بتقديم الاستقالة فور بدأ المجلس مناقشة الاتفاقية، والثاني هو إعلان الرفض مع الاستمرار في المجلس لمواصلة فضح المجلس وطريقة تمرير الاتفاقية.

والحقيقة أن الاختيارين أحلاهما مر. فالمسألة كبيرة فعلا والقضية خطيرة، فماذا بعد التنازل عن الأرض، خاصة إذا كانت تلك الأرض محكوم بمصريتها من أعلى محكمة إدارية في البلاد. الحقيقة أن هؤلاء النواب في وضع لا يحسدون عليه، فكل ما كانوا يتوقعونه في البرلمان هو “خناقة” على قانون تصر الحكومة على تمريره ومعها أغلبية، أو يدخلون في “أزمة” على رقم في الموازنة العامة للدولة، أو “معركة” حول مسألة برلمانية، لكن أن يصل الأمر إلى مناقشة اتفاقية تبيح التنازل عن أرض مصرية، فهي مسألة صعبة وتستوجب الشفقة على (نواب 25-30)، لكن هل هذا التعاطف يغفر لهم ما سيقومون به؟ الحقيقة أبدا، فلابد أن يكون قرارهم حاسما وموقفهم صلدا في الدفاع عن الأرض، وهنا يعود السؤال من جديد، هل يستقيل النواب أم يظلوا داخل المجلس مع فضح ما تمارسه الحكومة والأغلبية لتمرير الاتفاقية؟

أقفُ مع الرأي الذي يرى ضرورة أن يحدث الأمرين معا، فضح ما قامت به الحكومة والأغلبية داخل المجلس، ثم الاستقالة من المجلس فور تحديد جلسات التصويت على الاتفاقية، هذه الاستقالات لابد أن تكون مسببة، يسجل فيها الأعضاء الأسباب التي دفعتهم إلى اتخاذ هذا الموقف، وليس الهدف هنا تاريخي فقط، وإنما لأهداف قضائية أيضا.
يقول المحامي زياد العليمي “على النواب أن يتقدموا بشكاوي إلى الأمم المتحدة والبرلمان العربي والبرلمان الإفريقي، ليكون هناك أمل معلق بوصول سلطة وطنية إلى الحكم نستعين وقتها بتلك الاستقالات وهذه الشكاوى لنؤكد على أن السلطة التي تنازلت عن الجزيرتين لم تكن أبدا ممثلة للشعب بل ممثلة لمصالحها” وأعتقد إن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لابد أن يتخذها النواب في التعامل مع هذه الأزمة، فليس بعد التنازل عن الأرض ذنب.