مصرية 100%، لا تقصد الحكومة بهذا التعبير جزيرتي تيران وصنافير بالعكس فهي تستميت في البحث عن أي مخرج قانوني للتخلي عن أراضينا في مشهد ربما يندر وجوده بين حكومات العالم أجمع.

ولكن ما تكرر حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي الحديث عن مصريته هو البرنامج الاقتصادي، الذي اتفقت على تنفيذه مع صندوق النقد الدولي العام الماضي، واستشعرت عزيزي المواطن آثار “وطنية” الحكومة في ارتفاع الأسعار القياسي خلال الأشهر الأخيرة من العام الفائت.

التأكيد على أن برنامج الصندوق نابع من إرادة محلية هو محاولة تعيسة لتلافي أخطاء الماضي، فالمؤسسة الدولية يلاحقها ماضي سيء السمعة من الفشل الاقتصادي مع بلدان نامية مثل مصر وتوجه لها اتهامات مستمرة بأنها تدخلت في اقتصادات تلك الدول وفرضت عليها شروطا ذات شعوبها تعاسة.

وبدلا من أن تنفذ حكومة السيسي إرادة وطنية حقيقية وتزيد إيراداتها عبر اخضاع الشركات والثروات وأنشطة المضاربة على شرائح أعلى من الضرائب، تحاول أن تقنعنا أن الشعب اختار بإرادته أن يتحمل فاتورة الأزمة الاقتصادية الجارية ولا يُثقل على أصحاب الثروات.

إذا أردنا أن نضع توصيفا للأزمة الاقتصادية الجارية فهي مشكلة عدم ملائمة إيرادات الدولة لمصروفاتها بشكل اضطرها للتوسع في الاستدانة، صحيح أن الحكومة طول عمرها تستدين لكن هناك مستويات خطيرة تهدد بعدم القدرة على رد الدين، هنا تتدخل المؤسسات الدولية لتحذر الحكومة من أنها قد تتعثر وتسبب فوضى في الاقتصاد العالمي.

وحظنا مع الديون خلال السنوات الأخيرة كان من سيء لأسوأ، فأيام مبارك كنا نقول على وزير المالية أنه وزير ” بربع “، بمعنى أنه عمليا ليس لديه الحرية في التصرف إلا في ربع نفقات الموازنة، لأن الثلاث أربع الأخرى موزعة بين الأجور والدعم وفوائد الديون، الآن اختلفت تلك المعادلة وارتفع نصيب الفوائد من المصروفات لحوالي 30%.

وجذور تلك الأزمة يعود لأسباب عدة منها ما هو حصيلة سياسات مبارك في ثلاث عقود من تفكيك المنظومة الصناعية بالقطاع العام وانهيار القطاع الزراعي وغياب سياسة جادة تضع مصر في موقع منافسة في الاقتصاد العالمي، ومنها ما يتعلق بأمور حديثة، كلنا نتذكر بالطبع حجم ما أنفق للإسراع بافتتاح قناة السويس الجديدة دون أي مبرر منطقي للتعجيل بتنفيذه في ظل ركود التجارة العالمية، هذا مجرد مثال بارز وتنطوي تحته عشرات الحالات الأخرى.

المهم الحكومة اتفقت بـ”إرادة وطنية ” مع صندوق النقد على أن تقترض منه مبلغا، 12 مليار دولار، ويمنحها ” شهادة ثقة ” يقر فيها أن البلد تسير على الصراط المستقيم وممكن أن تثق فيها مؤسسات التمويل الدولية وتمنحها قروضا دون أن تتعثر.

وفي مقابل تلك الثقة تعهدت الدولة المصرية بتنفيذ برنامج اقتصادي لحل مشكلاتها المالية بما يجعلها في المستقبل لا تحتاج للتوسع في الديون بهذا الشكل، نستطيع أن نوسع المصطلح الآن من الحكومة للدولة بعد أن وافق البرلمان على شروط الصندوق.

من سيدفع إذن فاتورة هذا البرنامج الوطني ؟ البرنامج ممتد لعدة سنوات، ولكن سنحاول الإجابة على هذا السؤال من واقع اجراءات العالم المالي الجاري فقط، والصندوق حاول أن يلخص علينا الأمر وجمع آثار تلك الإجراءات في حسبة واحدة.

وفقا لتلك الحسبة فإن ” الإصلاح ” في 2016-2017 سيزيد إيرادات الدولة بما يساوي 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي، منه 1% عبر زيادة ضريبة المبيعات، بعد أن تحولت للقيمة المضافة، و0.5% عبر رسوم إضافية في مجالات وسلع مثل السجائر، بينما ستجني الحكومة من الإصلاح الضريبي ما يساوي 0.1% من الناتج الإجمالي.
ويتطلع البرنامج “الوطني” أيضا لتقليص النفقات العامة بما يساوي 1.8% من الناتج الإجمالي، منها 0.6% عبر تقليص دعم الكهرباء و0.6% عبر تقليص دعم الوقود.
ويتضح من تلك الحسبة أن النسبة الأكبر من “الإصلاحات ” مرتبطة بإجراءات تضخمية تمس المواطن، لكن علينا أن نستعيذ من الشيطان ونصدق الحكومة في ” وطنية ” صندوق النقد، مثلما تطلب مننا أن نردد وراءها تيران وصنافير سعودية.