شهادتي عن كواليس ما قبل إعلان الترشح واللقاءات الخاصة مع «صباحي» و«خالد علي» وآخرين

لماذا بكى «صباحي» وأعضاء حملة مرشح الثورة أثناء مناقشة أمر الترشح؟

بالتأكيد ليس كل ثوار يناير أجمعوا على تأييد «صباحي» ولكن كل من أيدوه هم من ثوار يناير

بداية إذا كنت من «اتحاد ملاك الثورة»، الذين يستمتعون بحرق كل رمز، أو المزايدة على كل عمل يمكن أن يكون نواة للبناء لخدمة ثورة يناير المجيدة، أو ينتقدون ويسبون أي شيء يظهر فيه اسم حمدين صباحي لمجرد كره أعمى بدون أي سبب، فلا تقرأ هذا المقال وتجهد نفسك، لأن المحصلة في النهاية معروفة إنك قد تنتهي بسبي أنا الآخر، أما إذا كنت تريد أن تستمع لشهادة حقيقية للتاريخ قد تغير وجهة نظرك فتابع المقال للنهاية وحكم ضميرك.

كثيرًا ما كانت تمر أمامي أحداث كثيرة ومثيرة، وفيها أطراف معروفة بإخلاصها ونقاءها الثوري، وكنت أتساءل لماذا هؤلاء الأشخاص لا يتحدثون ويوثقون شهادتهم عن هذه الأحداث فربما تغير التاريخ؟

وفي الفترة الأخيرة، أي ما بعد 30 يونيو 2013، تأكدت أن من يكتب التاريخ دائمًا هم من يمتلكون السلطة المستبدة ويمتلكون الثروة والسلاح، فزاد إصراري على كتابة أي شهادة تخص أي حدث هام مر علي وكنت شاهد عيان فيه، وقررت ألا أكون صامتًا مثل من سبقونا وساعدوا في نشر تاريخ مزور تريد أن تروجه السلطة دائمًا، وهذا الحدث الذي سأكتب شهادة عنه اليوم هو حدث هام في تاريخ مصر. وبالرغم من صغر سني إلا أنه من حسن حظي أنني كنت شاهدًا على هذا الحدث، وأحد العوامل الحفازة فيه، هذا الحدث هو الانتخابات الرئاسية 2014، وبالتحديد ما يخص شهادتي هو ترشح السيد حمدين صباحي لهذه الانتخابات، كيف؟ ومتي؟ ولماذا؟

«حملة مرشح الثورة»

في نهاية 2013، فكرنا في تقديم مبادرة وهي “حملة مرشح الثورة”، وكنا فيها مجموعة من الصحفيين وشباب الثورة وهكذا، وكانت المبادرة غرضها وضع وثيقة تلتف حولها القوى الثورية لتقديم مرشح يكون معبرًا عن ثورة يناير المجيدة، وبدون دخول في تفاصيل الحملة نفسها لأننا سنذكر تفاصيلها في وقت لاحق، ولكن في بداية الأمر لم تكن المبادرة قد اتفقت على شخص معين، ولكن قمنا بعرض الوثيقة على الكثيرين من الوجوه المحسوبة علي الثورة، ولم يكن حمدين صباحي هو أول الأشخاص الذين تم عرض الوثيقة عليهم، ولكنه أول شخص قام بالتوقيع عليها بدون تفكير كان هو السيد حمدين صباحي، فبمجرد طرح الوثيقة عليه، وأثناء أول لقاء مع شباب الحملة، قال وقتها أنه لم يعزم الأمر على الترشح ولكنه متفق على بنود الوثيقة، وأنه سيوقع إيمانًا منه بهذه المبادئ، وإذا اتفقت الحملة علي شخص معين من رموز ثورة يناير المجيدة فهو ملتزم بتأيد هذا المرشح مهما كان.

وبعدها أيضًا كانت مقابلة مع الأستاذ خالد علي، المرشح السابق في انتخابات الرئاسة، ووافق هو الآخر على بنود الوثيقة، وتواصلت الحملة بعد ذلك مع شخصيات كثيرة على رأسهم المستشار هشام البسطاويسي، المرشح السابق في انتخابات الرئاسة 2012، ووافق هو الآخر على بنود الوثيقة، وليس هذا فقط بل فاجئنا برده حينما قال لنا أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية، وليس هذا فقط بل أنه يرى أن السيد حمدين صباحي هو أفضل مرشح للتيار المدني في هذا التوقيت وأنه يعلن دعمه له من الآن.

وبعد وقت قررت الحملة الاختيار من بين السيد حمدين صباحي والأستاذ خالد علي، وبدأنا في ترتيب جلسات ثلاثية تكون الحملة هي الطرف الأصيل فيها، والطرفين الآخرين هم السيد حمدين صباحي والأستاذ خالد علي، للاتفاق فيما بيننا على من سيخوض الانتخابات الرئاسية، لأن هذا أمر حتمي للتعبير عن أن ثورة يناير لم تمت وأن لها من يعبر عنها في مواجهة مرشحي الثورة المضادة، سواء في انتخابات أو غيرها، وعلى الطرف الآخر أن يلتزم بدعم من نتفق عليه، ووافق الطرفان على ذلك، وعقدنا عدة جلسات خاصة بهذا الأمر، ولكن بعد وقت قصير قرر الأستاذ خالد علي عدم الترشح ومقاطعة الانتخابات، وأعلن عن هذا الموقف في مؤتمر صحفي كبير.

وبدأت الحملة في عمل جولات مع أحزاب وقوي سياسية ورموز شبابية وثورية، وأيضًا نخب كثيرة لكسب تأيدهم للحملة.

25 يناير 2014 ورسالة من الشهيدة «سيد وزة»

في 25 يناير 2014، أول ذكرى لثورة يناير بعد موجة 30 يونيو، كنت متواجدًا في الشارع باعتباري صحفي ولتغطية الأحدث صحفيًا، وكان المشهد مؤلمًا، حيث يطارد رجال الأمن المتظاهرين في كل مكان ويحاصرونهم ويلقون القبض عليهم ويضربونهم بالخرطوش، وفي نفس الوقت يحتفل المواطنون “غير الشرفاء” في حمى الشرطة، ويرفعون لافتات للسيسي، ثم جاء الحدث المرعب حينما تم استشهاد الشاب سيد وزة، كان حدثًا مؤلمًا وموجعًا وصدمة للجميع، وتأكيد لأن هذا الرجل “عبدالفتاح السيسي”، الذي يحكم من وراء الستار وقتها، جاء فقط لتفتيت وحدة المصريين والقضاء على الشباب والانقضاض على ثورة يناير، وأنه سوف يفعل المستحيل للانقضاض علي السلطة مهما كان الثمن، وفي نهاية اليوم تم إلقاء القبض علي أنا وزميلي محمد خالد، أحد الزملاء في بوابة يناير، ولكن تم إطلاق سراحنا بعدها بقليل. في هذا اليوم كنت في حالة انهيار شديدة وشعرت بأن الشهيد سيد وزة ترك ذنبه في رقبتنا جميعا وثأره واجب على كل مؤمن بثورة يناير.

بعدها بيومين ذهبنا جميعًا “أعضاء حملة مرشح الثورة” للقاء السيد حمدين صباحي في مقر التيار الشعبي المصري، وبالصدفة كان هناك اجتماع لمجلس أمناء التيار الشعبي، وكان الاجتماع خاص باتخاذ رأي من أجل المشاركة في انتخابات الرئاسة من عدمها، ولكننا لم نشارك في الاجتماع وصعدنا للمكتب الخاص بالسيد حمدين صباحي، وتحدثنا معه بخصوص الرأي النهائي، وأنه وجب عليه أن يتخذ قرار نهائي الآن. وكان الحضور هم السيد حمدين صباحي، والأستاذ أمين إسكندر، ومعظم أعضاء حملة مرشح الثورة ، وقال وقتها نصا “أنه لا يريد أن يتخذ قرار يعمل على تفرقة المصريين ويضع الشباب في صدام مع مؤسسات الدولة، وفي نفس الوقت لا يريد أن يخذل الشباب ويتركهم وحدهم يصارعون الأمواج في وسط تسابق النخبة والأحزاب على التقرب من السلطة الجديدة”.

تحدث الجميع وظللت أنا استمع طوال الجلسة، إلى أن تحدث الأستاذ أمين إسكندر وقال وقتها “أنه لا يحبذ فكرة الترشح لأن الجيش وكل المؤسسات ستدعم هذا الرجل، ولا نريد أن نخوض معركة من أجل التمثيل المشرف فقط، فإذا خضنا المعركة فيجب أن يعلم الجميع أننا سنخوضها من أجل الفوز وليس من أجل شيء آخر، وأننا نمتلك مشروع وطني يرفع من شأن الوطن، ولكن إذا خضنا المعركة في ظل هذا الحشد المضاد من الثورة المضادة فهذا النظام سيحاول أن يغير النتيجة بأي وسيلة وسيحشد حشد معنوي مضاد، ولن يسمح بأن يحصل حمدين صباحي على الـ 5 مليون صوت، الذي حصل عليهم في سباق 2012، بالكثير سنحصل على 250 ألف صوت، لكي يظهرالنظام للجميع أن لا أحد يمتلك شعبية غيره من أجل أن ينفرد بالسلطة ويفعل ما يشاء، ولهذا لا أحبذ فكرة خوض المعركة”.

ولكن بعد هذا الكلام تحدثت وقتها وكان حديثي كله منصب في اتجاه أنه لابد أن نخوض المعركة، ولا نترك الساحة لهذا الرجل وحده دون أن يكون هناك صوت معبر عن ثوة يناير، وحتى لو لم نحصل على أصوات، فالمشاركة واجبة ومعارضة هذا النظام الذي يتكون للانقضاض على الثورة واجبة، وعدم احتواء الشباب والمساعدة في خروجهم من إحباطهم سوف يؤدي بالجميع للهلاك، فجزء سوف يهاجر ويترك البلد وجزء آخرسيفعل أي شيء يؤدي به في النهاية إلى السجن، ونحن سنتحمل مسئولية الجميع”، وأثناء كلامي تحدثت عن مشهد استشهاد سيد وزة، وقتله على أيدي الشرطة، وأن ما أقوله هو رسالة من الشهيد سيد وزة لحمدين صباحي، وأن الشهيد الذي قُتل غدرًا أمامي ذنبه في رقبتنا جميعًا، وفي رقبة حمدين صباحي، وبالتالي فترشح السيد حمدين صباحي قد يأتي بحق الشهيد.

أثناء حديثي بكيت بشدة، هذا البكاء كان نابع من ألم شديد بداخلي فلحظة الصمت والذهول التي امتلكتني في يوم 25 يناير2014 خرجت في هذا الوقت أمام الجميع، ومن التأثر بكي الجميع، حتى السيد حمدين صباحي لم يتمالك نفسه وانهمرت دموعه، دموع رجل مخلص ونقي وفدائي شريف لا يترك رفاقة في معركة وحدهم يضحي بنفسه من أجل الوطن والثورة، وقال وقتها أننا نحملة فوق طاقته وأنه مستعد لفعل أي شيء من أجل الشباب، وأنه لا يخشي على نفسه، ولا على عائلته من أي تهديد، أيًا كان، ولكن كل ما يهمه هو تلبية نداء الشباب، ولكن هناك قرار لمجلس أمناء التيار الشعبي هو ملتزم به ولا يمكن أن يتخذ القرار منفردًا. وانتهى اجتماعنا وذهبنا.

انشقاق «تمرد» وتأييد حمدين صباحي

في هذه الأثناء، كنت أسعى جاهدًا وأدخل في حوارات مع الكثير من أعضاء حملة تمرد، سواء من أعضاء اللجنة المركزية أو الأعضاء الموجودين في المحافظات، وبالتحديد كنت أدخل في حوارات دائمة مع حسن شاهين ومحمد عبد العزيز، وكان جميع أعضاء الحملة فاقدين الأمل في هذه الأسماء، ولكن كان الأمل كبير بداخلي في أنني سأنجح في إقناعهما.

كانت هناك أطراف أخرى تسعى وتضغط عليهما من أجل إعلان موقفهما من دعم السيد حمدين صباحي، سواء من التيار الشعبي أو غيره، ولكن أنا أتحدث في محاولات حملة “مرشح الثورة”، كنت أعلم أنهما لا يمتلكون سوى أصواتهما الانتخابية، ولكن محاولاتي كانت من أجل شق صف حركة تمرد، التي انتهت من بعد يوم 30، ولكن ما زال بعض مؤسسيها يتاجرون بها من أجل بعض المكاسب، وأيضًا من أجل إيصال رسالة للنظام أن تمرد التي كانت لها تأثير كبير في موجة 30 يونيو، اليوم تعلن تأييدها لمرشح مدني، وهو حمدين صباحي، وهذا يعني أن من يقولون أن وجود هذا الثنائي إثبات لنظريتهم بأن النظام هو من أرسلهما لإقناع حمدين صباحي بالترشح، فهذا خطأ كبير، وهذا لم يحدث لأنهما لم يكونا موجودين من البداية، وليس لهما أي تأثير على السيد حمدين صباحي في اتخاذ قراره.

تمت دعوتهما لحضور مؤتمر للتيار الشعبي في مركز إعداد القادة، لإحياء ذكري الشهيد محمد الجندي، وحضرا بالفعل، وهذا كان أول ظهور لهما معنا.

رصاصة الرحمة التي انطلقت في «مركز إعداد القادة»

في 8 فبراير 2014، عقد التيار الشعبي المصري مؤتمر لتأبين الشهيد محمد الجندي، وإحياء ذكراه، وكان هناك حضور غفير سواء على مستوى الشباب من كل المحافظات، أو من الرموز والقيادات الشبابية والحزبية، وأثناء كلمة والد االشهيد محمد الجندي قال أن والدة الشهيد لم تأتِ، لأنها مريضة، ولكنها تريد توجيه كلمة عبر الهاتف، وقام بالاتصال بوالدة الشهيد محمد الجندي، وقامت بمداخلة علي الهاتف، ووضع الهاتف عبر المايك، ووجهت رسالة للجميع بأن حق محمد الجندي لم يأتِ بعد، وطالبت الجميع بالتمسك بحق ولدها الشهيد، وحق جميع الشهداء، ثم طالبت حمدين صباحي بالترشح لأن هذه كانت رغبة الشهيد قبل أن ينال الشهادة.

كل من تحدث وقتها طالب السيد حمدين بالترشح، من بينهم والد الشهيد جيكا، ومصاب الثورة البطل محمد دومة، الذي فقد عينيه في جمعة الغضب، وأسرة المعتقل أحمد الجيزاوي، وكانت المفاجأة حين ظهر ثنائي “تمرد” الذين أغضب كثير من الشباب حضورهما، ولكن قام الثنائي وقتها بإعلان تأيءدهما للسيد حمدين صباحي، وهنا كانت الرسالة التي أردنا أن نرسلها للنظام، وطالبا هما أيضًا السيد حمدين صباحي بالترشح.

ثم جاءت كلمة السيد حمدين، والتي مازالت أتذكرها، وأعلن يومها “إن المواطن المصري حمدين صباحي قرّر خوض الانتخابات الرئاسية، ولكن من دون الإخلال بحق شركائه في التشاور معهم للتوافق على قرار نهائي من الترشح، فإذا كان قراركم وأنتم جزء من الشعب، بترشحي للانتخابات الرئاسية، فواجب عليَّ خوض الانتخابات ببركة الله وبدعمكم، واثقًا في الشعب المصري العظيم الذي لم أتعود أن أخذله”.

كانت هذه الكلمة، وهذا الإعلان، بمثابة رصاصة رحمة للجميع، فمن طالبوا حمدين بالترشح قد نالوا مطلبهم، ومن راهنوا أنه لن يترشح فسوف يؤيدون عبد الفتاح السيسي بضمير مرتاح، أصبح اليوم أمامهم طريقة أخرى يحاولوا بها إقناع نفسهم بتأيد مرشح نظام مبارك، ومن أردوا المقاطعة فسوف يقاطعون في جميع الأحوال، ومنهم من كان له وجهة نظر تحترم، ومنهم من كان ليس لديه أي وجهة نظر، بل سيقاطع في جميع الأحوال من أجل المزايدة ليس من أجل شيء آخر، ولكنهم وجدوا ضالتهم في الشخص الذي يزايدون عليه، ويعملون جاهدين علي تشويهه أكثر من انتقاد مرشح دولة مبارك نفسه.

في يوم الأربعاء 12 فبراير 2014، عقد مجلس أمناء التيار الشعبي، اجتماعًا تشاوريًا من أجل حسم الموقف النهائي، وكان القرار بالإجماع هو تأيد حمدين صباحي مرشحًا في الانتخابات الرئاسية 2014، وافق الجميع إلا شخص واحد وهو المخرج خالد يوسف، النائب البرلماني الحالي، و كان عضوًا في مجلس أمناء التيار الشعبي، وكان ولا زال أحد الأصدقاء المقربين للسيد حمدين صباحي.

(يُتبع بحلقة ثانية وأخيرة)